الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تأجيل تطبيق الضريبة على الفضاءات التجارية الكبرى

ضربة كبرى للعدالة الجبائية



اعداد: سميحة الهلالي

اثار تأجيل تطبيق ضريبة 35 بالمائة على الفضاءات التجارية الكبرى إلى غرة جانفي 2020 عوضا عن دخولها حيز التنفيذ في جانفي 2019 جدلا واسعا داخل مجلس نواب الشعب، وصل إلى حد التراشق بالتهم بين النواب إذ عبر نواب المعارضة عن رفضهم القاطع تمرير هذا الفصل، معتبرين أنه يخدم لوبيات الفساد..وتمت المصادقة على هذا الفصل بموافقة 88 نائبا ورفض 31 نائبا مع احتفاظ 5 نواب بأصواتهم. كما اطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي حملة لمقاطعة الفضاءات التجارية الكبرى .اضافة الى موجة الغضب التي عمت كل الشرائح المجتمعية وحالة الاستياء التي طبعت المزاج العام للنخب السياسية التي عبرت عن غياب العدالة الجبائية في ظل حماية صارخة لمصالح لوبيات المال من رجال الاعمال في الوقت الذي اثقل فيه كاهل المواطن بالضرائب.

حيث تفيد المؤشرات والارقام ان اكثر من 70 بالمائة من الضرائب متأتية من الاجراء ومحدودي الدخل اي من الموظفين على اختلاف اجورهم ذلك ما جعل عددا كبيرا من الخبراء الجبائين والاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني يعتبرون المواطن الحلقة الاضعف الذي تسلط عليه الضرائب ويتحمّل عبء توفير القسط الاكبر من موارد الميزانية ذلك ان الموارد الجبائية غير المباشرة اي الاداء على القيمة المضافة متأتية 100 بالمائة من المواطن (المستهلك) .في حين ان ما يفوق ٪70 من الموارد الجبائية المباشرة وهي ضرائب على الدخل تسلط على الموظفين . كما دعت عديد الاطراف الى ضرورة التصدي للتهرب الضريبي بوضع حد للسوق الموازية ومكافحة الفساد في هذا المجال .فهل ان التسلط الجبائي على المواطن هو نتاج لخيارات الحكومات المتعاقبة بعد الثورة ؟ ام انها اشكالية مرتبطة بالنظم الاقتصادية العالمية الحديثة ؟ أم يعبّر عن ضعف الدولة وتقهقر سلطاتها في التصدي للتهرب الضريبي لحيتان رأس المال والاثرياء الجدد ما بعد 14 جانفي مما جعلها تتجه الى المواطن باعتباره الحلقة الاضعف ؟

ان تأجيل تطبيق ضريبة 35 بالمائة على الفضاءات التجارية الكبرى إلى غرة جانفي 2020 عوضا عن دخولها حيز التنفيذ في جانفي 2019 يعتبر على حد تعبير الخبير الاقتصادي جمال الدين عويديدي حجة قائمة على ترابط المصالح بين الحكومة و الأحزاب التي تساندها و بين هذه الأقلية من اللوبيات المتغوّلة التي نهبت مؤسسات و ثروات البلاد قبل الثورة و بعدها و التي تم تبييضها بقانون مصالحة جائر فتح الباب على مصراعيه لمزيد تغلغل وتفشي الفساد. ما جرى في مجلس نواب الشعب من مناورات لتمرير مصالح أباطرة التوريد وسمة عار اثر المناقشات الخاصة بقانون المالية لسنة 2019 وما لوحظ من إصرار للحكومة و للأحزاب المساندة لها لتمرير إملاءات أباطرة التوريد عبر اقتراحات قُدّمت بطريقة عبثية زعزعت أسس الدولة وألغت دورها في فرض العدالة الاجتماعية و ذلك اثر تقديم مقترحات متعلقة بتأجيل تطبيق القانون الخاص بالزيادة في نسبة الأداء على أرباح الفضاءات التجارية من 25 بالمائة إلى 35 بالمائة وهو قرار تم اعتماده في قانون المالية للسنة الفارطة وتم تأجيل تطبيقه إلى بداية سنة 2019 و لا يمكن تبرير هذا التأخير إلا بتدخل من نفس على الأطراف التي أصبحت تسيطر على قرارات الحكومة و على الأحزاب السياسية المساندة لها في علاقة مشبوهة بين المال الفاسد و السياسة. وهو أسوأ سيناريو يحدث لتونس سوف يعرقل المسيرة الديمقراطية في بلادنا و سوف يؤجج الوضع الاجتماعي الذي يهدد بالانفجار نتيجة الضغط على الأجور و انهيار القدرة الشرائية و تدهور الوضع الاقتصادي العام. هل يمكن القول أن خلاص تونس من هيمنة اللوبيات الداخلية و الخارجية مرتبط بنتائج ما يجري اليوم من انتفاضات شعبية في البلدان الأوروبية ضد العولمة ما يجري منذ خمسة أسابيع في فرنسا من مظاهرات انطلقت شرارتها منذ الإعلان على الزيادات في سعر النفط (الديزل) في قانون المالية الفرنسية لسنة 2019 ليصبح سعر النفط أعلى من سعر البنزين وذلك بدعوى مقاومة التلوث، اتضح في الحقيقة أنها انتفاضة ضد الليبرالية المتوحشة التي تمثلها العولمة و منظمة التجارة العالمية و التي أدت إلى تعميق الفوارق بين فئات الشعوب سواء في البلدان الغنية أو في البلدان الفقيرة. حيث أدت هذه السياسة إلى تمكين أقليات من الاستيلاء على الثروات داخل البلدان. هذه الانتفاضات التي سرعان ما أصبحت تعتمد مطالب سياسية واضحة من بينها المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون الذي اتّهم بأنه «رئيس الأغنياء» لانحيازه الواضح عبر إلغاء الضريبة على الثروات و توظيف مزيد من الأداء على الطبقات الفقيرة و المتوسطة و كذلك المطالبة بضرورة اعتماد الاستفتاءات الشعبية لتمكين الشعب من المشاركة الفعلية في القرارات الوطنية نتيجة انعدام الثقة في الأحزاب السياسية وفي المنظمات الوطنية ما يعتبر تحولا تاريخيا و هاما ينذر بتغييرات جذرية. المطلوب من كل الشعوب و خاصة من النخب الوطنية في تونس و في كل البلدان العربية و الإفريقية المتضررة من هذه «الليبرالية الجديدة» المتوحشة أن تتفاعل بعمق و بجدية مع هذه التحولات العالمية الكبرى و أن تعمل على تقديم البدائل الكفيلة بإصلاح المسار التنموي.

لوبيات متغوّلة

من جهته اعتبر السياسي عبد اللطيف الحناشي ان تأجيل تطبيق ضريبة 35 بالمائة على المساحات الكبرى سيكون له تأثير اقتصادي واجتماعي وسياسي لذلك من الضروري تطبيق العدالة الجبائية مثلما تأخذ من الموظفين فانه من الضروري ومن المفروض ان تطبق على بقية القطاعات خاصة أو عمومية وبذلك يمكن الحديث عن حكومة منصفة لكافة افراد الشعب وهو ما يتم المطالبة به يوميا على حد تعبير محدثنا خاصة في الظرف الحالي الذي تعاني فيه الطبقة الوسطى من انهيار غير مسبوق لذلك لابد من مناصرتها لأنها تمثل العمود الفقري للبلاد .ويحمّل محدثنا المسؤولية للأحزاب خاصة المساندة للوبيات القطاع الخاص أي للرأسماليين من رجال اعمال قديمي العهد ورأسماليين جدد-لوبيات التهريب- الذين برزوا بعد الثورة والذين اصبح لهم ثقل وهم الذين يتحكمون في عديد الاحزاب . ويعتبر محدثنا ان الإشكال اصبح يتمثل اليوم في ما يروج بأن بعض النواب يمكن شراؤهم بالأموال مقابل مساندة لوبيات المال .وهو ما يعكس تدخل راس المال بأنواعه في الممارسات السياسية بالإضافة الى ان نسبة من النواب بمجلس نواب الشعب هم من رجال الاعمال والذي يبلغ عددهم 27 رجل اعمال.

أسباب التأجيل

وقد علّل وزير التجارة عمر الباهي في تصريح لبعض وسائل الاعلام تأجيل تطبيق الترفيع في الضريبة الموظفة على الفضاءات التجارية الكبرى الى 35 بالمائة، بداية من غرة جانفي 2020، بتفادي كل ترفيع في اسعار المواد الاستهلاكية في الفترة المقبلة وبالتالي المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن.مفسرا ان الترفيع في الضريبة على هذه الفضاءات سينجر عنه ترفيع في الاسعار وبالتالي تراجع القدرة الشرائية للمواطن وهو ما حدا بالحكومة الى اقرار تأجيل تطبيق هذه الضريبة .كما اكد ان الفصل الذي تم اقراره في قانون المالية لسنة 2019 يتعلق فقط بتأجيل تطبيق ضريبة 35 بالمائة على المساحات الكبرى وليس التخفيض في نسبتها مثلما يتم تداوله.