الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



مؤشّرات المعهد الوطني للإحصاء:

هل تحكمها المقاييس العلمية أم الولاءات السياسية؟؟



إعداد: عواطف السويدي

عرفت المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء مؤخرا جدلا في الأوساط السياسية والاقتصادية نظرا لكونها لا تعكس حقيقة الوضع الصعب الذي يعيشه المواطن رغم احتكام عمل المؤسسة للقواعد العلمية الإحصائية التي تستعملها عادة جميع المنظمات الدولية والمعاهد الوطنية للإحصاء.

ويندرج هذا الجدل في إطار واقع الوضع الاجتماعي في تونس، الذي يختلف ظاهريا عن بعض المؤشرات التنموية المقدمة فضلا عن كون الحكومة قد استعملت خلال الأزمة السياسية الحالية، المؤشرات الإيجابية التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء للدفاع عن أدائها، مما جعل الاعتقاد بكون هذه المؤسسة بصدد توفير أدوات دعائية للحكومة لتلميع صورتها.ولعل هذا التشكيك يعود إلى أسباب موضوعية تتعلق بالنظام السابق حيث كان نظام بن علي يخفي الأرقام الحقيقية والرسمية للمعهد الوطني للإحصاء خدمة لمصالحه، وتبقى رغم ذلك إمكانية تغيير الأرقام مستبعدة جدا بالنسبة إلى العديد من الخبراء الذين يؤمنون بأن المعهد الوطني للإحصاء يعمل وفق منهجيات ومنظومات علمية معروفة يمكن التثبت منها بسهولة .

فما هي حقيقة التشكيك في الأرقام الصادرة عن المعهد بعد الثورة وما هي مدى استقلالية المعهد عن المكونات السياسية وهل يمكن مراقبة عمله؟

تأسس المعهد الوطني للإحصاء منذ 49 سنة ، وتتمثل مهمّته الرئيسية في إنتاج المعطيات الإحصائية في كل الميادين الاقتصادية، الاجتماعية، التربوية، الصحية والبيئية، وعلى كل المستويات محلية، جهوية ووطنية ووضع هذه المعطيات الإحصائية على ذمّة المستعملين جميعا، أي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والباحثون والمنظّمات الدولية.

منهجيات علمية

وقد كشف المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء الهادي السعيدي مؤخرا أنّه تمّ تسجيل نسبة نمو بـ 2.8 % خلال الثلاثي الثاني لسنة 2018 مقابل 1.9 % في الفترة نفسها من السنة الماضية وهي نسبة أثارت نقاشا وسط الخبراء، و كان معهد الإحصاء نشر العام الماضي مؤشرات عن تراجع نسبة الفقر في تونس إلى حدود 15.2 في المائة عام 2015، بعد أن كانت مُقدرة بنسبة 20.5 في المائة من سكان البلاد في 2010 و نحو 23.1 في المائة سنة 2005، وهذه المؤشرات اعتبرها البعض مغالطات لا تعكس حقيقة ما يعيشه المواطن يوميا، وأنّ المنهجية المتبعة في عملية قياس النسبة خاطئة ، ولكن الهادي السعيدي أكد في حوار لـ «الصحافة اليوم» أنّ المنهجية التي اختارتها تونس لقياس نسبة الفقر، هي المتبعة من البنك الدولي، و أخذتها حرفيا وطبّقتها ، وهي منهجية صالحة لجميع البلدان المصنفة «في طريق النمو» وهي التي تمكّن من المقارنة بين الدول.

وأفاد المدير العام للمعهد بأنّه عندما تم التشكيك في نسبة الفقر في مجلس نواب الشعب، أذن وزير التنمية والاستثمار بتكوين لجنة برئاسة المجلس الوطني للإحصاء، تضم خبيرا عن الاتحاد العام التونسي للشغل وخبيرا من الجامعة التونسية مختصا في قياس الفقر، ومديرا مركزيا سابقا بالمعهد، واشتغلوا على المقاربة التي اعتمدت وكيفية تطبيقها واطلعوا على قاعدة البيانات وكانت نتيجة عمل اللجنة أنّ المعهد الوطني للإحصاء قد احترم حرفيا المنهجية المتبعة من قبل البنك الدولي والمنهجية نفسها والبرمجيات التي اعتمدت سنة 2010.

وأكّد محدثنا أنّ قراءة الأرقام وتقديمها ليست مسؤولية المعهد، بل مسؤولية المستعمل لها، فيما بعد بحسب خلفيته ، و قال المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء أن المؤشرات التي ينتجها معهد الإحصاء لا تخضع لا للابتزاز ولا للتغيير وهي تتم وفق منهجيات علمية دقيقة يستحيل التلاعب بها.

التعاطي مع المعلومة

وبالعودة إلى وضعية ما قبل الثورة قال السعيدي أن المعهد يشتغل وفق الطرق والمناهج العلمية المُتعارف عليها وينتج المعطيات الإحصائية وفق المعايير المعروفة، وان الإشكالية الوحيدة التي كانت قائمة قبل الثورة هي رغبة النظام السياسي في عدم الكشف عن هذه المعطيات الإحصائية، مثلا مؤشّر سلبي للسلطة لا يكشفه للرأي العام .. ولكن على مستوى الإنتاج الإحصائي وعلى مستوى المناهج المعتمدة فانه لا يمكن التلاعب بها أو توظيفها..

ولكن يبقى دائما هامش الخطإ واردا في العمل الإحصائي ، حيث أفاد مدير المعهد ان العمل الإحصائي يتطوّر ويتحسّن وجميعنا نطمح أن يكون المعطى الإحصائي للمعهد معطى ذا جودة وفق التقنيات الجديدة لعلوم الإحصاء، وعموما في التعداد السكاني لا نتحدّث عن هامش خطإ نظرا لطبيعة الإحصاء أما بالنسبة للمؤشرات الإحصائية الأخرى فنحن نقبل بهامش %5 وهامش الخطإ مرتبط بالإمكانيات التي تضعها الدولة ولكن رغم كل ذلك يبقى هامش الخطإ هامشا مقبولا والإحصائيات تترجم الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد .

من الإشكاليات أيضا أخطاء متأتية من الميدان وأخطاء متأتية من المراقبة وأخطاء متأتية من تعمّد بعض المواطنين المغالطة عند تقديم المعلومات أو رفض مواصلة تعمير الاستمارة، وأحيانا عند رقن المعطيات قد تحدث أخطاء، وكل هذه الأخطاء تتم معالجتها من طرف المهندسين في المعهد، وفي التعداد الأخير الأخطاء كانت أقّل من ٪2 ولم تؤثّر بتاتا على الإحصائيات المعلن عنها وذلك وفق تقارير دولية.

و أشار السعيدي إلى ان المعهد يعمل وفق برنامج مضبوط بالإضافة إلى القيام بأعمال بطلب من المنظمات الدولية على غرار المسح الوطني حول نظرة المواطن إلى الأمن والحريات والحوكمة المحلية لسنة 2017 الذي نشره معهد الإحصاء على موقعه الرسمي يوم 24 أوت الجاري، و كان بتوصية من الأمم المتحدة نظرا لنقص المعطيات في هذا المجال.

مسألة الاستقلالية

وفي هذا الإطار بين الخبير الاقتصادي «محمد الجراية» ان الإشكال بالنسبة للمعهد الوطني للإحصاء يتمثل في مسألتين أولهما انه مؤسسة تابعة للحكومة ولأجهزة الدولة والتعيينات فيه تخضع لاعتبارات سياسية وحزبية. وفي هذا السياق ذكر محدثنا بان المدير الحالي للمعهد محسوب على حركة النهضة و لكن هذا لا ينقص من قيمة العمل الذي يقوم به المعهد من تقديم للمعطيات و أرقام وفق منهجيات علمية و منظومات واضحة.

وفي هذا الإطار أشار الهادي السعيدي أن تعيينه خضع لمقاييس و شروط و تم زمن حكومة الكفاءات الوطنية مع مهدي جمعة وأن ذلك بهدف إبعاد المعهد عن كل محاولات التوظيف السياسي والحزبي والنأي به عن كل الصراعات والتجاذبات .

في المقابل أفاد نفس الخبير في تصريح لـ»الصحافة اليوم» ان هناك مأخذا على طريقة تقديم المعلومة من طرف المعهد و هي ان نسبة النمو مثلا تتم مقارنتها بنفس النسبة في السنة الماضية و ليس بالنسبة المتعلقة بالثلاثي السابق و بالتالي تبدو المؤشرات الاقتصادية الأخيرة ايجابية إلا انه مقارنة بالوضع العام تبقى غير كافية بالمرة بل هي بعيدة عن المطلوب اذ ان نسبة النمو التي يجب بلوغها تتراوح بين 6 و7 بالمائة و بالتالي فعودة النمو بطيئة جدا.

أرقام غير كافية

وأفاد الخبير الاقتصادي «عز الدين سعيدان» انه لا يمكن التشكيك في أرقام المعهد الوطني للإحصاء لأنه إلى جانب وزارة المالية والبنك المركزي تعتبر من المصادر الرسمية الأساسية للمعطيات في بلادنا ، إلا انه أشار في نفس الوقت إلى وجود مغالطات تكمن في التفاصيل تتعلق أساسا بنسبة النمو المسجلة في الثلاثي الفارط و التي كانت 2.8 بالمائة وهي غير صحيحة باعتبار ان النسبة مسجلة بالانزلاق السنوي ومصدرها القطاع الفلاحي الذي ازدهرت فيه خلال هذا الموسم صابة الزيتون و صابة التمور و هذا يدخل في إطار فهم الرقم في سياقه كما أشار سعيدان إلى أن أرقام السياحة المغلوطة حسب تقديره لان الوزارة بصدد تقديم عائدات السياحة باعتماد الدينار و الإيهام بان الأرقام المسجلة في 2018 أفضل من 2010 في حين أنها مازالت اقل ، و أضاف سعيدان انه من المفروض في مجالات الاستثمار الأجنبي و التصدير والسياحة يتم اعتماد العملة الصعبة و بالتالي هناك توظيف سياسي للأرقام أصبح واضحا لدى الخبراء .

ولاحظ الخبير الاقتصادي «كريم بن كحلة» انه يمكن للمعهد ان يطور المنظومات التي يعتمدها في عمله مثل البرمجيات المتعلقة بنسبة التضخم و بالناتج المحلي الخام وأوضح ان الطرق المعتمدة معترف بها عالميا و لكن بالنسبة للسياق التونسي و الظرف الاقتصادي الحالي يمكن طرح السؤال التالي: هل من المناسب تبني مناهج أخرى أكثر تناسبا مع وضعنا الاقتصادي ؟

سبر الآراء

و يلتقي مجال الإحصاء بمجال سبر الآراء في بعض الجوانب التي تتمحور أساسا حسب صاحب مؤسسة «3 سي للدراسات» لسبر الآراء»هشام القرفالي» في نقاط تتمحور حول عمل المعهد الوطني للإحصاء و وكالات سبر الآراء في مستوى العينة المعتمدة ، إذ بين ان مؤسسته تعتمد نقص الدراسات الظرفية.

واعتبر استاذ التعليم العالي في الطرق الكمية «وليد الحضري» أن المعهد الوطني للإحصاء يتبع المنهجيات العلمية اللازمة سواء للمسوحات أو الدراسات الإحصائية، بالإضافة إلى ذلك ، يضع المعهد على موقعه الإلكتروني قسمًا يعرض فيه المنهجيات العلمية المستخدمة و من ناحية أخرى فإنه يقدم في جميع تقاريره ومنشوراته طريقة أخذ العينات المستخدمة وهذا يثبت درجة الاحتراف لدى مهندسي المعهد على حد قوله.