الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



مؤسسة الموفّق الاداري :

منظومة تحتاج إلى اصلاح عميق



مشروع قانون لتغيير تسمية الموفق الإداري الى مؤسسة المدافع عن الحقوق

اعداد: عواطف السويدي

تعدّ مؤسسة الموفق الاداري مرصدا يستشفّ سلوك الإدارة ويقيّم مدى جودة وفاعليّة خدماتها عبر شكاوى المواطنين، وتعمل هذه المؤسسة على إرساء تقاليد تعامل حضاري بين المواطن والإدارة .وليست مؤسسة التوفيق من المؤسسات الناشئة أو وليدة نظم الدولة الحديثة إذ هي من المؤسسات الضاربة في التاريخ فلم يكن غريبا أن تنشأ في الدولة الاسلامية عديد المؤسسات الهادفة إلى إعلاء راية العدل وردّ الظلم مثل «ديوان المظالم» ، وقد عرف العالم نواة مؤسسة الموفق المعاصرة باسم «الأمبودسمان» أي المتكلم باسم الغير انطلاقا من «السويد»عام 1713 ، وتم ترسيخها دستوريا سنة 1809، وتختلف تسمياتها من دولة إلى أخرى مثل «أمبودسمان الملك»و«الأمبودسمان من أجل العدالة» و«الموفق الجمهوري» و«المدافع عن الحقوق» ، كمؤسسات اندرجت في إطار منظومات الاصلاح الإداري وكأحد مقومات دولـــة القانون والمؤسسات.

وفي تونس كان بعث هذه المؤسسة بتسمية «الموفق الإداري» وفق الأمـر عـدد 2143 لسنة 1992 المــؤرخ في 2 ديسمبر 1992 الذي نظم مصالحه ومشمولاته وطرق عمله ، وعهد إليه بالتوسط بين المواطن والإدارة لإيجاد الحلول للمسائل العالقة بين الإدارة والمواطن، وهو مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تعمل باستقلالية ولا تتلقى أثناء ممارستها لمهامها تعليمات من أي سلطة عمومية، ولتيسير مهامها تمّ تمكينها من صلاحيات واسعة للتدخل لفائدة المواطنين لدى الإدارة والمؤسسات العمومية وكلّ الهياكل المكلّفة بمهمة تسيير مرفق عمومي ، وتكمن أهمية مؤسسة الموفّق الإداري في تعزيز مقومات الحوكمة الرشيدة وتعزيز البناء الديمقراطي .

والموفق الإداري مؤسسة تعنى بمعالجة مشاكل المواطن الذي لم يتسن له قضاء شؤونه من الإدارة التونسية بسبب تقصير أو ما شابه ذلك ، إلا انه لا يتدخل في المشاكل التي بلغت مرحلة التقاضي أو المشاكل بين الخواص أو المشاكل الشغلية إلا بعد انتهائها بالطرد التعسفي .

وفي هذا السياق تحتاج مؤسسة الموفق الإداري الى توفير استقلالية تامة عن السلطة وإمكانيات هامة على كل المستويات لتتمكن من ممارسة صلاحياتها على احسن وجه ، فهل تم تطوير هذه المؤسسة بعد الثورة لتصبح رافدا من روافد الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد والتسيير الديمقراطي ؟

الموفق أو الامبودسمان تعني لغويا خدمة الآخر وهي أنبل وظيفة يمكن أن يؤديها شخص أو هيكل اذ ان مؤسَسات التوفيق والوساطة و«الأمبودسمان» تشكل في جل أنحاء العالم محرارا للديمقراطية ومؤشرا لمدى احترام حقوق الإنسان الجماعية والفردية وفي تونس لا يتلقى الموفق الإداري بموجب القانون والممارسة أي تعليمات من أي سلطة عمومية عند النظر في الشكاوى.

مهام الموفق الإداري

ورد التقرير السنوي عدد 247 للموفق الاداري تحت عنوان «الدفاع عن الحق واجب والقيام بالواجب مسؤولية» وتم تسليمه مؤخرا الى الرئاسات الثلاث .

وتتمثل ابرز المهام المنوطة بعهدة هذا الجهاز وفق التشاريع الجاري بها العمل في :النظر في الشكاوى الفردية الصادرة عن الأشخاص الطبيعيين والمتعلّقة بالمسائل الإدارية التي تخصّهم والتي ترجع بالنظر الى مصالح الدولة والجماعات العمومية المحلّية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمنشآت العمومية وغيرها من الهياكل المكلّفة بمهمة تسيير مرفق عمومي والنظر في الشكاوى الصادرة عن الذوات المعنوية المتعلّقة بالمسائل الإدارية التي تخصّها على أن تقدّم الشكوى من طرف شخص مادي له مصلحة مباشرة . ولكن ورغم أهمية هذه الصلاحيات تبقى مجالات أخرى منقوصة ولا يستطيع الموفق الإداري النظر فيها من ذلك عدم القدرة على النظر في القضايا المنشورة أمام المحاكم وفي النزاعات المتعلّقة بالحياة المهنية للأعوان الإداريين رغم أنّها تمثّل جزءا كبيرا من النزاعات الإدارية في تونس .

في المقابل يتمتّع الموفق الإداري بسلطة تقديم التوصيات والحلول للهيكل العمومي في صورة تعذّر تنفيذ حكم قصد رفع العراقيل التي تحول دون التنفيذ وهي آلية غير ناجعة بسبب غياب عنصر الإلزام فعند تعنّت الإدارة وتشبّثها بموقفها في عدم تنفيذ حكم قضائي لا يمكن إلزامها بذلك.

ويرفع جهاز الموفق الإداري تقريرا سنويا إلى رئيس الجمهورية مشفوعا باقتراحاته ،أمّا الآن ووفق أحكام دستور الجمهورية الثانية الصادر سنة 2014 فإنّ الإدارة لم تعد تخضع إلى رئيس الجمهورية بل إلى رئيس الحكومة وهو ما يستوجب تعديلا يجعل من جهاز الموفق الإداري تحت إشراف رئاسة الحكومة.

تطوير المنظومة

وأفاد الموفق الإداري عبد الستار بن موسى، بأن مؤسسة الموفق الإداري تلقت عديد الشكاوى سواء سنة 2017 او خلال سنة 2018 ، وأشار العميد بن موسى، في حوار جمعنا به في مكتبه إلى أنه يسعى الى إحداث تمثيليات جهوية للموفق الإداري في كل ولاية بعد ان قام بزيارة كل الأقاليم والوقوف على محدودية امكانياتها وعدم فاعليتها وقام في هذا الصدد بتعريف الموفقين بالولاة والمسؤولين وبكل الأطراف المعنية في الولايات بالإضافة الى مكونات المجتمع المدني ، ودعا بن موسى الى احداث خطة المتطوعين في الولايات يتحصلون على منحة تشجيعية وذلك اقتداء بالتجربة الفرنسية واكد ان الموفق ليس صندوق بريد وانما يسعى الى حل الملفات في الابان ، كما أشار الى انه في السابق يقع حل الملفات حسب المتضررين لكن حاليا يتم فتح الملفات حسب المواضيع فكانت نسبة الإنجاز 60 بالمائة سنة 2017 وذكر بن موسى ان هناك ملفا مع الخطوط التونسية بقي معطلا لمدة عامين وتمت تسويته في ظرف يوم عن طريق الاتصال المباشر بالمسؤول عن المؤسسة ، وملف اخر مع وزارة التربية لتلاميذ تمت تسويته في وقتها ، وقد بلغ عدد العرائض التي نظر فيها الموفق الاداري 2207 عرائض خلال سنة 2017.

وشدد عبد الستار بن موسى على ان هناك تقاطعا في مهام واهداف الموفق الإداري مع عديد الهيئات الأخرى مثل الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد وهيئة مقاومة التعذيب وهيئة الحقيقة والكرامة ومنظمة الدفاع عن المستهلك ، مؤكدا الاعداد لتوقيع اتفاقية شراكة مع كل الأطراف التي يتقاطع عملها مع الموفق الإداري ومن بينها الجمعيات .

وأشار الى ان الموفق الإداري لم يجد حظه في الاعلام لان التقرير السنوي في السابق كان يعرض على البرلمان ومجلس الوزراء وتتم مناقشته ولكن اليوم يتم تقديمه فقط الى رئاسة الجمهورية دون مناقشة وأوضح انه تم تغيير الشارة المميزة للموفق الإداري وتطوير الموقع الالكتروني وتم تغيير منظومة العمل ولكن لم يتم انجاز ومضات اشهارية وهي تتطلب أموالا هامة في حين ان ميزانية التصرف لا تتعدى 230 الف دينار وهي غير كافية لتنظيم أنشطة وندوات على طول العام ولذلك شدد على مناقشة التقرير السنوي في مجلس الوزراء وفي البرلمان وتنظيم ندوة صحفية .

نريد قرارات ملزمة

وابرز عبد الستار بن موسى ان هناك بعض المؤسسات التي لا تتجاوب مع قرارات الموفق الإداري ستصدر في التقرير وأشار ان هناك ملفات فيها تعسّف على الحقوق خاصة منها مناشير التفتيش التي تعاني اخلالا في المنظومة وفيها تعد على الحريات الذاتية بالإضافة الى معضلة عدم تنفيذ الاحكام وقرارات الهدم مثل عدم تعاون الشرطة البلدية وقليلة جدا قرارات الهدم التي تنفذ وسيقع ادراجها في التقرير السنوي وأيضا هناك مشكل عدم تنفيذ الخطايا بسبب تقاعس الإدارة وعبر عن رغبته في ان تصبح قرارات الموفق الإداري ملزمة قانونيا .وذكر العميد ان الاخطاء تحصل ايضا في مسالة المنع من السفر لحالات المواطنين المحكومين في قضايا إرهابية خاصة وفيها أيضا تعد كبير من الإدارة رغم وجود لجنة لمتابعة تنفيذ الاحكام ضد الإدارة صلب رئاسة الحكومة واغلبها لا تنفذ ، وأيضا هناك صعوبات في التعامل مع المرفق القضائي في مراجعة حكم معين وهو امر ترفضه الإدارة القضائية رغم انه من صلاحياتنا .

واعتبر الموفق الإداري عبد الستار بن موسى ان تحويل صبغة مؤسسة الموفق الإداري لتصبح موفقا جمهوريا، ليست رهينة تنقيح القانون المنظم فحسب، بل تتطلب دعم قدراته البشرية واللَوجستية وتطوير آليات الاتصال به وضمان إشعاعه في كافة الجمهورية عبر منسقين جهويين لتقبل تشكيات المواطنين وفض النزاعات ومختلف الإشكاليات بين المواطن الإدارة وبين ان احسن تسمية هي المدافع عن الحقوق مثل فرنسا ، وذلك رغم تقديم مشروع قانون الى البرلمان منذ 2013 لتوسيع الصلاحيات للتدخل في الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وطالب الموفق الإداري عبد الستار بن موسى بتنقيح القانون بموجب امر لظبط المهام حسب الحقوق.

وعموما قال ان الهيئات الرقابية لدعم الانتقال الديمقراطي لا يجب ان تكون واجهة فقط للديمقراطية لان كثرة المؤسسات تضعف عملها في ظل قلة الموارد والإمكانيات في حين ان التجارب المقارنة تقوم بتجميع الهيئات التي تعنى بحقوق الانسان في شبكة واحدة .

آلية إنصاف

وأوضحت العضو في لجنة الهيئة العامة للوظيفة العمومية فائزة الامام في تصريح لـ«الصحافة اليوم» بان اللجنة تسعى الى التنسيق مع الموفق في كل المسائل المعروضة عليها في رئاسة الحكومة ،من ذلك ايجاد مخاطب وحيد وحل الاشكاليات في الآجال المطلوبة وذلك من خلال ايجاد مخاطب وحيد من الادارة ليتحاور مع الموفق الاداري وفي حال يكون المواطن على حق تدافع الحكومة على الملف وتحاول ان تحقق الانصاف ، ولكن اذا كان غير محق توضّح له ذلك.

وتتولى فائزة الامام التنسيق بين الموفق الاداري وبقية الادارات لتنتهي المرحلة الى تنفيذ الاحكام واعتبرت ان الموفق الاداري مؤسسة تابعة الى رئاسة الجمهورية واحدثت منذ سنة 1993 ومن الطبيعي اليوم ان توجد مساع للاصلاح والتطوير لاضفاء نجاعة اكثر على عملها. وبينت الامام ان هناك عديد المسؤولين الذين تداولوا على الموفق الاداري وان هناك اقبالا من المواطنين في انتظار مزيد تطوير عمله والتعريف به لدى العموم ، وذلك اعتبارا الى انه الية من اليات الانصاف للمواطن.

الاقتداء بالتجارب المقارنة

وقد ابرز القاضي الاداري احمد صواب بان مؤسسة الموفق الاداري مؤسسة عريقة اصلها سكندينافي وكانت مؤسسة ناجحة تبنتها بعض الدول مثل فرنسا ، دورها يتمثل في التدخل بين المواطن والادارة لتقوم بالصلح ولكن في تونس لا يمكن اسقاط التجارب المقارنة دون الاخذ بعين الاعتبار السياق الخاص حسب تعبيره.

وقال صواب في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان عملية الاصلاح تتطلب تغيير النصوص القانونية وتوفير الامكانيات البشرية والامكانيات المادية مشيرا الى أهمية الاقتداء بتجربة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي كانت مؤسسة ميّتة حسب وصفه وتحولت الى مؤسسة ناجحة بفضل مجهودات رئيسها ، واعتبر محدثنا ان استراتيجية الموفق الاداري الحالي العميد عبد الستار بن موسى لتطوير المؤسسة تضم مقترحات جيدة ورؤية واضحة نحو التطوير من ذلك توفير الامكانيات المادية والبشرية في المركز وفي الجهات وانتداب متقاعدين متطوعين وهو مقترح ايجابي حسب رايه لان هذه الفئة من التونسيين مطلعة جيدا على الادارة وعلى القوانين .

اما في ما يتعلق بمقترح المصادقة على القانون الاطاري للمراقب العام للدولة يضم كل هيئات الدولة في هيكل وحيد اوضح القاضي احمد صواب انه كان هناك مقترح قانون سنة 2012 ولكن لم تتم المصادقة عليه من البرلمان وهي مؤسسة تضم كل الهياكل المتعلقة بالجانب الرقابي ومقاومة الفساد والجانب الصلحي وهي مؤسسة موجودة في الدول الديمقراطية حيث يتم انتخاب رئيسها من البرلمان .

ودعا احمد صواب في هذا السياق الى الاقتداء بتجارب الدول المتقدمة في هذا المجال والسعي الى تجميع كل مجهودات الهيئات المحدثة في هيكل عام يقوم بالتنسيق بين جميع الاطراف المتدخلة حتى نضمن نجاعة عملها.

وعموما يحتاج تفعيل دور الموفق الإداري الى انتقال سلطة الإشراف من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة مع تمكينه من عدّة آليات زجرية تمكّنه من إلزام الإدارة باحترام القواعد القانونية وتنفيذها إلى جانب تمكينه من آلية التعهد الذاتي في المسائل التي يرى أنها ترتبط بالمصلحة العامّة أي عدم اقتصار اختصاصه على تلقي التشكيات من طرف شخص له مصلحة مباشرة في النزاع.