الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



المستهلك خلال شهر رمضان

بين سندان الغلاء ومطــرقة الـــغش !!!!



إعداد: لطيفة بن عمارة

أكثر من 19 ألف زيارة تفقدية صحية خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان سجلت خلالها أكثر من 2000 مخالفة صحية. وتم تسجيل ارتفاع في عدد المخالفات الصحية بـ ٪25 خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان مقارنة بنفس الفترة من رمضان 2017 .هذا وإن دل فهو يدل على ارتفاع حالات الغش في المواد الاستهلاكية عموما وفي المواد الغذائية بشكل خاص. حيث تفشت ظاهرة الغش التجاري في الأسواق التونسية من بعض ضعاف النفوس ‏ وذلك عقب الارتفاع الكبير في الأسعار ولكثير من السلع وخاصة التي لا يستغني عنها المواطن يوميا كمنتجات الألبان‏,‏ واللحوم المحلية‏,‏ والتوابل‏,‏ ولم يقتصر الغش على السلع الغذائية فقط‏..‏ فقد امتد للأجهزة الكهربائية والمستحضرات الطبية‏,‏ وغيرها مما جعل المواطن يكتوي بنار الأسعار وتوابع شرائه سلعا مغشوشة تترتب عليها إصابته وأسرته بأضرار مالية وصحية في ظل غياب الرقابة على الأسواق التي جعلت من المواطن ضحية جشع واستغلال التجار.

يعد الغش التجاري في المواد الغذائية من أخطر أنواع الغش، بالنظر لكونه قد يتسبب في حدوث وفيات أو تسمم يجعل الضحية يعيش بقية سنوات عمره يعاني من تبعاته المدمرة. فقد يكون الغش متعمدا إما بإضافة مواد غير مسموح بها للمنتج أو نقص أحد المتطلبات الغذائية الأساسية فيه، أو قد يكون نتيجة تقصير وخطأ بشري ظاهرة الغش قد تكون خلال مراحل إنتاج أو تصنيع أو تخزين المنتج الغذائي. والغش في المواد الغذائية لا يرتبط فقط بالغش التجاري، بل أيضا بطريقة الحفظ ونقل المنتجات تحت ضوابط ونظم صحية من حيث درجات الحرارة ووجود تاريخ صلاحية على أي منتج مرتبط بطريقة الحفظ والنقل والبيئة الموجود فيها.

كما أن تضرر المستهلك من الغش التجاري لا يقتصر على الضرر المادي من حيث أنه قد يضطر لدفع مبلغ أكبر لمنتج لا يستحقه، ولكنه يكون، أيضا، ماديا وصحيا عندما تتسبب المواد الغذائية المغشوشة في أضرار صحية فورية أو على المدى البعيد.و لئن تسجل حالات الغش و التجاوزات على كامل السنة إلا أنها ترتفع بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان وفي جل المناسبات الاستهلاكية. فما هي تداعيات ظاهرة الغش الصحية والمادية على المستهلك ؟

تنتشر حالات الغش والتحيل على المستهلك في شهر رمضان، أين يستغل التجار لهفة التونسي وإقباله الكبير على الاستهلاك. حيث تفيد آخر الإحصائيات وفق المعهد الوطني للاستهلاك أن المنتجات الاستهلاكية الغذائية تشهد خلال شهر رمضان ارتفاعا ملحوظا يقدر بـ 29،4 بالمائة. وحسب نفس المصدر فإن قائمة المنتجات الغذائية التي شهدت زيادة في الاستهلاك تمثلت بالخصوص في الخبز بنسبة 58 بالمائة والبيض بـ 58 بالمائة ومصبرات التن بـ 111بالمائة والمشروبات الغازية 115 بالمائة والجبن المبشور 100 بالمائة واللبن 680 بالمائة. هذا الارتفاع في نسبة الاستهلاك يقابله تلاعب بالبضاعة المعروضة وغش بشتى أنواعه، فقد يكون الغش متعمدا إما بإضافة مواد غير مسموح بها للمنتج أو نقص أحد المتطلبات الغذائية الأساسية فيه، أو قد يكون نتيجة تقصير وخطإ بشري خلال مراحل إنتاج أو تصنيع أو تخزين المنتج الغذائي.أو أنه يكون متمثلا في إضافة بعض المواد والمضافات الكيميائية للمنتجات الغذائية من مواد حافظة، مواد ملونة، مواد منكهة، محليات صناعية بكميات غير مسموح بها. ويكمن الهدف وراء إضافة هذه المواد الكيميائية التي ليس لها قيمة غذائية إلى الأطعمة المصنعة، في تحويل المنتجات المتدنية والرخيصة، كالدهون المشبعة، السكريات، النشويات المعدلة، وغيرها، إلى ما يبدو ظاهريا بأنها منتجات طازجة وأغلى ثمنا وأفضل نوعية، وبالتالي تضاف المواد الكيميائية المكسبة للطعم والرائحة إلى المنتجات الغذائية المصنعة، لإخفاء النكهة والرائحة الأصلية لهذه المنتجات المتدنية أصلا لمنع تلف المنتج الغذائي ، ومن ثم تمديد فترة صلاحيته، حيث بإمكان المرء ملاحظة أن المنتج يدوم فترة طويلة جدا إذا تمت مقارنته بالمنتج الطبيعي الذي يتلف خلال بضعة أيام. أما المواد الملونة والأصباغ الكيميائية فتضاف لتحسين المظهر الخارجي للمنتجات، فضلا عن إضافة المواد الكيميائية المتنوعة بهدف زيادة سرعة وفعالية عملية التصنيع، حيث غالبا ما تكون هذه المنتجات مشهية بمظهرها ولكنها تفتقر إلى المغذيات الحقيقية. ومن أشكال الغش التجاري للأغذية تغيير تواريخ الإنتاج والصلاحية ، بحيث تطول فترة بقاء المنتج في المحلات التجارية.

فهناك المواد الغذائية، وهناك المواد المستعملة غير الغذائية، فالمضافات المسرطنة التي تنتج عنها حساسية ليست عليها مراقبة، رغم أن الوزارة المكلفة بالقطاع حددت في المرسوم الوزاري للعنونة لوائح المضافات الغذائية والمواد المسموح بها، إلا أنه مع الأسف يأتي المشكل حينما نجد أن 60 في المائة من القطاع التجاري غير مهيكل، بالإضافة إلى آفة التهريب.

ارتفاع المخالفات بنسبة 25 بالمائة !!!

يتضاعف الاستهلاك إلى ثلاث مرات الاستهلاك العادي خلال شهر رمضان، وتتضاعف معه عمليات المراقبة المشتركة بين وزارة الصحة ووزارة التجارة والشرطة البلدية، وفي هذا السياق أفادنا محمد الرابحي مدير إدارة حفظ صحة الوسط و حماية المحيط بوزارة الصحة أنه تم نهاية هذا الأسبوع حصر حصيلة الأسبوع الأول من المخالفات والتجاوزات في المواد الاستهلاكية والغذائية خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان بعد قيام الأجهزة و الفرق الرقابية بما يفوق 19 ألف عملية تفقد سجلت خلالها أكثر من 2000 مخالفة صحية و تم غلق 60 محلا وتحرير 140 محضر عدلي ضد المخالفين.وأضاف الرابحي أنه تم حجز كميات كبيرة خلال أسبوع واحد وهي 9طن و300كغ من المواد الغذائية الفاسدة التي تم إتلافها و كذلك أكثر من 800 لتر من الحليب و المشروبات الغازية التي تم كذلك حجزها وإتلافها وأكثر من 3300 علبة ياغورت تم حجزها لا تستجيب لشروط السلامة.وقال مدير إدارة حفظ صحة الوسط والمحيط في الإطار نفسه أن أبرز المخالفات كانت عدم احترام شروط الحفظ والتبريد وحفظ الصحة والنظافة ،واعتبر أنه رغم أن نسبة المخالفات خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان قد ارتفعت بنسبة 25 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من رمضان 2017 إلا أنه لم يتم تسجيل تسممات جماعية خلال هذه الفترة مشيرا إلى أن هذه الحالات من الممكن أن تحصل في الأسابيع القادمة بسبب ارتفاع درجة الحرارة خاصة وأن الأسبوع الأول كان الطقس معتدل حسب قوله. وحذر الرابحي من المنتوجات المعروضة على الأرصفة ودون توفر أدنى شروط حفظ الصحة آملا في دور البلديات المنتخبة أن تنجح في التصدي إلى ظاهرة الانتصاب الفوضوي وما تحمله من مخاطر على صحة الإنسان.

ما خفي كان أعظم !!!

«اللي يسرق يغلب اللي يحاحي» هذا المثل الشعبي الذي ينطبق على واقع الغش في تونس ..فرغم المجهودات الكبيرة التي تقوم بها فرق المراقبة للتصدي إلى ظاهرة الغش والمخالفات الصحية التي تهدد صحة المواطن والعدد المهول للمخالفات فإن ما خفي كان أعظم.فخلال الأربعة أشهر الأولى من سنة 2018 تم تسجيل قرابة 12 ألف مخالفة وما يقارب 7900 محضر و 15344 عملية حجز على مستوى تونس الكبرى أي ولايات تونس وبن عروس ومنوبة و أريانة فما بالك بالأرقام على مستوى الجمهورية ..هذا ما أفادنا به محمد الولهازي كاتب عام النقابة الأساسية للشرطة البلدية مؤكدا أن عدد المخالفات يرتفع بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان حيث تم تنفيذ أكثر من 350 عملية حجز خلال الـ3 أيام الأخيرة من الشهر الجاري.

وأوضح الولهازي، أنه تم خلال حملات مراقبة مشتركة بين فرق الشرطة البلدية وفرق الإدارة الجهوية للصحة بالتعاون مع فرق تابعة للفلاحة والتجارة، حجز كميات كبيرة من الخضر والغلال غير صالحة للاستهلاك بعدد من الجهات على غرار ولايات تونس وبنزرت بالإضافة إلى حجز 1350 بيضة فاسدة وأكثر من 20 كلغ من اللحوم الحمراء غير صالحة للاستهلاك داخل محلّ تعمّد صاحبه بيعها إلى المواطنين دون احترام شروط السلامة الصحية للمستهلك.كما تم حجز 150 قطعة بريك فاسدة و200 كلغ من الأجبان غير صالحة للاستهلاك بالإضافة إلى حجز 30 كلغ من العسل المغشوش معروضة للبيع على قارعة الطريق.وتم حجز أكثر من 440 كغ من الدجاج الفاسد و280 علبة ياغورت منتهية الصلوحية و 400 كغ من مادة الدرع مجهولة المصدر ..و100 لعبة موجهة للأطفال تحتوي على إشعاعات ليزر مجهولة المصدر. وحجز أكثر من 225 آلة وزن لا تستجيب للتراتيب القانونية وأضاف أنه تم خلال هذه الحملات رصد العديد من المخالفات والمحاضر الاقتصادية على غرار 49 محضرا اقتصاديا يهم الإشهار والتلاعب بالأسعار و33 محضرا عدليا. ولفت كاتب عام نقابة موظفي الشرطة البلدية، إلى أنه تم التنسيق مع وزارة الصحة في كافة أقاليم تونس الكبرى لتنظيم حملات مراقبة ليلية بكافة المحلات التجارية والمقاهي وكل الفضاءات التي يقصدها المواطن.وصف محدثنا نتائج الأسبوع الأول من المخالفات خلال أسبوع من شهر رمضان بالأرقام المفزعة معتبرا أن ما خفي كان أعظم خاصة و أن أعوان المراقبة عددهم ضئيل مقارنة بحجم المخالفات وحجم التجاوزات والغش.

غياب الردع !!!

استفحال ظاهرة الغش خلال شهر رمضان هو نتيجة ضعف الرقابة وغياب الردع هذا ما صرح به لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك) (منظمة غير حكومية) معتبرا أن التاجر أصبح يتعمد عمليات الغش بحثا عن الربح الأوفر و الأسرع لأن حجم الخطية ضئيل مقارنة بحجم المخالف.وقال الرياحي أنه من الضروري مراجعة القوانين والتشريعات التي تضمن الحدّ من عمليات الغش وتحمي المستهلك ،وأكد محدثنا في السياق ذاته أن المستهلك اليوم يعيش في دوامة بين انهيار قدرته الشرائية و غلاء الأسعار إضافة إلى الغش في كل المنتوجات الاستهلاكية التي تعرض له.واعتبر أن المضاربة هي السبب الرئيسي في غلاء الأسعار وانتشار الغش لافتا مثلا إلى ندرة بعض المواد المدعمة على غرار الزيت المدعم الذي يفوق إنتاجه 175 ألف طن بينما لا يستفيد المستهلك إلا 20 بالمائة من هذه الكمية ،في حين تذهب أكثر من 150 ألف طن للمضاربة وللمطاعم والنزل أي ما يعادل 600 مليار من الأموال المهدورة تثقل كاهل المستهلك في حين أنه لا يستفيد بها .ودعا الرياحي إلى تركيز وحدات بيع قارة لزيت المدعم للحد من المضاربة و توفير الزيت المدعم للزوالي على حد تعبيره. كذلك أشار إلى مادة الحليب المدعم الذي تستفيد منه المقاهي بنفس السعر الذي يشتري به المواطن البسيط وتحقق أرباحا خيالية، واعتبر رئيس الجمعية التونسية لإرشاد المستهلك أن الحلقة الأضعف هنا هي المستهلك الذي أصبحت صعوبة العيش وأمرا واقعا لا يستطيع إليه سبيلا. وطالب الرياحي وزارة التجارة بالحدّ من المضاربة في مادتي الزيت والسكر وتركيز نقطة بيع قانونية والابتعاد عن تحرير الأسعار والمضاربة ، مشيرا إلى أن هذه المقترحات لازالت في انتظار موافقة وزارة التجارة .

المقاطعة !!!

يعيش التونسي هذه الآونة موسم الاستهلاك بامتياز ،حيث يتضاعف استهلاك التونسي خلال شهر رمضان ثم يليه عيد الفطر فالعطلة الصيفية ثم العودة المدرسية و عيد الأضحى.

وبارتفاع الاستهلاك يرتفع منسوب الغش وتتعدد التجاوزات والاخلالات في كل ما يعرض للمستهلك. وفي هذا الجانب اعتبر سليم سعد الله رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك أن تفشي ظاهرة الغش مرتبطة أساسا بالتسيّب و عدم تطبيق القانون على المخالفين بصرامة. وأضاف أن اليوم تعرض لحوم غير مصنفة بأسعار مرتفعة بمسالك عشوائية وعديد المنتجات الاستهلاكية وخاصة الغذائية التي تغرق الأسواق والتي يتوجه إليها المواطن لأن أسعارها أقل من المنتجات المعروضة بالمحلات خاصة بعد انهيار المقدرة الشرائية للمواطن التونسي.وقال سعد الله على أن المسؤولية اليوم يتقاسمها المواطن مع الدولة ،المواطن من خلال وعيه بضرورة اقتناء المواد المضمونة و من خلال ثقافة المقاطعة التي يجب أن ترسّخ عند كل التونسيين للحدّ من المضاربة والغش من خلال فرض عقوبات صارمة و زجرية تحدّ من تفشي الغش و المخالفات و التجاوزات التي تهدد المواطن داعيا إلى تضافر الجهود لمواجهة هذه الآفات الاجتماعية التي انتشرت بشكل ملفت خاصة بعد الثورة.

الخاسر في هذه الحرب على الغش في المواد الاستهلاكية، – التي لا تزال السلطات المعنية عاجزة عن كسبها-، يظل الاقتصاد الوطني وكذلك المواطن الذي يدفع ثمنا باهظا هو صحته وهو ما يتضح بشكل كبير من خلال حالات التسمم والأمراض الجلدية و الحساسية المفرطة في الجسم لدى العديد من الأشخاص و خاصة منهم الأطفال. المسؤولية اليوم تقع على عاتق المنظومة القانونية التي تتحمل الفراغ الحاصل في التشريعات القانونية المتعلقة بهذا الباب. واعتبر محدثنا أنه فيما يتعلق بجانب حماية المستهلك من الناحية القانونية فإنه على الدولة تحمل مسؤوليتها، وأي تقصير في هذا الجانب يعود لها بالأساس، إذ تبقى هي الجهة التي يجب عليها أن تسن القوانين والتشريعات وتعد كذلك الوسائل اللازمة لحماية المستهلك، الذي يعد الحلقة الأضعف في سلسلة الغش، لكونه أولا يثق في قيام الدولة بمهامها في هذا الجانب، ويعتبر أن تلك المواد الغذائية التي يقتنيها قد خضعت لمراقبتها وتفحصها.فنسق السرعة الذي يعيشه المواطن قد يجعله يتغافل عن ضرورة التثبت من جودة المنتوجات التي يقتنيها، رغم أنها قد تكون مغشوشة أو منتهية الصلاحية، وتتسبب في كارثة صحية له ولعائلته. ورغم أن عملية المراقبة هي أساسا من مشمولات الدولة إلا أن المجتمع التونسي بات في حاجة ماسة اليوم إلى مساهمة مؤسسات غير حكومية تسهر على حماية مواده الاستهلاكية وضمان عدم تعرضها للغش، وللمخاطر الصحية.