الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



انتفاضة اصحاب الرّوب الأسود والمهن الحرة:

الجدل حول السرّ المهني هل يخدم الصالح العام؟



اعداد: عواطف السويدي

أثار الفصل 34 من قانون المالية لسنة 2019 والمتعلق برفع السر المهني حفيظة اصحاب المهن الحرة وفي مقدمتهم المحامون الذين ينفذون اعتصامات بمقرات الفروع الجهوية لعمادة المحامين بكل الولايات بالإضافة إلى مقاطعة قضايا الدولة والمؤسسات العمومية ومطالبة المحامين المشاركين في الهيئات الدستورية سواء بالانتخاب أو بالتعيين بالانسحاب منها فضلا عن مقاطعة التساخير والاعانات العدلية والقضايا الجنائية .

وقال محمد أنيس عيسى رئيس مجمع المحاسبين بالبلاد التونسية إن المجمع اتخذ بدوره جملة من الإجراءات ضد رفع السر المهني تتمثل في تعليق العمل بالتصاريح الجبائية وإيداعها بالنسبة للشركات الحاملة للذوات المعنوية إلى غاية 28 ديسمبر الحالي بالإضافة إلى تعليق مشاركة أعضاء مجمع المحاسبين في الهيئات والمجالس الوطنية والجهوية المتعلقة بالشأن المالي والجبائي والمحاسبي، مؤكدا أن أصحاب المهن الحرة يرفضون هذا القرار ويدينونه .

وقدم من جانبهم نواب المعارضة طعنا في قانون المالية لسنة 2019 يتضمن الاعتراض على رفع السر المهني وعلى فصول اخرى وردت في القانون لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وقد تحرك المحتجون في الايام الأخيرة على عدة جهات ومن بينها مطالبة رئيس الجمهورية بعدم امضاء قانون المالية .

فهل يحق للمحامين واصحاب المهن الحرة عموما الاعتراض على هذا القانون ؟ وما هي خلفيات هذا التوجه الحكومي؟ وما هي تداعياته؟

خاض المحامون واصحاب المهن الحرة كالاطباء والخبراء المحاسبين معركة منذ سنتين عندما تم الترفيع في الضرائب وفقا لعملهم واليوم يخوضون معركة اخرى متعلقة بطبيعة نشاطهم حيث قال عميد المحامين عامر المحرزي إن قطاع المحاماة اتخذ جملة من الإجراءات الصارمة للتعبير عن رفضه للفصل 34 من قانون المالية 2019 والمتعلق برفع السر المهني، ولاحظ في ندوة صحفية نظمها المحامون الخميس الفارط وشارك فيها الاتحاد التونسي للمهن الحرة، أنه لا يمكن للمحامي أن يكون واشيا ومحاميا في الآن ذاته وأن المحامين لن ينصاعوا إلى أوامر الهيئات الدولية المسقطة على الدولة التونسية.

السر المهني خط احمر

وكانت الهيئة الوطنية للمحامين نظمت إضرابا عاما يوم 10 ديسمبر الجاري ضد هذا الفصل، حيث بين عميد المحامين عامر المحرزي أن كل الأنظمة القانونية تحافظ ولا تخرق السر المهني للمحامي، وهو خط أحمر يمس من الأمان القائم بين المحامين وحرفائهم وقال إن خرق السر المهني سينعكس على المعاملات والعقود وعلى الوضع الاقتصادي وفق تعبيره.

وشدد المحرزي على أن مشروع هذا القانون سيكون مهجورا وغير معمول به في صورة تم تمريره وقال لم يقبله المحامون، ولم يقبله المتقاضون ولا بقية المهن والفاعلين مثل عدول الاشهاد والخبراء المحاسبين.

كما أصدرت هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية بيانا عبرت فيه عن رفضها «المس بالسر المهني المتعلق بمهن المحاسبة» واعتبرت الهيئة ان لهذا «الإجراء تداعيات خطيرة تدفع الحرفاء إلى اللجوء إلى القطاع غير المنظم في ميادين المحاسبة والجباية» كما عبرت عن أسفها «لعدم تشريك أهل المهنة في صياغة الفصل 34 من مشروع قانون المالية 2019 المتعلق برفع السر المهني».

وينص الفصل 34 من مشروع قانون المالية لسنة 2019 على انه «تلغى أحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 16 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية وتعّوض بما يلي: يمكن لمصالح الجباية طلب المعلومات المتعلقة بالخدمات المسداة من قبل الأشخاص المحمول عليهم قانونا الاعتصام بواجب المحافظة على السر المهني باستثناء الوثائق والمعلومات المتبادلة بين المعنيين بالأمر وحرفائهم في إطار تقديم استشارة قانونية أو قضية منشورة أو مزمع نشرها أمام القضاء.

وينص مشروع قانون المالية 2019 على توضيح مجال السر المهني الذي يمكن الاعتصام به إزاء مصالح الجباية وذلك بإقرار حق مصالح الجباية في طلب المعلومات المتعلقة بالخدمات المسداة من قبل الأشخاص المحمول عليهم واجب المحافظة على السر المهني، وتستثنى من هذا الإجراء المهن الطبية والصيدلية.

تغييب الهياكل المعنية

وأكد الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي بان نواب كتلتي حركة النهضة والائتلاف الوطني لم يوقعوا على عريضة الطعن في فصول من قانون المالية لسنة 2019 في ما يتعلق بالسر المهني وجملة فصول تم تأجيلها الى سنة 2020 على غرار مساهمة الشركات الرابحة بنسبة ٪1 لدعم الصناديق الاجتماعية ، كما اشار المغزاوي إلى أن العريضة ستنظر فيها هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين مؤكدا انه تم تحسين الفصل 34 من قانون المالية الذي يحتوي عدة مطات وتم تحسينها وتحول الى الفصل 36 من القانون ولكن المغزاوي بيّن ان نواب المعارضة صوتوا ضده مساندة لقطاع المحاماة.

واعتبر من جهته النائب منذر بلحاج علي ان الحكومة تستهدف المهن الحرة بتمريرها للفصل 36 من قانون المالية في حين ان لكل مهنة خصوصيتها على حسب تعبيره .

وعن استشارة الهياكل القانونية المعنية بالفصل 34 ، اكد عضو المجلس الاعلى للقضاء عماد الخصخوصي انه لم تتم استشارة المجلس في الفصل 34 من قانون المالية قبل عرضه على البرلمان وهذا من بين مواضيع الطعن التي تقدم بها نواب المعارضة لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، واكد الخصخوصي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» ان استشارة المجلس الاعلى للقضاء امر وجوبي حسب الفصل 42 من قانون عدد 34 لسنة 2016 الخاص بالمجلس الاعلى للقضاء الذي ينص على ابداء الرأي في مشاريع القوانين التي تعرض عليها وجوبا ذات العلاقة بالقضاء مشيرا إلى ان الاستشارة وجوبية أما الاخذ بها فهو غير وجوبي.

وقال الخصخوصي ان المشروع المتعلق برفع السر المهني لاصحاب المهن الحرة طرح منذ سنتين وتم تأجيله ولكن هذه المرة الحكومة ملزمة به من اجل تغيير التصنيفات العالمية المتعلقة بتبييض الاموال.

وشدد يوسف بوزخار الرئيس المؤقت للمجلس الاعلى للقضاء على انه كان من الضروري ان يتم عرض مشروع قانون المالية لسنة 2019، وخاصة النقاط التي لها علاقة بالقضاة والمحامين والخبراء العدليين على رأي المجلس الأعلى للقضاء الا انه لم يتم عرضه. وفي هذا الإطار قرر المجلس الاعلى للقضاء توجيه مراسلة الى رئيس مجلس نواب الشعب.

إخضاع المحامين

وأفاد المحامي منير بن صالحة بأن «الفصل 34 من مشروع قانون المالية يعتبر ضربا للمحاماة» وأكد بن صالحة أن «القانون المذكور يعد استهدافا ممنهجا للمحاماة» قائلا: «بالقانون سيصبح المحامي واشيا بمنوّبه» واصفا القانون بـ«الأعجوبة والبدعة» وبين في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان المحامي يخضع في اعماله الى قانون ينظم مهنته وهو القانون الاساسي بينما قانون المالية هو قانون عادي.

ومن ناحية اخرى قال بن صالحة ان فشل الدولة التونسية في تطبيق قوانين مكافحة الفساد وتبييض الاموال لا يعني ان يتحول المحامي الى واش ومخبر لدى الادارة التونسية مشيرا الى ان كل دول العالم لا تطلب من المحامين القيام بهذا الدور . واعتبر محدثنا ان الهدف الاساسي من هذا الفصل هو اخضاع المحامين سياسيا وليس مقاومة الفساد لان هذا القطاع يضم 8000 محامي لديهم استاذية على الاقل في القانون موضحا ان ضرب المحاماة كان ممنهجا منذ سنة 2011 الى اليوم وذكر ان هذا القانون يدل على فشل الدولة في ادارة حربها على الفساد .

وفي نفس السياق اكد كاتب عام جمعية المحامين الشبان طارق حركاتي بان عمل المحامين مبني اساسا على السر المهني الذي يتجسد في القسم الذي يؤديه مؤكدا ان المحامي لا يقوم بتقديم معطيات عن منوبيه وقال طارق حركاتي ان السر المهني لا يمس ولن يقبل المحامون هذا الامر تحت أي غطاء معلنا عدم تطبيق جمعية المحامين الشبان هذا الاجراء مهما كان الثمن، واعتبر ان قانون المالية لسنة 2019 غير وطني وغير دستوري. وبين محدثنا ان الفصل 105 من الدستور نص صراحة على ان المحاماة شريكة في اقامة العدل وهذا يدخل في باب السلطة القضائية حسب تقديره.

وهكذا تبقى صحة كل راي نسبية الى حد ما فالحكومة تريد ان تستجيب لتعهداتها الدولية والمحامون والخبراء المحاسبون يريدون الدفاع عن مهنتهم وبين هذا وذاك بقيت المصلحة الوطنية غامضة في هذا الموضوع.