الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



البضائع المقلّدة تغزو أسواقنا

متــى يتـــمّ وضـــع حــــدّ لمخاطــرها علــى الصحـــة والاقتصـــاد والبيئــة ؟



إعداد: عواطف السويدي

يعتبر التقليد من الظواهر الخطيرة على المستوى العالمي والتي لها تأثيرات اقتصادية وبيئية وصحية وأمنية ، وفي بلادنا اكتسحت هذه الظاهرة أغلب الأسواق التي يتوجّه اليها المستهلك فنجد الباعة المتجولين على أرصفة الطريق يعرضون أنواعا مختلفة وعديدة من البضائع والألعاب والمنتجات المقلدة على طول الشوارع المزدحمة سواء في شهر رمضان المعظم او على مدار السنة ، فبعد أن كانت تقتصر على لعب الأطفال وبعض المنتجات البسيطة ومنخفضة الأثمان أصبحت تشمل الملابس والأحذية والأطعمة المعلبة وغيرها من المواد الاستهلاكية. ويتم جلب أغلب المنتجات المهرّبة من الصين وتركيا وسنغفورة وغيرها من الدول الآسيوية...

وتشهد هذه السلع إقبالا كبيرا من التونسيين لانخفاض أسعارها رغم ضعف جودتها مقارنة بالبضائع التي توزع في الأسواق بطريقة قانونية ويلجأ التونسي محدود الدخل إلى بضائع الباعة المتجوّلين، في خضم موجة غلاء المنتجات الغذائية الأولية مما ينعكس سلبا على المقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، ويزيد من انتشار البضائع المهربة من المخاطر الصحية على المستهلكين. ويرتبط انتشار الباعة المتجولين في شوارع المدن التونسية بظاهرة التهريب التي أضحت طوال السنوات الماضية آفة تنخر الاقتصاد التونسي نتيجة المسالك التجارية الموازية والبضائع غير المطابقة للمواصفات والجودة التي يتم تسويقها .

وأمام العجز عن كبح هذا الغزو، تكتفي السلطات المعنية بالمراقبة الدورية ، فمن يحمي صحة التونسي من الأمراض الخطيرة التي يسببها انتشار هذه البضائع المقلدة ومن يحمي اقتصاد البلاد والبضاعة التونسية ؟

في هذا السياق قام المعهد الوطني للاستهلاك بدراسة ميدانية حول البضائع المقلدة وقدم جملة من المقترحات لمقاومة الظاهرة واطلق حملة تحت شعار «قول لا للتقليد الأصلي هو الي يفيد» ، ونتساءل في هذا الصدد هل يتم الاخذ بعين الاعتبار كل هذه الأرقام والمعطيات المفزعة وتتم الاستفادة من المقترحات من قبل الأطراف المعنية ؟

يعمد 77 بالمائة من التونسيين إلى اقتناء البضاعة المقلدة نظرا لسعرها الزهيد ولتراجع قدرتهم الشرائية وفق ما جاء من نتائج في بحث ميداني أنجزه المعهد الوطني للاستهلاك حول المستهلك التونسي والمنتجات المقلدة ، واظهر البحث الذي شمل عينة من 2016 مستهلك من 20 سنة فما فوق، أن قرابة 55 بالمائة من التونسيين صادف أن اقتنوا هم أو أحد أفراد العائلة بضاعة على أنها أصلية وتبين أنها مقلدة(تصل هذه النسبة أقصاها في الوسط الغربي إلى حدود 60 بالمائة) خاصة في مجال الآلات الكهرومنزلية (36 بالمائة)، ومواد التجميل والنظافة والعطورات (28 بالمائة)، والملابس (23 بالمائة ) ثم الجلود والأحذية والتجهيزات الإعلامية (19 بالمائة ).

غياب الأرقام الرسمية

ويرى المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك، طارق بن جازية انه لا توجد أرقام رسمية حول حجم التقليد في السوق التونسية، وإنما هي مجرد تقديرات سواء من هياكل نقابية لمؤسسات متضررة بهذه الظاهرة أولبعض ناشطي المجتمع المدني، باعتبار صعوبة القيام بهذه الإحصائيات أوالتقديرات على أرض الواقع، وفق تصوره ، كما يعتبر انه حسب الخارطة العالمية للتقليد، فإن تونس تُعتبر ضحية .

وابرز بن جازية في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان نتائج البحث الميداني بينت أن 29.4 بالمائة من العينة المستجوبة لا تشتري البضائع المقلدة بصفة مبدئية (تبلغ هذه النسبة أقصاها بإقليم تونس الكبرى 32 بالمائة، وتنزل إلى حدود 24 بالمائة بمنطقة الجنوب الغربي)، في حين عبّر 18.9 بالمائة من المستهلكين عن ندمهم بعد شراء بضائع مقلدة، ويرى 8.4 بالمائة أن البضائع المقلدة تمثل متنفسا لذوي الدخل المحدود، وأن 5.4 بالمائة لا يجدون حرجا في شراء سلع مقلدة طالما تلبي حاجياتهم.

وأضاف محدثنا انه حسب البحث فإن 77.6 بالمائة من العينة ترى أن للبضائع المقلدة مخاطر صحية، و54.7 بالمائة ترى أن لها مخاطر على ميزانية الدولة، وتعترف 31.5 بالمائة من العينة أن لها مخاطر بيئية.

وفي ما يخص أبرز ثلاثة منتجات يراها المستهلك التونسي عرضة للتقليد كشف البحث أن مواد التجميل والنظافة والعطورات تأتي في المرتبة الأولى وثانيا الملابس والأقمشة، وثالثا لعب الأطفال . كما أن 64 بالمائة من العينة تميّز بين المنتوج الأصلي والمقلد من خلال السعر،و60.4 بالمائة عبر طريقة ومكان العرض.وعن كيفية تعاملهم مع البضاعة التي يتم اكتشاف أنها مقلّدة، بيّن 3.4 بالمائة فقط أنهم يرفعون شكاية إلى الهياكل المختصة، وهوما يعكس غياب ثقافة التبليغ والمطالبة بالحقوق، وفق طارق بن جازية .

مخاطر اقتصادية وصحية

ويستهلك التونسي حوالي 77 بالمائة من المواد المقلدة المنتشرة في السوق الموازية رغم إضرارها على الصحة والبيئة واقتصاد البلاد، وهوما يتسبب في مضار على الصحة والبيئة واهدار للعملة الصعبة وضرب للاقتصاد الوطني الذي يشهد أزمات في قطاعات عديدة بسبب المنافسة التي يلقاها من البضائع المقلدة من ذلك ان احد مصانع الاطارات المحلية أغلق مؤخرا بسبب ترويج اطارات مقلدة في تونس ويقبل عليها المستهلك رغم انها لا تخضع الى المواصفات المطلوبة .

واعتبر رئيس المعهد التونسي للاستهلاك طارق بن جازية ان اقتناء البضائع المقلدة له مخاطر اقتصادية تتمثل في تقليص فرص الاستثمار في ظل عدم حماية العلامات التجارية وأيضا يبقى التقليد عاملا غير مشجعا على تطوير البحث هذا الى جانب انتهاك الملكية الفكرية في المنتوجات الفكرية والتكنولوجية .

وأشار بن جازية الى وجود تقليد للماركات والمنتوجات التونسية اضرت بالمنتوجات الاصلية على غرار شركة الإطارات المطاطية التي أصبحت شركة خاسرة اليوم بسبب تقليد هذه المواد وأيضا شركة التبغ والوقيد التي تعاني ازمة مالية بسبب تقليد السجائر والتي تمثل خطرا شديدا على صحة المواطن حيث تحتوي مواد مسرطنة 11 مرة مضاعفة من السجائر الاصلية بالإضافة الى مخاطر العطورات ومواد التجميل المقلدة والعاب الأطفال التي تباع بكثافة في عيد الفطر ولها تأثيرات سلبية على المدى البعيد .

وقال بن جازية انه من خلال الدراسة الميدانية تمت ملاحظة تشتت في المجهود المتعلق بمقاومة التقليد بين عدة اطراف في الحكومة اوالمجتمع المدني على غرار وزارة التجارة ومنظمة الأعراف والصناعيين وهم يشتغلون كل حسب امكانياته وضوابطه لذلك ستعمل الوكالة الوطنية لمكافحة التقليد على توحيد كل هذه الجهود والتنسيق بين كل الأطراف الى جانب اقتراح احداث خطة قاضي الاستهلاك حيث بين بن جازية في هذا الصدد انه لا يوجد قضاة مختصين في قضايا الاستهلاك لذلك وجب تكوينهم في هذا المجال الذي له خصوصيته وكانت هذه التجرية ناجحة في السودان وفي المملكة العربية السعودية وتمكن من البتّ في القضايا في وقت وجيز.

وهوما يجعل بلادنا تواجه تحدّيا هاما يتمثل في التصدي لهذه الظاهرة وجعلها اولوية مطلقة.

من جهته اعتبر الخبير المحاسب «معز كنيش» أن هناك مخاطر اقتصادية للسلع المقلدة لأنها تكتسح الأسواق التونسية وتنافس المنتوج الأصلي في تونس ومن المتعارف عليه انها منتوجات تدخل الى بلادنا عن طريق التهريب وهنا يأتي دور الديوانة التونسية التي يجب ان تكثف مجهوداتها في الرقابة .

اما المخاطر الصحية حسب تصريح «معز كنيش» لـ«الصحافة اليوم» فهي التي تتسبب فيها البضائع المقلدة وهي عديدة وتبرز في المواصفات التقنية غير الجيدة للمواد الكهرومنزلية على سبيل المثال ، وبما ان التقليد يشمل المنتوجات التونسية وأيضا الأجنبية يرى محدثنا انه يجب وضع خطة متكاملة تقوم على استراتيجية واضحة لمقاومة التقليد ، ومن ثمة يمكن احداث هياكل عمل ورقابة على غرار الوكالة الوطنية لمقاومة التقليد وغيرها وذلك من خلال وضع معرف للمنتوجات التونسية الاصلية وأيضا الحد من توريد المنتوجات الاصلية الأجنبية لمقاومة التهريب .

آفة التهريب

ويتم إدخال البعض من هذه البضائع عبر الحدودية البرية للبلاد بطرق غير شرعية، كما يتم إدخال البعض الآخر عن طريق الموانئ التجارية، إذ تدخل السلع الممنوع عرضها في تونس في حاويات لكن بتصاريح تشير إلى سلع أخرى قانونية، حسب ما تؤكده تقارير مختصةوهذا رغم تكثيف إجراءات المراقبة المشددة على البضائع المخالفة للقانون أمام استمرار نزيف التهريب.

وأقرّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد جملة من الإجراءات الصارمة بعد زيارته المفاجئة في وقت سابق إلى ميناء رادس التجاري بهدف وضع حدّ للوبيات التهريب في الميناء. وتضمنت قرارات الشاهد إقالة عدد من مسؤولي الديوانة وتشديد المراقبة بهدف الحد من الفساد الإداري الذي يسهل تهريب البضائع .

ويرى خبراء أن تكثيف الإجراءات الرقابية على المنافذ البحرية لا يكفي باعتبار أن جانبا هاما من هذه المواد المهربة يتم نقلها بريا عبر الحدود من الجزائر عبر شبكة معقدة من الوسطاء والمهربين .

وتشمل قائمة البضائع التي تشهد رواجا كبيرا خلال موسم رمضان والأعياد المتفجرات الخفيفة والمسدسات النارية والمائية والألعاب البلاستكية والإكسسوارات الخاصة بالأجهزة الإلكترونية والهواتف الجوّالة والبعض من المنتجات الترفيهية ،وتسعى مختلف المصالح المختصة في الرقابة إلى تشديد حملات المراقبة التي تنفذها الشرطة البلدية ووزارة التجارة والصحة لملاحقة هذه المواد المخالفة في كل منافذ البيع، لكن نزيف البضائع المهربة المخالفة للشروط والمواصفات يتواصل ولا يمكن القضاء عليه نهائيا ...

استراتيجية شاملة

وجاءت مقترحات المعهد الوطني للاستهلاك بجملة من المقترحات الهامة على غرار دراسة إمكانية احداث وكالة وطنية مختصة في مقاومة التقليد تقوم بالتنسيق بين الهياكل المعنية بالمراقبة والهياكل المعنية بحماية الحقوق والهياكل الصحية والأمنية وتقوم بتنفيذ خطة وطنية لمكافحة ظاهرة التقليد وتشديد الرقابة على المعابر الحدودية والديوانة ومراجعة القوانين الخاصة بعلامات الصنع والتجارة والخدمات والتفكير في إحداث خطة قاضي «المستهلك» والذي ينظر في المسائل المعنية بحماية المستهلك بما في ذلك المنتجات المقلدة ومزيد العمل على التوعية والتحسيس لفائدة المستهلك...

وفي هذا السياق اعتبرت نائبة رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك «ثريا العلوي» ان المنظمة تعول كثيرا على وعي المستهلك في تعاطيه مع البضائع المقلدة مشيرة الى ان المستهلك التونسي يقتني المنتوجات المقلدة عن قناعة بسبب محدودية مدخوله وتدهور المقدرة الشرائية دون إدراك لمضارها الوخيمة .

وبينت «ثريا العلوي»في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان منظمة الدفاع عن المستهلك وضعت خطة شاملة لترشيد المستهلك التونسي ليميز بين كل منتوج مقلّد اوأصلي حيث اقرت ان المنتوجات المقلدة تباع أساسا في السوق الموازية على غرار العاب الأطفال التي تحمل مواد مسرطنة والمواد الغذائية التي تتسبب في مشاكل صحية ، وأوضحت محدثتنا انه حين يقوم المستهلك بإعلام المنظمة عن حالات غش من خلال بيع المواد المقلدة على انها مواد اصلية تتم متابعتها وإعلام الأجهزة الرقابية بالأمر.

وترى ثريا العلوي ان مكافحة البضائع المقلدة من دور المواطن والمجتمع المدني والدولة التي تتدخل من خلال دعم المواد الاساسية والمواطن يجب أن يقاطع المواد الباهظة ليساهم في تعديل الأسعار وتخفيضها وهكذا يجب على المستهلك ان يقوم بمعادلة بين ميزانيته ومقتنياته حتى يتفادى التداين وارهاق مقدرته الشرائية ، واكدت العلوي ان منظمة الدفاع عن المستهلك تساند جملة التوصيات والمقترحات التي قدمها المعهد الوطني للاستهلاك ومن أهمها احداث وكالة وطنية لمكافحة التقليد واحداث خطة قاضي الاستهلاك لتكثيف الرقابة ولضمان نجاعة المجهود الذي ستقوم به الدولة للتصدي لظاهرة التقليد .

وتبقى ظاهرة التقليد من الآفات الخطيرة التي تمس جودة المتوجات التونسية والأجنبية وتضر باقتصادنا ،ويحتاج التصدي اليها وضع خطط على المدى المتوسط والطويل وتكثيف المراقبة على مدار السنة وعدم الاقتصار على الحملات الموسمية .