الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



مؤسّسات سبر الآراء

بين التّوظيف السّياسي.. وغياب الإطار القانوني..



إعداد: صبرة الطرابلسي

مع كل حدث سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي تشهده بلادنا تطالعنا مؤسسات سبر الآراء بما استخلصته من أرقام على إثر جسّ نبض الشارع التونسي وموقفه من حدث ما أو مسألة من المسائل المطروحة .

ويزداد الاهتمام بسبر الآراء خاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية حيث تصبح استطلاعات الرأي حول توقعات نتائج الانتخابات بمثابة المحرار الذي يقوم باستشراف توقعات ما سيبوح به صندوق الانتخابات بعد ذلك رغم أن نتائجها لا تتطابق دائما مع النتائج الفعلية للانتخابات وهذا ما شهدناه مؤخرا خلال الانتخابات البلدية حيث لم تكن نتائج سبر الآراء مطابقة للنتائج الأولية التي تم الإعلان عنها.

فقد أصبح سبر الآراء خاصة بعد الثورة من التقاليد الإعلامية السائدة التي كانت محل انتقاد من بعض الأطراف التي ترى في استطلاعات الرأي شكلا من أشكال توجيه الرأي العام والتوظيف السياسي لخدمة أجندات سياسية معينة خاصة أن هذه الاستطلاعات ظلت مركزة تقريبا على شركة واحدة .

وأمام غياب إطار قانوني ينظم قطاع سبر الآراء الذي يعد حاليا 25 شركة مختصة في سبر الآراء لم تحظ هذه الشركات بالمصداقية المطلوبة وظلت محل تشكيك واتهام بعدم الالتزام بالموضوعية وبالتقنيات العلمية في مجال سبر الآراء وتوظيف استطلاعات الرأي التي تقوم بها لخدمة طرف سياسي دون آخر مما حولها إلى إحدى أدوات الصراعات السياسية .

فما هو تأثير هذه المؤسسات على الرأي العام وعلى المشهد السياسي بالبلاد ؟ ولماذا تأخر وضع إطار قانوني منظم لهذا القطاع ؟

أثارت استطلاعات الرأي التي تفصح عن أرقام حول حدث ما بشكل شبه منتظم جدلا لدى بعض الأطراف التي ترى في هذه الأرقام شكلا من أشكال التوظيف السياسي لخدمة طرف سياسي معين وهو ما يتنافى والشروط العلمية التي يجب أن تتوفر عند القيام باستطلاعات الرأي وبالتالي فقد تحولت مؤسسات سبر الآراء بذلك إلى نوع من أنواع الدعاية السياسية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو طرف سياسي معين .

ويوجد في تونس 25 مؤسسة لسبر الآراء تعمل على تقديم أرقام تفسر مدى قبول أو رفض المواطن التونسي لموضوع معين سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو استهلاكيا ونحن على أبواب شهر رمضان حيث يتكثف الحديث على نسب مشاهدة القنوات التلفزيونية ومدى تصدر برنامج دون آخر لأعلى نسب المتابعة إلى غير ذلك من المعطيات التي تعودنا على سماعها في مثل هذه المناسبات وبقطع النظر عن مدى صحة أو مصداقية هذه المعطيات يبقى السؤال مطروحا حول مدى التزام مؤسسات سبر الآراء بالتقنيات العلمية التي من شأنها أن تقدم معلومة ذات مصداقية للرأي العام.

غياب إطار تشريعي

إن بث أرقام حول مسألة ما من خلال استطلاعات الرأي التي تنجزها بعض المؤسسات هي مسؤولية مشتركة بين وسائل الإعلام وبين مؤسسات سبر الآراء ذلك أنه يجب على هذه الأخيرة الالتزام بشروط تقنية معينة لضمان الشفافية والمصداقية المطلوبة في النتائج أو الأرقام المتحصل عليها، هذا ما أوضحه السيد نبيل بلعم رئيس الغرفة الوطنية لمكاتب استطلاعات الرأي مضيفا أن مؤسسة سبر الآراء التي يديرها كانت من بين المشاركين في الصفقة العمومية التي أطلقتها مؤسسة التلفزة التونسية لاختيار مؤسسة تقوم باستطلاع آراء التونسيين حول نتائج الانتخابات البلدية وقد كانت لنا تحفظات على كراس الشروط الذي أعدته التلفزة الوطنية حيث اختلفنا حول نقطة تقنية متعلقة بإجراء سبر آراء حول نتائج الانتخابات البلدية التي جرت مؤخرا فقد اشترطت كراس الشروط أن يكون سبر الآراء على الصعيد الوطني وبالتالي يفترض أن يشمل ممثلين أو عينات على مختلف بلديات الجمهورية لكن عدد البلديات الذي تضمنتها كراس الشروط كانت 350 بلدية وهو رقم بعيد عن عدد البلديات الحقيقي.

وأضاف محدثنا أنه كان لهذه النقطة الخلافية تأثير على نتائج سبر الآراء التي تم الإعلان عنها قبيل الإعلان الرسمي للنتائج الرسمية والتي لم تكن متطابقة معها وبالتالي فقد وقع ما نبهنا إلى إمكانية حدوثه وهذا الأمر يعتبر خطأ فنيا .

وبين محدثنا في السياق ذاته أن قطاع سبر الآراء ليس لديه إلى حد الآن قانون يؤطره وقد قامت الغرفة الوطنية لمكاتب استطلاعات الرأي بإعداد مشروع قانون لوضع إطار تشريعي ينظم المهنة مضيفا أنه تم تأجيل إحالة هذا المشروع إلى رئاسة الحكومة للمصادقة عليه بعد الانتخابات البلدية حيث أردنا أن نواكب هذه التجربة الجديدة وقد قمنا على ضوء ذلك بإضافة بند جديد في مشروع القانون يتعلق بالانتخابات البلدية نظرا لما تتميز به من خصوصية مقارنة ببقية الانتخابات مضيفا أن هذا القانون منبثق من ميثاق شرف الجمعية العالمية لمكاتب استطلاعات الرأي وهو ينص في أحد بنوده على تشكيل لجنة لاستطلاعات الرأي تتكون من ممثلين على الغرفة الوطنية لمكاتب استطلاعات الرأي وأطراف مستقلين وممثلين عن المعهد الوطني للإحصاء والجمعية التونسية للإحصاء.

و أوضح السيد نبيل بن عمو أن من أبرز الخروقات التي ترتكبها بعض مؤسسات استطلاعات الرأي هي المغالطة في الأرقام وهذا الأمر مرتبط خاصة بخبرة وكفاءة المؤسسة التي يجب أن تتحلى بالموضوعية والشفافية اللازمة حتى لا تترك المجال لبعض الأطراف لتوظيفها لخدمة مصالح سياسية أو حزبية معينة.

ظاهرة ضرورية

مؤسســات سبــر الآراء هي ظاهرة ضرورية للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل إنارة الرأي العام وفهم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهذا نجده بكل البلدان الديمقراطية، هذا ما أكده الخبير الاقتصادي صادق جبنون مضيفا أن الإشكال المطروح بالنسبة لقطاع استطلاعات الرأي يتمثل في غياب إطار قانوني ينظم المهنة الأمر الذي فتح المجال لارتكاب بعض مكاتب سبر الآراء لبعض الخروقات مضيفا أنه عندما يتم التعاقد مع إحدى المؤسسات لإنجاز استطلاعات رأي حول الانتخابات يجب أن يقع سبر آراء تنجزه أكثر من مؤسسة لمعرفة الرأي والرأي الآخر وهذا الأمر معمول به في البلدان المتقدمة التي لديها تقاليد ديمقراطية في عديد البلدان الأوروبية حيث يتم إثر انتهاء العملية الانتخابية تقديم نتائج سبر آراء يقوم بها معهد الإحصاء الذي يمثل القطاع العمومي وكذلك نتائج استطلاع الرأي التي أنجزتها شركة خاصة وذلك حتى لا يقع توجيه الرأي العام.

وأشار محدثنا في السياق ذاته أن مؤسسات سبر الآراء في تونس تقوم بمجهود وعمل محترم لكن ما ينقصها هو الإطار القانوني الذي من شأنه أن ينظم هذا القطاع.

مسؤولية مشتركة

تعتبر استطلاعات الرأي من أبعاد الحياة الديمقراطية وهذا موجود بمختلف بلدان العالم المتقدم أما مسألة توظيف الأرقام التي تنجزها مؤسسات سبر الآراء فإن الإعلاميين يتحملون مسؤولية كبيرة في هذا الخصوص.

هذا ما أكده الأستاذ صادق الحمامي المتخصص في الميديا الجديدة مبينا أن الصحافيين أو الإعلاميين يتعاملون مع سبر الآراء بسذاجة فينشرون ما تضمنته من نتائج دون التأكد من المنهجية التي تم اعتمادها ومدى تطابقها مع الضوابط العلمية التي يجب أن تتوفر.

وبين في الإطار ذاته أن نشر نتائج سبر الآراء بالمجتمعات الديمقراطية يتم وفق قانون ينظم هذا القطاع في حين في تونس لا يخضع نشر سبر الآراء إلى قانون نظرا لغياب إطار تشريعي في الغرض يقوم بتنظيم نشر نتائج استطلاعات الرأي ,مضيفا أن إنجاز استطلاعات الرأي يجب أن يحترم جملة من الضوابط ففي فرنسا مثلا هناك لجنة خاصة تشرف على إنجاز سبر الآراء حيث تقوم بالإطلاع على المنهجية التي يتم اعتمادها والأسئلة التي يتم طرحها والتعرف على الجهة الممولة.

وأوضح السيد صادق الحمامي أن الإعلام التونسي يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية على مستوى ما يقوم بنشره من نتائج سبر الآراء وهو في الواقع يتعامل بسذاجة مع هذا القطاع وهو ما أدى إلى انحدار سبر الآراء عن دوره الطبيعي ليكون محل توظيف سياسي.

وأضاف في السياق ذاته أن استطلاعات الرأي يجب أن تنأى عن الصراعات السياسية ويجب أن تتوفر المعلومات أو الأرقام التي يتم تقديمها على الشفافية اللازمة إلى جانب ضرورة تنظيم نشر نتائج سبر الآراء وفق إطار تشريعي على غرار ما هو معمول به في البلدان المتقدمة إضافة إلى ضرورة تعامل الإعلام بحرفية مع ما تقدمه مؤسسات سبر الآراء ونظرا لعدم توفر مجمل هذه الشروط فقد حاد قطاع سبر الآراء في تونس عن دوره الأساسي المتمثل في إنارة الرأي العام ليتحول في كثير من الأحيان للأسف إلى أداة للتوظيف السياسي.

شروط فنية

يحتاج الإعلاميون إلى الاستفادة من دورات تكوينية في مجال سبر الآراء حتى يكون التعامل مع ما تقوم به مؤسسات سبر الآراء من استطلاعات رأي بأكثر حرفية وعن دراية لخصوصية هذا القطاع وبالتالي يتحقق الهدف الأساسي المتمثل في إنارة الرأي العام حول مجمل القضايا المطروحة على الساحة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

هذا ما أوضحه السيد هشام قرفالي وهو إطار بأحد مؤسسات سبر الآراء مضيفا أن أغلب مؤسسات سبر الآراء العاملة في تونس لا تعتمد الطرق التقنية والعلمية التي يستوجبها استطلاع الرأي مشيرا إلى أن هذا القطاع قد اقتحمه عديد الدخلاء الذين لا يفقهون أبجديات التعامل معه وهذا ما أثر على ما يتم تقديمه من معلومات وأرقام وقد ساهم غياب إطار قانوني ينظم القطاع في تعميق مظاهر «الفوضى» التي تشهدها بعض مؤسسات سبر الآراء والذين وصفهم بالمتطفلين على المهنة.

وأشار محدثنا إلى أن أغلب مؤسســـات سبر الآراء الموجودة حاليا لا تعتمد في إجراء استطلاعات الرأي على الشروط التقنية التي يجب أن تتوفر مضيفا أن مهنيي القطاع طالبوا بإصدار إطار قانوني من شأنه أن ينظم القطاع منذ سنة 2011 لكن إلى حد الآن لم يتحقق هذا الطلب وهذا ليس ناتجا عن غياب الإرادة السياسية بقدر ما هو نتاج عدم رغبة الأحزاب السياسية في التسريع في دفع هذا الطلب نحو التجسيد.

وبين في السياق ذاته أن التسمية الصحيحة لمؤسسات سبر الآراء هي معاهد سبر الآراء والتي يتمثل دورها إما في إنجاز دراسات كمية تعمل على القيام بقياس رقمي لمعطيات غير ملموسة أو في القيام بدراسات كيفية تهتم بآراء الجمهور حول قضية ما.

وفيما يخص تمويل مؤسسات أو معاهد سبر الآراء فقد أفادنا السيد هشام قرفالي أنه لا جدوى من معرفة هذه المعلومة ذلك أن هذه المؤسسات تقدّم خدمات تحصل إزاءها على مقابل.

مبادرتان تشريعيّتان

هناك مبادرتان تشريعيتان تم اقتراحهما لتنظيم قطاع سبر الآراء في تونس فقد تقدم كل من نواب الكتلة الديمقراطية وحركة الشعب والجبهة الشعبية بتاريخ 3 ماي 2016 بمشروع قانون متعلّق بسبر الآراء فيما تمثل المقترح الثاني في مشروع قانون أساسي بتاريخ 15 فيفري 2017 وتخلف هذان المبادرتان التشريعيتان من حيث شكل القانون لكنهما تتفقان في أغلب النقاط المتعلقة بمحتوى القانون والتي تهم تحديد قواعد سلوكية ومبادئ عامة تنظم القطاع في شكل كراس شروط يعدها الهيكل المحدث بموجب مشروع قانون سبر الآراء والمتمثلة في الهيئة الوطنية المستقلة لسبر الآراء والتي تعنى بتنظيم ومراقبة القطاع والسهر على تأمين مصداقية استطلاعات الرأي وتسليط العقوبات المترتبة عن الإخلالات المرتكبة وتتمثل العقوبات المسلطة على المخالفين في عقوبات مالية وبدنية أي خطايا مالية والسجن عند تغيير نتائج سبر الآراء أو المغالطة أو التوجيه إضافة إلى الإعلان عن العمليات الباطلة.

لئن تساهم مؤسسات سبر الآراء وما تقدمه من إحصاءات في إنارة الرأي العام حول قضايا مختلفة تهم الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا أن غياب إطار قانوني ينظم هذا القطاع فتح المجال أمام عديد التجاوزات التي جعلت من استطلاعات الرأي محل توظيف سياسي لتحيد بذلك عن دورها الأصلي فمتى يتم إصدار هذا القانون لوضع حد لهذه التجاوزات؟