الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



رغم إجراء نشر عقود الطاقة

استشراء الفساد وهدر المال العام



إعداد: شكري بن منصور

سلط تقرير دائرة المحاسبات و الدراسة التي أعدتها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين حول قطاع الطاقة الضوء من جديد على الفساد في قطاع الطاقة في تونس . ورغم أن البلاد التزمت بشكل تلقائي بنشر عقود الطاقة في إطار الحوكمة المفتوحة و تفعيل حق النفاذ إلى المعلومة إلا أن التجاوزات تواصلت في السنوات الأخيرة ومن بينها تسجيل 5 حالات تمديد في مدة الامتياز بطريقة غير مشروعة وكذلك 3 حالات لرخص بها تجاوزات كبرى تتطلب فتح تحقيق إضافة إلى خسارة الدولة 20 مليون دينار كتعويضات بسبب خسارة قضية تحكيمية في امتياز حقل ودنة. ورغم النفي المتكرر لمصادر حكومية وجود تجاوزات على مستوى إبرام العقود بين الدولة والشركات العالمية المستثمرة في البلاد التي لا يتجاوز فيها إنتاج النفط حاليا خمسين ألف برميل يوميا إلا أن إقالة وزير الطاقة وأربعة مسؤولين في الوزارة من بينهم المدير العام للمحروقات ورئيس شركة الأنشطة البترولية بسبب شبهات فساد أثبتت صحة هذه الاتهامات . وخلال الفترة الأخيرة لم تمنح تونس رخصاً جديدة للتنقيب عن المحروقات التقليدية، ولم يتجاوز عدد الرخص الـ23 رخصة مع نهاية شهر جوان الماضي. وكان عدد الرخص سنة 2014 نحو 52 رخصة قبل أن ينحصر العدد على إثر الانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار النفط على المستوى العالمي.

فماهي طبيعة التجاوزات التي تم تسجيلها في التعاطي مع قطاع الطاقة وهل تتعامل الحكومة بجدية مع شبهات الفساد في إسناد رخص التنقيب؟

تعتبر تونس من بين 8 بلدان خارج المبادرة الدولية للشفافية في قطاع الطاقة التي بادرت بنشر العقود النفطية بصفة تلقائية .. ويثير التراجع المهم في إنتاج المحروقات و الاستثمار فيها عديد التساؤلات حول تحديد أولويات قطاع يمر بأزمة خطيرة. في حين تعتبر العديد من الأطراف أن الأولوية يجب أن تقتصر حاليا على تحسين مناخ الإستثمار وجلب المستثمرين والحفاظ على مواطن الشغل وغض النظر عن موضوع الشفافية وحوكمة الثروات الطبيعية التي تبقى من المواضيع الثانوية نظرا لأنها ستعطّل نوايا الاستثمار وتزيد من الاحتقان خاصة أن التحركات والمطالب الاجتماعية في مناطق إلانتاج لم تطرح موضوع الشفافية وحوكمة القطاع كأحد أولوياتها فقد بقيت المطالب الأساسية مركزة على التشغيل والتنمية في انفصال عن المطالب المتعلقة بالشفافية والحوكمة.

في المقابل حاولت بعض منظمات المجتمع المدني التأكيد على ارتباط موضوع الشفافية والحوكمة بتطوير القطاع ودفع الاستثمار والحد من الاحتقان الاجتماعي خاصة في غياب رؤية واضحة لحوكمته، وهو ما يتأكد من خلال التذبذب الحكومي والتعامل المناسباتي مع الموضوع تحت الضغط الاجتماعي بالإضافة إلى التعطيل الحاصل في تبني مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية كأحد أهم آليات حوكمة هذا القطاع وكشف المداخيل المتأتية منه رغم التعبيرعن النية في الانضمام إلى هذه المبادرة وإدراجها كالتزام رقم واحد في إطار خطة عمل مبادرة شراكة الحوكمة المفتوحة لسنة 2016 - 2018 .

غياب المراقبة

وضمن هذا السياق يعتبر الخبير في قطاع الطاقة محمد غازي بن جميع أن الدراسة التي قامت بها الجمعية التونسية للمراقبين العموميين وكان هو من بين المشرفين عليها أشارت إلى أهم الاخلالات والتجاوزات الحاصلة في ملف الطاقة في بلادنا ومن بينها أنه تم منح تجديد رخصة للتنقيب لشركة أجنبية رغم أن المستثمر لم يف بالتزاماته السابقة مع الدولة التونسية ورغم أن القانون فرض عليه خطايا في هذا المجال سنتي 2014 و2015 وفي المقابل هناك شركة أخرى التزمت بالعقود المبرمة مع الدولة التونسية وتمت معاقبتها وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول الكيل بمكيالين والمعايير المتبعة في التعامل مع هذه الشركات. وأضاف محدثنا أنه من بين الاخلالات الأخرى تم إسناد رخصة لشركة سويدية وبقيت مجمدة وغير مستغلة لمدة 10 سنوات ثم تم منحها تجديدا ثالثا في خرق للقانون الذي يشترط وجود اكتشاف جديدا لمنح هذا الامتياز.

كما أن هناك بعض الامتيازات تم منحها مساحات كبيرة في الجنوب بصفة غير قانونية وتحول بذلك امتياز الاستغلال إلى استكشاف وهو خرق واضح للقانون ويتعلق بشركتي «ايني» و «أو أن في» وهذا الأمر تم دون مراقبة من لجنة المحروقات بمجلس نواب الشعب التي بقي دورها محدودا جدا . ورغم أن هناك تحسنا في الشفافية على مستوى القطاع من خلال نشر العقود إلا أن هناك تقارير لم يقع نشرها مثل الجدوى المالية للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية إضافة إلا أن حوكمة القطاع لا تزال ضعيفة.

تبييض أموال

و من جانبها أكدت خبيرة عقود النفط الدولية و المحامية فوزية باشا أن الحديث عن الفساد في قطاع الطاقة يمكن تلخيصه في ان دار لقمان بقيت على حالها لان نشر العقود لوحده ليس كافيا للقضاء على الفساد. فالإشكال يتمثل في أن الإدارة لا تراقب عقود النفط بشكل جدي من ذلك أن 22 رخصة تنقيب لم يقع تجديدها أي أن الشركات لم تلتزم بالعقود الممضاة مع الدولة التونسية. وهذا الأمر في صورة حدوثه يتطلب فرض غرامات على هذه الشركات من قبل الإدارة العامة للطاقة التابعة لوزارة الصناعة لكنها لا تقوم بذلك بتعلّة التشجيع على الاستثمار. وأشارت إلى أن هذا الوضع فتح الباب على مصراعيه لشركات تبييض الأموال دون رقيب ولا حسيب لان المراقبة مشتّتة بين الشركة التونسية للأنشطة البترولية والادارة العامة للطاقة التي ليست لها سلطة على الشركات. ويمكن القول أن واقع قطاع الطاقة أصبح يتراوح بين الفساد وهدر المال العام.

الخبير في الطاقة علي الخشناوي شدد من جهته على أن مجلة المحروقات أو الاتفاقيات الخاصة لم تنص على حق الدولة التونسية في التراجع عن قرار المشاركة في الامتياز أو إقرار المشاركة بعد أن تكون قد تخلت عنها سابقا علما و أن هذه المشاركة تتم عن طريق المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية.

كما أن الحديث عن مكافحة الفساد في القطاع يصبح صعبا في غياب آليات تعزّز الرقابة والمساءلة وتسهّل معاينة التجاوزات وتردع الفاسدين . فإصلاح المؤسسات والمنظومة الرقابية واعتماد إطار تشريعي ومؤسّساتي لمكافحة الفساد لا يمكنه أن يكون فعّالا إذا لم يقترن بإرساء الشفافية والمساءلة. وأوضح أن وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة لا تزال بعيدة عن تكريس مبدإ الشفافية في تعاطيها مع مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية التي تضم 52 دولة. ورغم إعلان الوزارة عن انطلاق تونس في تطبيق معايير مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية إلا أنها لم تنضم إليها بشكل فعلي لذلك لا بد من تفعيل إجراءات انضمام تونس إلى مبادرة الشفافية الدولية للصناعات الاستخراجية لأهميتها في فرض الرقابة الدولية والوطنية على القطاع.

تضارب المصالح

واعتبر علي الخشناوي أن هناك منظومة تشريعية غامضة تمنح الحق لجميع الأطراف ولا توضّح بشكل قاطع آليات محاسبة فعالة وآليات للرقابة والشفافية لتفادي الفساد.وعلى سبيل المثال هناك تضارب كبير للمصالح في القطاع يعكسها ارتفاع عدد الشكايات التي تتعلق ببعض المديرين في الشركة التونسية للأنشطة البترولية والذين يفتحون مكاتب خبراء بعد إحالتهم على التقاعد ويعودون الى التعامل مع الشركة، مبينا أن ذلك يدخل في خانة تضارب المصالح.

استجابة للمطالب المتكرّرة حول الشفافية وتفنيدا للشائعات حول حجم الثروات الطبيعية في تونس قامت الحكومة التونسية بنشر عقود المحروقات في خطوة مهمة يشهدها هذا القطاع الذي يساهم بنسبة ٪5 من ميزانية الدولة لسنة 2018. ورغم أن ذلك يعتبر تكريسا للشفافية في قطاع لفّه التعتيم واستفحل فيه سوء التصرف إلا أن هذا القرار لا يكفي لوحده بحسب الخبراء للقضاء على الفساد ولا بد من تعزيز عمليات المراقبة على عقود الاستغلال والتنقيب. وتعدّ تونس من الدول القليلة التي بادرت بنشر عقود المحروقات دون أن تكون منخرطة في مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.