الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



استفحال الجريمة بعد الثورة

مجتمع أضاع البوصلة وسلطة بلا رؤية استراتيجية



إعداد :صبرة الطرابلسي

أصبح استفحال العنف بأشكاله المختلفة والمتطرفة في كثير من الأحيان ظاهرة متغلغلة في المجتمع التونسي خاصة بعد 14 جانفي الذي يبدو أنه أصبح متعايشا معها أمام غياب سلطة ردعية قادرة على تطويق مظاهر العنف.

وأمام الاستسهال الملحوظ لأشكال العنف في المجتمع التونسي بدرجات متفاوتة ازداد الوضع سوءا بتطور العنف إلى مستوى الجريمة إذ تبين آخر الأرقام المسجلة في هذا الخصوص أن جرائم القتل في تونس قد ارتفعت بنسبة 46 بالمائة خلال السداسي الأول من سنة 2018 مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2017 كما ارتفعت جرائم العنف بـ 12 بالمائة إلى جانب ارتفاع معدل الجريمة بصفة عامة في البلاد بنسبة 21 بالمائة, وهذا الأمر لم يعد يحتاج إلى أرقام ليتم اثباته فلا يكاد يمرّ أسبوع دون أن نسمع عن جريمة قتل تهز الرأي العام دون اعتبار الجرائم المتكررة التي أصبحت مألوفة مثل النشل والسرقة التي أخذت بدورها أشكالا إجرامية مختلفة وخطيرة على غرار الهجمات المسلحة على بعض البنوك.

فما هي أسباب استفحال الإجرام في تونس في السنوات الأخيرة ؟وأي حلول قادرة على السيطرة على هذه الظاهرة أو الحد منها ؟

لا يكاد يخلو أي مجتمع في العالم من الجريمة بما فيها من خروقات للقوانين الوضعية والإنسانية والأخلاقية, لكن ارتفاع منسوبها في بعض المجتمعات التي على الأرجح تعيش وضعية الأزمة هو الذي يصبح ملفتا للنظر ومثيرا للجدل ليدق ناقوس خطر محدق بالمجتمع وهو حال المجتمع التونسي الذي عرف في السنوات الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق في نسبة الجريمة إلى درجة أنها أصبحت ظاهرة بأتم معنى الكلمة فأصبح تداول أخبار الجرائم خاصة جرائم الرأي العام عبر وسائل الإعلام أمرا متكررا و مثيرا للفزع و كلنا يذكر الجرائم البشعة التي شهدها المجتمع من ذلك اغتصاب الطفل ياسين ثم ذبحه من قبل شاب يعمل بالمؤسسة العسكرية وآخر الجرائم التي تم تسجيلها مؤخرا وتمثلت في قتل صاحب سيارة الأجرة الذي تعرض لعملية «براكاج» بغرض السرقة وأدت إلى وفاته باستعمال العنف الشديد وحالات أخرى متعددة نقرأ وقائعها على صفحات الجرائد أو مواقع التواصل الاجتماعي فنتأسف على أشخاص كانوا ضحايا لجرائم بشعة أزهقت أرواحهم ظلما لكن في الواقع فإن كل جريمة من الجرائم خاصة منها القتل تخلف وراءها مأساة لعائلة فقدت عزيزا عليها و سندا لها هذا دون اعتبار جرائم السرقة والنشل التي باتت مألوفة و متكررة في حياتنا اليومية خاصة في وسائل النقل العمومي.

استفحال الجريمة

أفادنا أستاذ علم الاجتماع سامي نصر أن الأرقام التي كانت تسجل في السابق خلال حكم بن علي حول معدل الجريمة في تونس سنة 2004 لم تكن تعكس واقع الإجرام الحقيقي باعتبار سياسة التعتيم الإعلامي التي كانت معتمدة حينها ومع ذلك بينت الأرقام المسجلة سنة 2004 أن حوالي 80 بالمائة من المساجين متهمون في جرائم نشل و جنح أي أنها ليست بالجرائم الثقيلة لكن بعد 14 جانفي تغيرت الصورة لتتشوه أكثر فأكثر بارتفاع منسوب العنف الشديد في المجتمع التونسي والذي أخذ صيغ الجرائم الخطيرة ,و أضاف محدثنا في السياق ذاته أن استفحال العنف في المجتمع التونسي خلق نوعا من التطبيع مع هذه الظاهرة الخطيرة التي شملت حتى النخبة خاصة من السياسيين الذين يمارسون أشكالا من العنف اللفظي الذي تطور في بعض الأحيان إلى عنف مادي,و بالتالي أصبح هناك استسهال للعنف مما أكسبه نوعا من الشرعنة والتقبل لهذه الممارسات بشكل لم يعد للقانون دور ردعي قادر على السيطرة على هذه الظاهرة وبالتالي بات من الضروري البحث عن حلول بديلة تكون أكثر نجاعة.

و بين الأستاذ سامي أن مختلف هذه العوامل ساهمت في سرعة انتشار الجريمة في المجتمع التونسي في غياب للردع الناجع فالقانون وحده لم يعد قادرا على أداء هذا الدور أمام تخفيف الأحكام و إصدار قرارات العفو الرئاسي في المناسبات الوطنية والتي مثلت أحد أبرز العوامل التي ساهمت في استفحال الجريمة واستسهال الفعل الإجرامي لذلك يجب أن يكون هناك تنقيح لعديد القوانين لتقوم بدورها الردعي على أكمل وجه مضيفا أن هناك بعض القوانين التي تم إصدارها بعد الثورة على غرار القانون الذي يخفف من عقوبة تعاطي المخدرات فقد ساهم بصفة غير مباشرة في استفحال الإجرام سواء من خلال تزايد عدد المتعاطين للمواد المخدرة و انتشار هذه الظاهرة في كل الأوساط الإجتماعية و خاصة الوسط المدرسي أو من خلال مساهمة هذا العامل في استسهال الإجرام باعتبار تعدد الجرائم التي يقع ارتكابها تحت تأثير المخدرات.

دراسة

كشفت دراسة قام بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول واقع الجريمة في تونس عن تطور نسق الجريمة بكل أنواعها في تونس خلال الـ 10 أشهر الأولى من سنة 2018 إذ تحتل تونس المرتبة 73 عالميا و المرتبة 10 عربيا في منسوب الجريمة.

و قد بينت هذه الدراسة ارتفاع الاعتداء على الجسم البشري بنسبة ٪21 وارتفاع الاعتداء على الأطفال بـ ٪39، وبـ 29 بالمائة بالنسبة إلى جرائم المخدرات والجرائم الماسة بالصحة، وبـ 18 بالمائة بالنسبة للاعتداء على الامن العام.كما أثبتت الدراسة ذاتها أن 73 %من الشباب المتورط في هذه القضايا، هم أقل من 18 سنة .

كما بينت الأرقام ارتفاع مستوى الجريمة بنسبة 12.7 بالمائة سنة 2017 مقارنة بسنة 2016 إلى جانب ارتفاعها بنحو 5 بالمائة مقارنة بـ 2015 و هذا يحيلنا إلى النسق التصاعدي لمنسوب الجريمة من سنة إلى أخرى وقد بينت الدراسة ذاتها أن الجريمة أصبحت أكثر تدخلا في مفاصل التنمية التي أصبح نجاحها أو فشلها مرتبطا إلى حد كبير بانخفاض أو ارتفاع مؤشرات الجريمة لتوفر البيئة السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية الحاضنة و الدافعة لإنعاشها.

و أكدت الدراسة أن الجريمة تمثل تهديدا لمقومات الأمن القومي إذ تشهد هذه المرحلة تغييرات سريعة على المستوى الوطني والإقليمي والوطني بشكل يصعب التحكم في مسارها ذلك أن مختلف الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من تخطي هذه الصعوبات أو التغلب عليها نظرا لارتباك المشهد السياسي و يتماهى ذلك مع ما تم رصده حول المتغيرات الكمية والنوعية حول الجريمة و التي تبين أنها في تصاعد و أن تأثيرها واضح على نسب التنمية .و قد طرحت هذه الدراسة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ارتفاع معدلات الجريمة في تونس وأنواع الجرائم التي شملها التطور كميا ونوعيا والحلول الاستراتيجية التي يجب اتخاذها للوقاية والحد من الجريمة وانعكاساتها السلبية على المجتمع.

شخصية عنيفة

وأبرز الأستاذ محمد السندي وهو مختص في علم النفس أن التركيبة النفسية للتونسي عنيفة باعتبار توظيف الأب والأم والمدرس للعنف في العملية التربوية فقد ترسخت في المجتمع التونسي ثقافة حل كل الإشكالات بالعنف سواء لفظيا أو ماديا فالأب يؤدب ابنه بالضرب والمدرس يؤدب التلميذ بالضرب وهو ما يؤدي إلى استبطان العنف من قبل الطفل وإعادة إنتاجه على أطراف أخرى وهذا ما نشهده اليوم في مجتمعنا خاصة بعد الثورة .

وأضاف محدثنا أن التعبير عن عدم الرضا عن الأوضاع أصبح يتم بطريقة عنيفة وازدادت حدته بعد 14 جانفي نظرا لتوفر مجال أكبر للحرية والديمقرطية دون الاستعداد المسبق لها إلى جانب عوامل أخرى ساهمت بصفة فاعلة في استفحال ظاهرة العنف الشديد الذي وصل إلى مستوى الإجرام ومنها بالخصوص انتشار المخدرات التي أصبحت توزع في كل الأوساط ومنها الوسط التلمذي وهو الأكثر حساسية وخطورة لذلك نحن نجد فئة الأطفال والمراهقين هم الفئات الأكثر ممارسة للعنف نظرا لتركيبتهم النفسية القائمة على الإندفاع وغير القادرين على السيطرة على انفعالاتهم.

وأكد السيد محمد السندي أن الخيارات السياسية التي انتهجها السياسيون ساهمت في تكريس و استفحال العنف والجريمة في تونس في غياب رؤية واضحة و استراتيجيا قادرة على تطويق الظاهرة فظلت الحلول ترقيعية ومؤقتة وأدت إلى الأوضاع الكارثية التي نعيشها اليوم .

استفحال الإجرام بشكل كبير ومفزع في البلاد في السنوات الأخيرة هو مؤشر خطير جدا يعكس ازمة حقيقية نعيشها اليوم على جميع الأصعدة السياسية والإجتماعية و الإقتصادية والتي تسببت في أزمة أخلاقية لمجتمع فقد الكثير من قيمه.