الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التونسي والتبذير

لماذا يفوق الإنفاق المداخيل خلال شهر رمضان؟



إعداد: عواطف السويدي

يشكو التونسيون من غلاء كبير للأسعار جعل ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية تشكل عبءا ثقيلا عليهم وساهم في تدهور مقدرتهم الشرائية،ورغم ذلك تبرز الأرقام الرسمية تناقضات عديدة في هذا الشأن، حيث تؤكد أن استهلاك التونسيين في شهر رمضان يتضاعف مقارنة بفترات أخرى من السنة ، ويرجع المتابعون والخبراء الإنفاق المبالغ فيه في رمضان إلى ثقافة الاستهلاك الراسخة لدى التونسيين .

وتفيد أرقام وزارة التجارة أن المواطن التونسي مبذر لأنه يستهلك بين 30 و40 بالمائة فقط مما يقتنيه من منتوجات، وأظهرت المعطيات الأخيرة للمعهد التونسي للإحصاء أن المستوى الحالي لغلاء المعيشة في تونس يعد الأعلى منذ 27 سنة بعد أن تجاوزت نسبة التضخم 7.5 بالمائة في شهر افريل المنقضي .

لكن يبقى الملفت للانتباه اقتران شهر رمضان بالاستهلاك المفرط لدى التونسي ولوكان بتكلفة باهظة ، وقد كشفت معطيات رسمية للمعهد الوطني للاستهلاك أن استهلاك المواطنين خلال شهر رمضان يرتفع رغم التّذمر من غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية ، وأعلن المعهد التونسي للاستهلاك أن نسق استهلاك التونسي في ارتفاع متواصل تقدر نسبته السنوية بما بين 8 و9 بالمائة ، وعرفت بعض المواد ارتفاعا مشطا خلال رمضان ومن بينها التن والتمر والخبز ، وتتراوح نسبة ارتفاع الإنفاق على المواد الغذائية مقارنة مع بقية أشهر السنة ما بين 50 و100 بالمائة وفق تقديرات الخبراء ومنظمة الدفاع عن المستهلك .

ويقر بعض المراقبين بأن التبذير أصبح ظاهرة في مجتمعنا وتكون أعلى معدلاته خلال شهر رمضان الكريم الذي يتسم باقتناء منتوجات عدة سواء للمأكولات وخاصة منها مادة الخبز أواللباس أوالحلويات .

فما هي أسباب انتشار هذه الظاهرة وما هي طرق معالجتها وهل يمكن أن يتحول التونسي من مستهلك مبذّر إلى مستهلك رشيد؟

 

مما لا شك فيه ان أنماط استهلاك التونسي قد تغيرت كثيرا في السنوات الأخيرة وازدادت حاجياته ولم تعد تقتصر على المواد الأساسية ، لكن إذا نظرنا إلى استهلاك التونسي للمواد الغذائية في شهر رمضان نلاحظ لهفة غير مبررة إذ أكد مدير المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان قائمة المنتوجات الغذائية التي شهدت زيادة في الاستهلاك تتمثل بالخصوص في الخبز بنسبة 58 بالمائة والبيض بـ58 بالمائة ومصبرات التن بـ111بالمائة والمشروبات الغازية 115 بالمائة والجبن المبشور 100 بالمائة واللبن 680 بالمائة .

مستوى الإنفاق يتجاوز المقدرة الشرائية المتدهورة

وترغب العائلات التونسية في استغلال شهر رمضان للاستمتاع بالأجواء الروحية والاجتماعية والتخلص من الضغوط بالبحث عن الراحة النفسية وتجد في الاستهلاك والاستمتاع بالطعام المنفذ الأول لذلك ، وتشير معطيات لمنظمة الدفاع عن المستهلك إلى أن 80 بالمائة من التونسيين تنتهي رواتبهم خلال النصف الأول من كل شهر، ويشمل ذلك الطبقة المتوسطة التي تعتبر ميسورة نسبيا ، وتعتبر المنظمة إن المقدرة الشرائية المتدهورة عادة ما تشهد المزيد من التراجع خلال شهر رمضان نتيجة تهافت المواطن على المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية الأخرى مثل الحلويات والمشروبات .

وقال طارق بن جازية إن ظاهرة التبذير الغذائي تزداد بانطلاق شهر رمضان مؤكدا أن الزيادة في الاستهلاك خلال هذا الشهر تقدر بـ29.4 بالمائة مقارنة بالأشهر العادية إذ انه لا يمكن اعتماد التحليل الاقتصادي فقط في تفسير ظاهرة التبذير خلال شهر رمضان وإنما هناك عدة عوامل أخرى تفسر اللهفة والتبذير منها العامل النفسي والعامل الاجتماعي. فإذا تناولنا الجانب النفسي نجد ان المستهلك التونسي عندما يكون جائعا تزيد حاجياته وشراءاته اعتمادا على حاسة الشم ولذلك يدعوالتونسي إلى الاستهلاك أثناء الإفطار أفضل حسب تقديره ، وأضاف محدثنا انه خلال شهر رمضان تعودنا على أطباق معينة يجب ان تكون حاضرة على مائدة رمضان وتكون مكلفة وهذا تماشيا مع تقاليدنا. أما العامل الاجتماعي فيتمثل في ان التونسي يريد ان يرى طاولة مليئة كطريقة للظهور الاجتماعي والتموقع الاجتماعي ، وابرز طارق بن جازية بان هناك الاستهلاك التصعيدي والذي يعتمد فيه المستهلك التونسي على كثرة الاستهلاك ليشعر بالارتياح لأنه حسب علم النفس عملية الشراء نفسها هي وسيلة للترفيه .

ولفت طارق بن جازية إلى تأثير الإشهار على الاستهلاك لدى التونسي حيث تزداد العروض الاشهارية بنسبة 40 بالمائة خلال شهر رمضان ،فضلا عن تأثير برامج الطبخ التي تنتجها كل القنوات التلفزية .

الخبز في سلة المهملات

ينتفع المستهلك التونسي بمعدل 33 دينارا من الدعم للخبز و84 دينارا سنويا بعنوان دعم المواد الغذائية (سكر وزيت نباتي)، وتبعا لتفاقم ظاهرة تبذير الخبز في تونس برزت في السنوات الأخيرة حملات للحث على الاستهلاك الرشيد لمادة الخبز.

وبعد ان قام المعهد الوطني للاستهلاك بدراسات الفترة الماضية ذكر طارق بن جازية ان الدراسة أظهرت بان ثلث ما يعده التونسيون يوميا خلال شهر رمضان يقومون بإتلافه وخاصة الأكلات المطبوخة والخبز الذي يشهد استهلاكه في شهر رمضان ارتفاعا بحوالي 52 بالمائة مقارنة بالأشهر العادية ، أوضح بن جازية أن 113 ألف طن من الخبز يتم اتلافها سنويا وهورقم كبير جدا خاصة وأن هذه المادة مدعمة بـ450 مليون دينار سنويا.

وأفاد في هذا السياق مدير عام المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية أن قيمة الخبز البايت التي يتم إتلافها تبلغ 300 ألف دينار يوميا وفي شهر رمضان يرتفع استهلاك الخبز بـ135% مقارنة ببقية أشهر السنة ،وشدد بن جازية على ضرورة تحسين جودة الخبز حتّى يُحافظ على نفس المذاق ليتمكن المواطن من إعادة استهلاكه .

حملات لتغيير السلوك

وأشار إلى أن المعهد وأمام هذه الأرقام والمؤشرات المقلقلة وضع خطة للحد من التبذير الغذائي من خلال ومضات تحسيسية وإرساليات قصيرة إضافة إلى توفير وصفات تصنع من الخبز» البايت» على صفحته الرسمية على الفايسبوك داعيا المستهلكين إلى الاطلاع على تلك الوصفات واعتمادها من أجل ترشيد الاستهلاك وللحد من تبذير الخبز والأكلات بصفة عامة ، كما اتفق المعهد الوطني للاستهلاك مع وزارة الشؤون الدينية على ان تخصص أجزاء من خطب الجمعة للحديث عن التبذير في شهر رمضان بالمعطيات والأرقام .

وشدد محدثنا على انه يجب ان ننتظر سنوات من اجل تغيير نمط استهلاك التونسي إذ ان المعهد الوطني للاستهلاك يقوم بهذه الحملات منذ ثلاث سنوات للحد من التبذير الغذائي بالاشتراك مع مكونات المجتمع المدني مثل منظمة الدفاع عن المستهلك ومع هياكل دولية كمنظمة الأغذية والزراعة واشتغل المعهد أيضا مع ديوان الخدمات الجامعية للحد من التبذير في الخبز في المطاعم الجامعية .

وأكد من جهته رئيس المعهد الوطني للإحصاء الهادي السعيدي بان التبذير أصبح ظاهرة منتشرة في شهر رمضان ورغم تدهور القدرة الشرائية تجد الصفوف في كل نقطة بيع أومخبزة ، ولذلك تحتاج هذه الظاهرة إلى المعالجة بالثقافة وبنشر مبدأ عقلنة الاستهلاك بالنسبة للمواطن التونسي .وشدد السعيدي في تصريح لـ»الصحافة اليوم» على ان المجتمع التونسي أصبح مجتمعا استهلاكيا بامتياز اذ أصبحت أرقام التداين مهولة ولذلك يجب ترشيد كيفية ومقاييس منح قروض الاستهلاك وتوجيهها للفئة المستحقة لأنها ساهمت في تنامي المجتمع الاستهلاكي في بلادنا .

ودعا «الهادي السعيدي» إلى ان يقتني المواطن التونسي المنتوجات حسب احتياجاته وذلك حسب العرض مشيرا إلى ان اللهفة هي المتسبب الرئيسي في التبذير خلال شهر رمضان وهذا ما يؤثر على العرض ومن ثمة الأسعار وبالتالي يؤدي ذلك إلى التضخم وهنا يبرز دور المجتمع المدني الذي عليه توعية المستهلكين من اجل النهوض باقتصادنا الوطني .

سلوك غير واع

وإذا تناولنا الموضوع من الزاوية العلمية نجد ان المختص في علم الاجتماع «غصن المرسني» يرى بان سلوك التونسي خلال شهر رمضان هوسلوك غير واعي بالإضافة إلى تسويق المنتوجات المتعددة عن طريق الإشهار وتأثيرات العولمة الثقافية بالإضافة إلى ان ظاهرة العادات والتقاليد الغذائية للتونسي تغيّرت في السنوات الأخيرة لذلك تعد المسألة مسألة قيم وثقافة وعقلية ووعي ولهذا نفسر ظاهرة التبذير من عديد الزوايا والمستويات .

وبيّن أستاذ علم الاجتماع ان أولى هذه العوامل هي الجانب النفسي حيث يصبح التونسي في شهر رمضان مستهلكا غير عادي ويقتني كميات من المنتوجات أكثر من حاجياته ويبالغ في الاستهلاك في كل المناسبات لدرجة انه يتداين من البنوك من اجل شراء خروف العيد أوما شابه ذلك لكن في المناطق الداخلية تتغير المعادلة اذ يصبح الاستهلاك بقدر إمكانيات المستهلك ومدخوله وكذلك يختلف الموضوع بين منطقة حضرية ومنطقة ريفية أوبين حي شعبي وحي راق ومن زاوية علم النفس الاجتماعي فان هناك تأثيرا خارجيا على السلوك الاستهلاكي بالنسبة للتونسي .

ويرى الأستاذ «غصن المرسني» بأن طرق الحد من التبذير هي التحسيس والتوعية لذلك يجب تنظيم حملات تحسيسية على الصعيد الوطني والمناطق الداخلية ويتم تقديم مداخلات للأطباء النفسيين والمختصين في التغذية .

التسوّق وقت الإفطار

وأوضح رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك «سليم سعد الله» أنه في رمضان يرتفع الاستهلاك بصفة خاصة للمواد المدعمة، خاصة لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة التي نراها تقف في طابور طويل تنتظر الخبز أوالزيت ، وبيّن في حديث لـ«الصحافة اليوم» أن «ثقافة التبذير انتشرت في المجتمع إذ بات التونسي ينفق في هذا الشهر بشكل مبالغ فيه يتجاوز الحاجة ، ودعا سعد الله إلى ضرورة توعية المواطن حتى يجيد التحكم في الاستهلاك .لأن اللهفة والتبذير يتسببان في انتشار المضاربة والاحتكار وتسجيل نقص في بعض المنتوجات وارتفاع أسعارها»، مشيرا إلى أنّ المتضرّر الرئيسي هوالمستهلك من فئة ضعاف الحال .

وأفاد رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك بأن منظمة الدفاع عن المستهلك تعمل على نشر ثقافة الترشيد في الاستهلاك وتوعية المستهلك التي تعتمدها عدة دول أوروبية متميزة بارتفاع مؤشر المقدرة الشرائية مقارنة بتونس . وأشار سعد الله إلى ان مشروع إحداث مركز للأسعار على كامل تراب الجمهورية تقدمت به المنظمة منذ فترة وتنتظر تفعيله بالاشتراك مع وزارة التجارة ، وهكذا سوف تتكثّف المراقبة الاقتصادية ويتم إصلاح مسالك التوزيع .

وعموما اعتبر سليم سعد الله ان أعيادنا مناسبات استهلاكية وفيها بعض التبذير لذلك وجب ترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد ، كما دعا سليم سعد الله إلى اقتناء الحاجيات عندما يكون المستهلك مفطرا حتى يضمن اقتناء الحاجيات الأساسية دون إفراط ...

ويبقى الإسراف والتبذير سلوكا سيّئا وغير محمود نهى عنه ديننا وله تداعيات سلبية على اقتصادنا ، وتحتاج معالجة هذه الظاهرة إلى استراتيجية عميقة تساهم فيها جميع الأطراف حتى يصبح التونسي مستهلكا رشيدا وواعيا بعد سنوات .