الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تحرير الخدمات بشكل كلّي:

منافسة غير متكافئة... ومِهَنٌ مهدّدة!



اعداد: شكري بن منصور

يطرح تحرير قطاع الخدمات بشكل كامل في صورة اعتماد اتفاقية الأليكا مشاكل عديدة ومخاطر على قائمة طويلة من المهن في تونس بسبب اقحام أصحاب المهن في منافسة عالمية يعتبرها العديد من الخبراء غير متكافئة. فقطاع الخدمات مهدد بانتصاب ومنافسة الأجانب الأمر الذي يتطلب التسريع في اطلاق عملية تقييم للاطار القانوني لمختلف الأنشطة الخدماتية وتصنيفها و وضع استراتيجية لتأهيل القطاع لتفادي أي انعكاسات محتملة للمنافسة الخارجية. وكان الهدف من احداث المجلس الوطني للخدمات منذ سنة 2006 الذي يترأسه وزير التجارة هو وضع حد لحالة التهميش لعديد المهن واحداث تصنيف لها وتنظيمها وتأهيلها. ويصر الخبراء وأهل القطاع على أنه كان من المفروض تأهيل قطاع الخدمات قبل التفاوض بخصوص تحريره خاصة وأن ذلك يشكل تهديدا مباشرا لاصحاب المهن يضاف إلى عدة عوامل يسّرت دخول وانتصاب مؤسسات أجنبية بصفة غير قانونية مستغلة ثغرات في قانون 1994 المحدد للأنشطة المعنية بمجلة الاستثمارات الموحدة. وفي صورة تحرير قطاع الخدمات بشكل كلي وامضاء اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي فليس من المستبعد أن تصبح تونس وجهة المتقاعدين من البلدان الأوروبية لمزاولة أنشطة عديدة في بلادنا كالطب والاستشارات الجبائية والصيدلة خاصة وأن هناك عوامل أخرى مشجعة لذلك كالمناخ المعتدل والحار نسبيا وكذلك القرب من أوروبا وتراجع سعر صرف الدينار مقابل الاورو. كما أن هناك امتيازات سيتحصلون عليها في اطار هذا التبادل للخدمات بين تونس والاتحاد الأوروبي وانفتاح بلادنا على الخبرات الأوروبية على حساب أهل قطاع الخدمات.

فماهي مخاطر تحرير قطاع الخدمات على أصحاب المهن في تونس وكيف سينعكس ذلك على الاقتصاد ككل؟

تتميز خارطة المهن الحالية في تونس بقوانين قديمة ولم تعد تتلاءم مع متغيرات سوق الشغل اضافة إلى أنها تفتقد للتأهيل المطلوب مثل المستشارين الجبائيين والمستشارين في التسويق ومهندسي الديكور والمستشارين في التصرف والمستشارين القانونيين وشركات الدعاية والاشهار والتحاليل المالية ومكاتب الدراسات وخبراء النقد والنظاراتيين. ولتجاوز ذلك أصبح من الضروري اعادة تنظيم قطاع الخدمات وتأهيله لحماية مواطن الشغل ومواجهة المؤسسات متعددة الجنسيات وهذا الامر يتطلب اجراءات حمائية واحداث هيكل خاص بتأهيل مهن الخدمات.

يعتبر الخبير الجبائي لسعد الذوادي أن احداث المجلس الوطني للخدمات منذ سنة 2006 لم يمكّن من تأدية المهام الموكولة إليه. وعلى الرغم من أن المهام الرئيسية للمجلس تتمثل في إبداء الرأي في المواضيع ذات الطابع الهيكلي والظرفي المعروضة عليه ورصد واقع قطاع الخدمات واستشراف التطورات داخليا وخارجيا واقتراح الإصلاحات والإجراءات الكفيلة بتطوير أداء قطاع الخدمات بمختلف فروعه بما يضمن الاستجابة للمعايير العالمية المتفق عليها في كل مهنة إلا أن اغلب أعضائه من وزارات الاشراف شكلوا عائقا في وجه تأهيل المهن المكلفين بمتابعتها وتخليصها من التهميش المتعمد وعدم اعتماد التصنيفة الوطنية للانشطة الاقتصادية الواردة بقانون الاستثمار وعدم وجود سجل وطني للمهن رغم صدور الامر عدد 2452 لسنة 1997،مما فتح الباب على مصراعيه للمتحيلين والفاسدين والمخربين والسماسرة والمضاربين والناشطين بالسوق الموازية.

استيراد البطالة !!!

فبخصوص مسألة التحرير رفض المجلس ضمنيا النظر في عدد من العرائض المرفوعة اليه من قبل عدد من المهن المتضررة تتعلق اساسا بالتحرير العشوائي لأغلب مهن الخدمات المعنية بالتفاوض في اطار الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات واتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي نتيجة الاخطاء الفادحة التي تضمنها الامر عدد 492 لسنة 1994 الضابط لقائمة الانشطة المنتفعة بالامتيازات الجبائية حيث تحول الى وسيلة ناجعة وفعالة في مادة استيراد البطالة في الوقت الذي اصدرت فيه اوروبا خلال شهر جوان 2008 توصية العودة لطرد المهاجرين وفي الوقت الذي تحول فيه طرد الاجانب الى ورقة انتخابية داخل بلدان الاتحاد الأوروبي. فبالاعتماد على العبارات الفضفاضة والفاسدة التي تضمنها هذا الامر، تمكن اشباه الباعثين خاصة من الأجانب برأس مال لا يتعدى 500 يورو من تكوين شركات تحت عنوان التدقيق الاقتصادي والاجتماعي والقانوني والإداري ومرافقة المؤسسات والاستشارات والدراسات وهي أنشطة لا تعرف ماهيتها وحدودها ليحصلوا على معرف جبائي في خرق للفصل 56 من مجلة الضريبة على الدخل ويرسموا بالسجل التجاري في خرق للفصل 3 من القانون عدد 44 لسنة 1995 المتعلق بالسجل التجاري ويباشروا بعد ذلك، دون رادع على مرأى ومسمع من الفاسدين صلب الادارة، مهام المستشار الجبائي والمحامي والمحاسب والوكيل العقاري والمستشار المالي والوسيط القمرقي والمستشار الاجتماعي ووكيل الإشهار وغير ذلك من الأنشطة المعنية بالتحرير قبل التفاوض وتكريس مبدإ المعاملة بالمثل على الأقل دون الحديث عن أعمال التحيل التي يقوم بها بعضهم مثلما يتضح ذلك من خلال البلاغات التي تصدرها من حين إلى آخر هيئة السوق المالية. الأتعس من ذلك ان يكون هؤلاء وراء تصنيف تونس بمختلف القائمات السوداء كوكر لتبييض الاموال والتهرب الجبائي الدولي والجريمة المنظمة كما تاكد ذلك لدى خلية معالجة المعلومات المالية ببلجيكا ومجموعة العمل المالي بفرنسا ومعهد بازل للحوكمة والاتحاد الأوروبي.

و أضاف محدثنا أن القائمين على المجلس رفضوا ضمنيا التعهد بعديد العرائض الموجهة اليهم بهذا الخصوص من قبل عدد هام من المهن على الرغم من جديتها حيث استندت الى المعايير المعمول بها داخل الاتحاد الاروبي الذي يسعى الفاسدون والخونة صلب الادارة إلى ادخال مهننا المهمشة وغير المؤهلة مع مهنه المتطورة جدا.

فحتى بعد صدور أمر 2009 الذي عوض أمر 2006، لا زال المهنيون يتساءلون عن دورهم داخل المجلس الوطني للخدمات وعن الجدوى من حضور اجتماعات باهتة لم يتمخض عنها أي شيء يذكر الى حد الان باعتبار الدور الهامشي المسند لهم بالنظر لهيمنة الإدارة المطلقة على أعماله علما وان تركيبة المجلس لم يتم تحويرها كل 3 سنوات في خرق لاحكام الامر المحدث للمجلس. اما اجتماعات المجلس على قلتها فلا يمكن الدعوة اليها الا من قبل الادارة.

واضافة إلى ذلك قوبلت مطالب المهنيين الملحة ومن اهمها تنظيم المهن بنصوص قانونية متطورة ومراجعة كراريس الشروط المتخلفة والفاسدة والخالية من الشروط باللامبالاة واسند إليهم دور الحضور الصوري في اجتماعات باهتة لا يعرفون الغاية من عقدها وعدم تفعيل القوانين المهنية والاقتصادية المتخلفة أصلا والمتعلقة بالمنافسة وحماية المستهلك والاشهار الكاذب.

صمت حكومي مطبق

في نفس السياق أوضح لسعد الذوادي أن الوضع الحالي للخدمات والمهن يتطلب حلولا عاجلة و على سبيل المثال لابد من ايجاد هيكل مختص بالمهن شبيه بديوان المهن بكندا والاستئناس بتجربتها الرائدة في مجال تنظيم المهن من خلال ايجاد قانون اطاري شبيه بمجلة المهن بكندا أو كتابة دولة لمهن الخدمات صلب رئاسة الحكومة مثلما هو الشأن داخل بعض البلدان الاوروبية لتنكب على مشاغلهم وتضع حدا لحالة التهميش المقيت الذي تعيشه المهن منذ عشرات السنين باعتبار أن المجلس الوطني للخدمات ولد ميتا ولم ينتج شيئا يذكر منذ سنة 2006 حيث اتضح فعليا ان ما يقوم به فيه اهدار للوقت وللمال العام من خلال الدراسات التافهة والفاقدة لادنى المعايير العلمية والمهنية التي ينجزها من حين إلى آخر.

وفي نفس السياق يعتبر الخبير الاقتصادي عدل الطويل أنه لا بد من الشروع في تأهيل المؤسسات كما هو الشان بالنسبة إلى برنامج تاهيل الصناعة مع ضرورة تحديد مفهوم التاهيل وأخذ المطالب الملحة لاصحاب المهن بعين الاعتبار الذين يعتقدون ان تاهيل مهنهم مرتبط بالاطار القانوني المهني والتكوين ومراقبة الجودة والتاديب ومعاقبة الدخلاء وحماية المستهلك وتبني المعايير الدولية ووضع التصنيفة المهنية وغير ذلك.

كما أن تفعيل دور المجلس الوطني للخدمات الذي لم يجتمع منذ اكثر من 7 سنوات أصبح ضرورة ملحة لأنه بامكانه المساهمة في توفير مئات الاف مواطن الشغل للعاطلين عن العمل من خلال التفاوض الجيد بخصوص تحرير قطاع الخدمات في اطار الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات بالمنظمة العالمية للتجارة او اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الاروبي، ويقترح التنصيص صلب مشروع قانون المالية لسنة 2019 على ان تلتزم الحكومة بتفعيل اعمال المجلس الوطني للخدمات :«يتعين على الحكومة تفعيل اعمال المجلس الوطني للخدمات وبالاخص تلك المتعلقة بتنظيم وتأهيل كل مهن الخدمات بالنظر للمعايير الدولية ذات العلاقة وبالاخص تلك المشار اليها بالتوصية الاوروبية المتعلقة بالخدمات وذلك في اجل ستة اشهر من تاريخ صدور هذا القانون. ولانجاز هذه المهمة، يتعين على الحكومة تشريك كل المنظمات المهنية وان تعذر ذلك اصحاب المهن».

فالمفروض اليوم ان تقوم الهياكل المعنية بمكافحة الفساد بتحقيق بخصوص المال العام المهدور في اطار عدد هام من الدراسات الفاسدة وكل المجالس والهيئات التي لم تنتج الا التخلف والفساد لتونس والتي تحولت الى ضيعات خاصة بين ايدي الفاسدين.