الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تشغــيــل الأطفــال

متَى ينجلي هذا الكابوس ?



إعداد سميحة الهلالي

في الوقت الذي ينتظر فيه عديد الاطفال العطلة الصيفية بفارغ الصبر للتمتع بالراحة والذهاب للاصطياف صحبة العائلة لا يعرف شقّ اخر من الاطفال طعما للراحة ولا للمتعة. بعضهم انقطع عن الدراسة نتيجة الفقر والخصاصة وبعضهم تمثل عطلة الصيف فرصة له للعمل وجمع ما يمكن من المال من اجل مجابهة مصاريف الدراسة ...اطفال لا يعرفون للراحة سبيلا من مقاعد الدراسة الى الاعمال الموسمية (بيع المشموم وخبز الطابونة، اللعب..... ، في المقاهي وعلى الشواطئ في وسائل النقل العمومية اوعلى قارعة الطريق ،وفي نقاط الاستخلاص في الطريق السيارة...) ينتشرون في كل الاماكن معرضين لشتى انواع الخطر ذنبهم الوحيد ما ألمّ بعائلاتهم من ظروف قاسية حرمتهم فرصة عيش طفولتهم بطريقة سوية. في المقابل رفعت الشعارات المنددة بتشغيل الاطفال ولكنها بقيت جوفاء فقد حضرت الاقوال وغابت الافعال وفشلت الحكومات المتعاقبة في تطويق ظاهرة تشغيل الاطفال التي مازالت متواصلة ..فشل في انتشال عديد العائلات من براثن الفقر المدقع .... والنتيجة اتساع الهوة بين احلام الطفولة وبين واقعها البائس وتمدد رقعة التهميش لتشمل عديد العائلات....فلماذا تتواصل ظاهرة تشغيل الاطفال ؟ ماهي الاسباب الحقيقية الكامنة وراءها؟ وماهي مساعي الدولة للقضاء على هذه الظاهرة ؟ واين القوانين الرادعة لها ؟

لقد حاول المشرّع التونسي بعد الثورة العمل على تحسين وضعية الطفل العامل عبر ترسانة من التشريعات لعل أهمها قانون الاتجار بالبشر الصادر في 3 أوت 2016 والذي أقر منع «الاستغلال الاقتصادي أوالجنسي للأطفال بمناسبة تشغيلهم» ولكن دون عرض لوضعيات مفصلة. كما أقر القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الصادر في 11 أوت 2017 في الفصل 20 بأنه يعاقب بالسجن من 3 أشهر إلى 6 أشهر وبخطية من ألفي دينار إلى خمسة آلاف دينار كل من يتعمد تشغيل الاطفال كعملة منازل بصفة مباشرة أوغير مباشرة. يسلط نفس العقاب المذكور على كل من يتوسط لتشغيل الاطفال كعملة منازل.

ولكن هذه القوانين تظل غير كافية لوقف النزيف المتواصل لتشغيل الأطفال ذلك ان تشغيل الاطفال مازال يمثل ظاهرة متفشية ببلادنا وترتفع بصفة ملحوظة خاصة في العطل المدرسية وفي الصيف.حيث تعمد عديد العائلات المفقّرة والمهمشة الى تشغيل ابنائها خلال الفترة الصيفية خاصة ببيع عديد المنتوجات على الشواطئ اوبالمقاهي وغيرها من المناطق الاخرى غير المحمية والتي تمثل تهديدا حقيقيا للأطفال في ظل غياب الحماية كما ان هناك شقا اخر من الاطفال يقع استغلال مجهودهم بطريقة متعمدة من قبل اصحاب المهن والحرف الصغرى ونجد امثلة على ذلك في ورشات تصليح السيارات ولدى الحلاقين وفي الصناعات التقليدية وورشات النجارة وفي الاسواق الاسبوعية مع باعة الخضر وسائر السلع الاخرى ولم يشفع لهم صغر سنهم أمام طمع وجشع الكبار كما توجد بعض الحالات الاخرى لدى المتسولين امام عتبات المساجد وفي الطرقات والشوارع وامام المحلات التجارية كما ان تشغيل الاطفال لم يستثن الجنسين فللإناث حظ عاثر حيث أيضا عمدت بعض العائلات تشغيل الفتيات القصر اللاتي يستجلبن من مناطق داخلية نتيجة لتدهور الظروف الاجتماعية للعديد من العائلات .

ووفقًا للمسح الوطني الذي أعده معهد الإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية في أواخر سنة 2017 يبلغ عدد الأطفال الناشطين اقتصاديا أكثر من 215 ألف طفل. وأكدت الدراسة أنّ 136 ألف من بين هؤلاء الأطفال يعملون في أعمال خطيرة.

وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، فإّن نحو50 في المائة من نسبة الأطفال يعملون في الأعمال الفلاحية، في حين يعمل نحو20 في المائة منهم في التجارة، وتتوزع بقية النسب على بعض الأعمال الحرّة والحرف وغيرها. وقد أكدت دراسة أعدتها جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية سنة 2016، أنّ هناك نحو78 ألف معينة منزلية في تونس 17.8 في المائة منهن أطفال.

لذلك وفي اطار التصدي لظاهرة تشغيل الاطفال تحركت مختلف مكونات المجتمع المدني بما في ذلك الهياكل الرسمية للبلاد من خلال وضع عديد الاستراتيجيات لمكافحة هذه الآفة التي تهدد مستقبل الاطفال وخاصة من حيث الاستغلال وحرمانهم من العيش في الظروف السوية حيث يقول السيد مهيار حمادي المندوب العام للطفولة انه تم إطلاق مشروع «كلنا ضد تشغيل الاطفال في تونس « وذلك في إطار تنفيذ المخطط الوطني لمكافحة عمل الاطفال 2020-2015 بالتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية ووزارة المرأة... .

وهومشروع ممول من قبل مكتب شؤون العمل الدولية رصدت له ميزانية هامة بلغت قيمتها 3 مليون دولار ويهدف أساسا الى توفير المساعدة التقنية والمالية لسد الفجوة بين خطة العمل والخدمات من اجل ضمان مستقبل أفضل للأطفال .ويتم انجاز المشروع خلال الفترة الممتدة من 2017 الى 2020 والذي سيدعم القدرات الوطنية للشركاء الاجتماعيين لمكافحة عمل الاطفال ببلادنا وخاصة تيسير عمل مؤسسات الدولة والمنظمات المهنية لإيجاد نظام معلوماتي حول الظاهرة وتحسيس مكونات المجتمع المدني والاسرة بضرورة الحد من مواصلة تشغيل الاطفال دون السن القانونية . ورغم عدم توفر احصائيات دقيقة حتى الآن حول ظاهرة تشغيل الأطفال فقد اتخذت هذه المسألة في السنوات الأخيرة أبعادا ملحوظة، خصوصا في ظل الوضع الراهن ببلادنا . كما بين محدثنا ان هناك مجهودات كبرى وإرادة حقيقية للتصدي لظاهرة تشغيل الاطفال ، ومن الواضح أن القطاعات الأكثر تأثرا بتشغيل الأطفال ببلادنا هي الزراعة، على مستوى المزارع العائلية، ومشاغل النجارة الصغيرة ومرائب التصليح الميكانيكي، أضافة الى تصفيف الشعر والخدمة المنزلية للفتيات . وهناك 100 الف طفل يقطعون دراستهم سنويا لسبب أولآخر، خصوصا في الأرياف، لذلك ينبغي صياغة سياسات مناسبة لضمان متابعة الاطفال للدراسة وايضا توفير الاحاطة خاصة عند الانقطاع عن الدراسة وذلك من أجل حمايتهم من الشارع ومن اي محاولة استغلال.

الطفولة المهددة

ويضيف محدثنا ان مندوبي حماية الطفولة تلقوا 16158 اشعـار خلال سنة 2017 وشملـت هذه الاشعارات 15597 طفل96.6 بالمائة منهم تعلق بهم اشعار وحيد خلال السنة وبلغت نسبة الاشعارات المتعلقة بالإناث حوالي 48.7 بالمائة خلال 2017 من خلال 7876 اشعار وشملت الاشعارات الواردة كل الفئات العمرية وخاصة الاطفال حديثي الولادة واليافعين (13 الى 15 سنة) من خلال 6.1 بالمائة و21.5 بالمائة على التوالي من مجموع الاشعارات وناهز عدد الاشعارات للأطفال المولودين خارج اطار الزواج898 طفل أي حوالي 5.6بالمائة من مجموع الاشعارات الواردة ويضيف محدثنا ان 56.4 بالمائة من مجموع الاشعارات الواردة. على مكاتب مندوبي حماية الطفولة صدرت عن الاب اوالام في حين صدرت بقية الاشعارات اساسا عن مؤسسات حكومية باختلاف مجالات اختصاصها (33.7 بالمائة من مجموع الحالات) ومثّل الاتصال المباشر

والمراسلات الخطية اهم الطرق المستعملة في الاشعار عن حالات التهديد من خلال تلقي 10426 اشعار .وابرز محدثنا ان 63.1 بالمائة من الاطفال المعنيين بالإشعارات الواردة خلال سنة 2017 تعرضوا للتهديد بالمنازل فيما تواجد 17.7 بالمائة منهم في الشارع وقد كان الابوان اواحدهما اوالظروف المتسبّب الرئيسي في تهديد الاطفال المشعر بشأنهم.

تطوير ترسانة القوانين

واكد محدثنا ان ظاهرة تشغيل الاطفال التي تتواصل الجهود لمجابهتها من قبل مندوبي حماية الطفولة في كل الولايات الداخلية للبلاد تعتبر مسؤولية الجميع وكل مكونات المجتمع وهياكل الدولة المتدخلة ويجب ان تتم الاحاطة بالأطفال بطريقة معمقة ومتواصلة حتى تكون ذات جدوى لذلك يعتبر محدثنا ان التصدي لظاهرة تشغيل الاطفال تعتبر منظومة متكاملة تستدعي المسك بكل الاليات والسبل الكفيلة للتصدي لها ويضيف محدثنا انه يتم العمل حاليا على تطوير المنظومة التشريعية والمصادقة على البروتوكولات والتعريف بالقوانين التي تمنع تشغيل الاطفال وكذلك الترفيع سن التشغيل الذي يحدّد السن الدنيا للتشغيل بـ13 سنة بالنسبة الى بعض الاستثناءات ومراجعة المنظومة المتعلقة بالأعمال الخطرة ودعم قدرات المتدخلين للتصدي لظاهرة تشغيل الاطفال .ويضيف محدثنا انه تم اتخاذ عديد الاجراءات من قبل الولايات ووزارة الشؤون الاجتماعية للتصدي لظاهرة تشغيل الاطفال التي تبرز في موسم الصيف والذين يتم استغلالهم في الاطار العائلي اوبطرق اخرى والتي تمثل خطرا على الاطفال على غرار بيع المنتوجات على الشواطئ اوبنقاط الاستخلاص بالطريق السيارة السريعة اوبالمقاهي اوبالشارع مما يجعل الاطفال معرضين للمخاطر على غرار الاستغلال الجنسي اوحتى الاستقطاب من قبل المتشددين فكريا. ويدعومحدثنا المواطنين الى التبليغ عن هذه الحالات وذلك لدعم المجهودات المبذولة من قبل الهياكل المعنية للحد من هذه الظاهرة . من جهة اخرى افاد محدثنا انه في بعض الحالات عند تدخل مندوبي حماية الطفولة لحماية بعض الاطفال من مخاطر الشارع فان هؤلاء الاطفال يرفضون البرامج المقدمة التي تقدمها الدولة وذلك طبعا لان الطفل تعود على كسب المال ويرفض الانتظار من جديد لكسب صنعة اوالتكوين في أي مجال .

استغلال فاحش

ان تشغيل الاطفال يعتبره عالم الاجتماع سامي نصر ظاهرة متفشية منذ القدم ولم تكن تمثل مشكلة في مجتمعاتنا بل تمثل اشكالا من الجانب الحقوقي للطفل. كما ان المجتمع التونسي من تقاليده القديمة تشغيل الاطفال. وكان ذلك بهدف ان يتقن حرفة معينة وبالتوازي مع ذلك يتم اسناده اجرة رمزية ويندرج في اطار التنشئة الاجتماعية وهواختيار من قبل بعض العائلات ولكن اصبح تشغيل الاطفال في مجتمعنا اليوم يمثل اشكالية كبرى لان المعطيات تغيرت والعائلات اصبحت تشغل الاطفال اضطرارا نتيجة الفقر والتهميش والخصاصة بل وصل الحد اليوم بعديد الاطراف الى استغلال جهد الاطفال وتشغيلهم بمقابل مالي ضعيف واستغلال فاحش لوضعيتهم الاجتماعية وهوما جعل الاطفال اليوم مهددين بالاستغلال لذلك وجب التصدي لظاهرة استغلال الاطفال التي تمثل تعديا صارخا على حقوقهم. ويتطرق محدثنا في هذا الصدد الى منظومة القوانين التي يعتبرها قوالب جاهزة لا تتماشى وخصوصيات مجتمعنا بل تجاوزها الزمن ولابد من تطويرها. ويؤكد محدثنا ان القضية الحقيقية لا تكمن في ان يشتغل الطفل لكسب القوت ولكنها اعمق من ذلك بكثير اذ تتمثل في ظاهرة الاستغلال التي انتشرت بطريقة ملفتة للانتباه ( المعينات المنزلية...اطفال يبيعون المشموم وغيرها من البضائع الاخرى في المقاهي وعلى الشواطئ وفي وسائل النقل و....) كلها مظاهر استغلال تجعل الاطفال معرضين لأنواع شتى من المخاطر على غرا ر الاستغلال الجنسي وغيرها من مخاطر الشارع الاخرى.

تقصير الدولة

من جهة اخرى اعتبر محدثنا ان اضطرار عديد العائلات لتشغيل اطفالهم في الصيف وفي العطل المدرسية نتيجة الفقر والخصاصة يعكس في جانب آخر فشل الدولة في الاحاطة بهذه العائلات وفشلها في القيام بواجبها في رعاية المحتاجين بصفة عامة مما جعل عديد الاطفال يضطرون الى مساعدة عائلاتهم في كسب المال من اجل مواصلة الدراسة ومن اجل العيش ذلك انه لاوجود لأي أب او أم ترفض ان ترى ابنها ينعم بالراحة وبالتربية السليمة .وتطرق محدثنا من جهة اخرى الى ظاهرة الفردانية التي باتت تميز المجتمع اليوم ويعني بذلك اندثار ظاهرة التضامن بين العائلات اليوم .

ويبقى فشل الدولة في الاحاطة بالعائلات المعوزة والمفقرة جليا مادامت مشاهد اشتغال الاطفال متواصلة في كل مكان في الطريق السيارة وفي نقاط الاستخلاص يحملون بعض البضائع ويكابدون حرارة الشمس ومعرضين لمخاطر كبيرة.... تجدهم ايضا في الشواطئ ....في المقاهي ....في وسائل النقل ....في الشارع ....وتختلف بضاعتهم من مكان الى اخر همهم الوحيد كسب المال ومجابهة ضيق الحال ....لا ذنب لهم سوى انهم ينحدرون من عائلات فقيرة ومهمشة ....هدفهم الصمود من اجل العيش ...لا يعرفون للراحة طعما ولا للرفاه مذاقا ....فمتى تنجلي ظاهرة تشغيل الاطفال ؟.