الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

هـــل بإمكانــــه حــــلّ أزمــــة البطالة والمساهمة في تنمية الجهات؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

ساهم استمرار الأزمة الاقتصادية التي قلّصت من نسبة الانتدابات في القطاع العام و تسببت في صعوبات مالية للقطاع الخاص في طرح مفهوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كقطاع جديد وبديل من شأنه فتح آفاق تشغيلية جديدة وإحداث ديناميكية اقتصادية خاصة بالجهات التي طالما طالبت بالتنمية و التشغيل. و قد طرحته بعض القوى السياسية و الاجتماعية كواحدة من الآليات التي يجب أن يقع العمل على إرسائها للتقليص من حدة وتداعيات الأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها تونس منذ سنوات.

ورغم وجود بعض التجارب الناجحة التي تندرج في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على غرار جمعية حماية واحات جمنة، إلا أن هذا القطاع ما يزال محدودا وذا نسق بطيء نظرا لعدم وجود إطار تشريعي ملائم من شأنه أن يسهّل بعث مؤسسات تشاركية تعمل في شكل تعاوني لذلك تم إعداد مشروع قانون خاص بالاقتصاد الاجتماعي و التضامني ينتظر المصادقة عليه حتى يشكل الأرضية التي من شأنها المساهمة في تطوير هذا القطاع الجديد المطروح كأحد البدائل التي من شأنها التخفيف من وطأة تأزم الأوضاع الاقتصادية وفتح آفاق تشغيلية خاصة أن تجارب بعض البلدان المتقدمة أثبتت نجاعة هذا القطاع إذ يساهم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في فرنسا على سبيل المثال بنسبة 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

فإلى أي حد يمكن أن يساهم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في فتح آفاق جديدة للاقتصاد الوطني ويحدّ من معضلة البطالة ؟

وهل يمكن أن ينجح هذا القطاع في حل مشكل تأخر التنمية ببعض الجهات؟

يعرف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على أنه مجموع الأنشطة الإنتاجية للسلع والخدمات التي تنتظم في شكل تعاونيات أو جمعيات أو تعاضديات وغيرها وتخضع لتدبير ديمقراطي و تشاركي و يكون الانخراط فيها حرا، و تتميز مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بإعطاء الأولوية للأشخاص عوضا عن رأس المال في عملية أخذ القرار بمنح صوت لكل عضو إلى جانب توزيع المرابيح بصفة متساوية, و تقول منظمة الأمم المتحدة أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي تعتبر شرطا للتنمية.

ووفق العديد من الخبراء يعد الاقتصاد التضامني دعامة ثالثة، إلى جانب كل من القطاعين العمومي والخاص، ينبغي أن يتأسس عليها أي اقتصاد يهدف إلى تحسين أدائه وتعزيز التماسك الاجتماعي وإدماج مختلف الشرائح.

وقد لازم النشاط التعاوني تاريخيا النضال النقابي منذ البداية مع تجربة محمد علي الحامي سنة 1924 حيث تأسست تعاضديات الاستهلاك تزامنا مع تكوين النقابات بل طبعت أفكار الاقتصاد التعاوني برنامج الإتحاد العام التونسي للشغل الاقتصادي والاجتماعي الذي صيغ في الخمسينات من القرن الماضي والذي شكل إحداث نسيج تعاضدي وتعاوني مسنود ببنك الشعب.

غير أن تجربة التعاضد في الستينات رافقها اقتصاد موجه قائم على سياسة تسلطية ضاربة عرض الحائط إحد أهم أركان العمل التعاوني ألا وهو الانخراط الطوعي والاستقلالية التي نسفها احتكار الدولة وتغول الجهاز الإداري البيروقراطي.

بعد خمس سنوات من الاستقلال استبدلت الدولة السياسة الليبرالية باقتصاد الدولة من خلال اعتماد مخطط عشري للتنمية (1962 - 1971) شرعت بمقتضاه في تأميم الأراضي التي كانت بيد المستعمر والتي امتدت على 800 ألف هكتار وتحويلها إلى ضيعات تعاضدية تابعة للدولة.

وقد أدى المسار التعاضدي الإجباري إلى اندماج 90 ٪ من القطاع الفلاحي في النظام التعاوني. وفي سنة 1969 بات القطاع العمومي يغطي كامل النشاط التجاري (الجملة والتفصيل) وقسطا هاما من القطاع الصناعي وكذلك تقريبا كامل قطاع الخدمات. و كانت منظومة التعاضد قد شملت 4.7 مليون هكتار مقسمة بين 1994 وحدة تعاضدية لم يتبق منها في أوائل سنة 1971 بعد انهيار النظام التعاضدي سوى 358 وحدة تغطي 700 ألف هكتار.

وعاد اليوم طرح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بهدف تنمية الاقتصاد الوطني الذي بدأت أزمته منذ الثورة و إيجاد مصادر جديدة للتشغيل والتنمية الجهوية وذلك من خلال إطلاق الإتحاد العام التونسي للشغل مبادرة تشريعية وتأسيسية للقطاع حيث تم الاعتراف به حكوميا من خلال التنصيص عليه كرافد للتنمية ضمن المخطط الخماسي 2016 - 2020 وانجاز وزارة التنمية والتعاون الدولي دراسة إستراتيجية حول الاقتصاد الاجتماعي و التضامني فضلا عن اهتمام المنظمات الدولية المتزايد وحرصها على النهوض به في بلادنا.

وقد أطلقت مؤخرا وزارة التشغيل استشارة وطنية حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

آفاق تشغيلية

أمام الصعوبات التي عرفها القطاع العمومي منذ سنوات و انكماش الاستثمارات في القطاع الخاص تم طرح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كقطاع بديل يمكن أن يقدم حلولا لمشكلة التشغيل بفتح آفاق جديدة للكسب في إطار تشاركي وهو ما من شأنه أن يساعد على تنمية الجهات.

هذا ما أكده السيد كريم الطرابلسي مدير الدراسات بالإتحاد العام التونسي للشغل مبينا أنه في تجارب مقارنة يساهم الاقتصاد الاجتماعي و التضامني مثلا في فرنسا بـ 10في المائة من الناتج المحلي الداخلي وفي الولايات المتحدة الأمريكية يوفر هذا القطاع 9 بالمائة من فرص التشغيل و هو ما يعكس أهميته و مساهمته في المشهد الاقتصادي مضيفا أن هذا القطاع في تونس لا يمكن أن ينجح ما لم يقع إرساء إطار تشريعي من شـأنه أن يضمن آليات تمويل ملائمة للمشاريع التي سيقع إحداثها في إطار تشاركي باعتبار أن الاقتصاد الاجتماعي و التضامني موجه بالأساس للطبقات الفقيرة التي لا يمكنها أن تنتفع بالقروض البنكية التي تستوجب وجود ضمانات و تمويلا ذاتيا و غيرها من الشروط التي لا يمكن لهذه الفئة الاستجابة لها، و بين في السياق ذاته أنه يجب وضع نظام جبائي يراعي خصوصية هذه النوعية من المشاريع ذات الصبغة الاجتماعية ذلك أنها مشاريع ليست لها غايات ربحية باعتبار أن المرابيح يتم اقتسامها بين الأشخاص المشاركين في رأس مال المشروع بصفة متساوية.

مضيفا أن المنظمة الشغيلة التي قامت بإعداد مشروع قانون خاص بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني قد اهتمت في هذا المشروع بالجانب الإحصائي الخاص برصد المؤسسات أو المشاريع التي ستعمل ضمن هذا القطاع و ذلك من خلال بعث هيكل يعنى بالنظر في مدى التزام هذه المؤسسات بالشروط الواجب توفرها وفق المعايير الدولية المعمول بها و من بين هذه الشروط أن يكون تسيير هذه المشاريع بطريقة ديمقراطية و أن يقع تخصيص جزء من المرابيح لاستثماره في تطوير المؤسسة أو إنجاز مؤسسات ذات صبغة اجتماعية تستفيد منها الفئات الاجتماعية المهمشة.

وأشار محدثنا إلى أن تونس لديها بين 50 إلى 60 مؤسسة تعاونية خاضعة لإطار تشريعي قديم توفر حوالي 2000 موطن شغل و هي تنقسم إلى ثلاثة أصناف من المؤسسات يتمثل الصنف الأول في التعاضديات الفلاحية أو الصناعية أو العمالية وهي تتضمن مجموعة من الأشخاص يعملون بشكل تشاركي و تتقاسم كلفة الإنتاج و المرابيح على حد سواء لكن في تونس نجد أن التعاضديات تنشط أساسا في القطاع الفلاحي أما الصنف الثاني فيتمثل في التعاونيات و يتضمن مجموعة من الأشخاص الذين يساهمون في تكوين نظام تأمين يحميهم ضد الأمراض و تقوم بتنظيم أنشطة ترفيهية و اجتماعية علما أنه يوجد في تونس 50 تعاونية تأمين و يهم الصنف الثالث من المؤسسات التي تعمل في إطار الاقتصاد الاجتماعي و التضامني الجمعيات التي عرفت ارتفاعا ملحوظا في عددها خاصة بعد الثورة نتيجة تسهيل إجراءات بعث الجمعيات و التشجيع على العمل الجمعياتي.

وتشير الأرقام إلى وجود 19 ألف جمعية في تونس مبرزا أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يمكن أن يوفر فرص كبيرة وهامة لتطوير الاقتصاد التونسي ذلك هناك عديد المجالات غير المستغلة كما ينبغي والتي يمكن أن تشتغل في إطار هذا أن القطاع وتمكن من توفير مواطن شغل هامة من ذلك قطاع الغابات ذلك أن المنتوج الغابي التونسي يعتبر من أجود المنتوجات على الصعيد العالمي لكن للأسف في تونس يسيطر عليه القطاع الخاص الذي لم يحسن استثماره جيدا.

وأضاف محدثنا أن مشروع القانون الذي تم إعداده قد تضمن ضرورة بعث هيكل يكون له دور الوسيط بين المنتجين العاملين في إطار مؤسسات تشاركية و بين الأسواق التي تستقبل هذا المنتوج ذلك أن عملية الترويج تستوجب إيجاد هيكل يؤمن هذا الدور، و أبرز السيد كريم الطرابلسي أن تطور قطاع الاقتصاد الاجتماعي و التضامني في تونس لا يمكن أن يتحقق ما لم يقع إرساء إطار تشريعي من شأنه أن يوفر الآليات الكفيلة بتطويره مضيفا أن الحكومة التونسية قامت منذ سنتين بوضع إستراتيجية وطنية لتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

قطاع لم يتأسس بعد

إن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو قطاع لم يتأسس بعد باعتبار عمل مكوناته الأساسية المتمثلة في التعاضديات والتعاونيات بشكل مشتت فهي تنظمها قوانين خصوصية دون رابط هيكلي ولا يوجد إلى حد الآن أي نص قانوني في تونس يتضمن عبارة الاقتصاد الاجتماعي و التضامني.

هذا ما أكده السيد لطفي بن عيسى المنسق العلمي لمخبر الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مضيفا أن المعضلة الأساسية التي تعرقل مسار تطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس هو غياب إطار قانوني من شأنه أن يجمع المؤسسات العاملة في هذا القطاع ضمن منظومة واحدة ويؤسس لهذا القطاع، وبين محدثنا أن مشروع هذا القانون الخاص بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني سوف يضبط الأهداف التشغيلية و التنموية بالجهات خاصة فيما يخص تشغيل المرأة والشباب الأمر الذي سيفتح آفاقا تشغيلية لهذه الفئات مضيفا أنه سيتم تحديد الشروط التي يجب أن تتوفر في المنخرطين في العمل بهذا المجال وفق مبادئ معينة يجب احترامها. و على هذا الأساس سوف يقع إحداث هيكل مختص و هو الهيئة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي و التضامني حيث سيقوم بتسليم علامة خاصة للمؤسسات التي تحترم مجمل هذه المبادئ وستكون ممثلة على مستوى جهوي ومحلي ومركزي.

وأكد السيد لطفي بن عيسى أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني سوف يفتح آفاقا تشغيلية هامة خاصة في الجهات وسوف يحد من المركزية السائدة حاليا وبالتالي سوف يكون له دور هام في دفع الاقتصاد الذي يشكو عديد الصعوبات من خلال خلق فرص عمل وفق معايير تتماشى وإمكانيات طالبي الشغل وإيجاد آليات تمويلية تساعدهم على ذلك.

صعوبات

التأسيس للاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس من شأنه أن يخلق بدائل مهمة جدا للقطاعين العام والخاص لكنه لا يحظى بالدعاية الكافية للتعريف به والتشجيع على العمل في إطاره وعندما نذكر تجربة جمنة التي قام مجموعة من متساكنيها باستغلال واحة التمور التي حققت أرباحا مهمة فإن ذلك أكبر دليل على نجاح هذه التجربة.

هذا ما أكده السيد مسعود الرمضاني رئيس منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مبينا أنه لو يقع النسج على منوال ضيعة جمنة التي حققت أرباحا مالية جيدة و قدمت مساعدات للمدارس و كونت جمعيات تنموية هامة سوف يكون هناك تطور ملحوظ في المشهد الاقتصادي التونسي و سوف يفتح مجالات جديدة للعمل بتوفير فرص تشغيل هامة خاصة بالجهات التي تشكو من بطالة الشباب و انسداد الآفاق و جعل هذه الفئة تعيش حالة من الإحباط قذفت بعدد هام منها في قوارب الموت وما خلفتها من مآس اجتماعية.

وبين محدثنا في السياق ذاته أنه ثمة تجارب صغيرة أخرى بجهات مختلفة خاصة بقطاع الصناعات التقليدية لكنها وجدت صعوبات على مستوى ترويج المنتوج لذلك يجب أن يقع إيجاد آليات لمساعدة العاملين ضمن قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على ترويج منتوجهم وتوفير دعاية إعلامية من شأنها أن تشجع على العمل في هذا القطاع الذي يمكن أن يشكل أحد البدائل المهمة لتطوير الاقتصاد مشيرا إلى أنه سيساهم في القطع مع البيروقراطية ومع المركزية المطلقة .

وتجدر الإشارة إلى أننا اتصلنا بوزارة التشغيل للحديث عن الاستشارة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي أطلقتها مؤخرا إلا أننا لم نتحصل على رد.

ولئن يؤكد الخبراء والمختصون على أن الاقتصاد الاجتماعي و التضامني يظل الخيار الأمثل اليوم على ضوء ما يشهده القطاعان العام و الخاص من صعوبات إلا أن غياب إطار تشريعي يؤسس لهذا القطاع و يدعم المنخرطين فيه أخر هذه العملية التأسيسية في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى البحث عن افاق تشغيلية جديدة تعيد الأمل لآلاف العاطلين.