الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



كُلفة العودة المدرسيّة في ازدياد:

حلقة التّداين الأسري تتّسع



إعداد: لطيفة بن عمارة

أيام قليلة تفصلنا عن العودة المدرسية حيث تستعد الآلاف من العائلات التونسية لها بشراء مستلزمات الدراسة وسط شكاوى عديدة تفيد بارتفاع كلفة العودة، مقابل تدني القدرة الشرائية للمواطن.

وقد أصبحت العودة المدرسية حلقة أخرى من حلقات المصاريف المشطة التي تخلف ضائقة اقتصادية للعائلات التونسية المتوسطة والفقيرة خاصة مع موجة الغلاء التي تجتاح البلاد مما يخلف سنويا الآلاف من المنقطعين عن الدراسة حيث تشهد إمكانيات التونسي المادية ومقدرته الشرائية تراجعا كبيرا كل سنة، ويبدو ذلك واضحا من خلال كثرة التداين وتراجع نسبة الادخار إذ كان التونسي يدخر مبلغا لحالات الطوارئ التي قد تفاجئ العائلة، لكن هذا المبلغ تراجع اليوم بل لم يعد موجودا عند الكثيرين.

وتلجأ أغلبية التونسيين من ذوي الدخل المحدود إلى الاقتراض في المناسبات مثل عيد الأضحى والعودة المدرسية سواء من الأهل بالنسبة للعمال البسطاء أو من البنوك بالنسبة للموظفين الذين عادة ما يلجأون إلى البنوك التي تغرقهم بفوائد لا طاقة لهم بها وهذا ما يؤكده ارتفاع نسبة التداين لدى التونسيين من الطبقة المتوسطة لتصل خلال سنوات ما بعد الثورة إلى أكثر من 50 بالمائة من الدخل الفردي السنوي تذهب جميعها لتسديد ديون المعيشة اليومية لتبقى حلقة التداين تثقل كاهلهم.

وخلال السنوات الأخيرة أصبح التعليم مكلفا نظرا لارتفاع أسعار الأدوات المدرسية واشتراكات النقل وإلزامية الدروس الخصوصية. والحقيقة في المقابل تكشف أن التعليم مكلف للغاية. فما هي تكاليف العودة المدرسية للسنة الدراسية الجديدة ؟ ولماذا تصاعدت بشكل لافت للانتباه؟

يشهد التعليم العمومي الذي طالما اعتبر فخرا ومكسبا تدنيا وتراجعا مستمرا خلال السنوات الأخيرة، مما اضطر الأولياء إلى الاتجاه نحو التعليم الخاص. حيث لم يعد يمكن الحديث اليوم على مجانية التعليم في تونس ،فلا يقدر إلا ميسورو الحال على تعليم أطفالهم لأن المصاريف المترتبة عليه وغلاء أسعار المستلزمات الدراسية، بالإضافة إلى الدروس الخصوصية التي انتشرت في السنوات الأخيرة وأصبح يفرضها الأساتذة في المعاهد الثانوية والمعلمون، بالإضافة إلى معلوم النقل المدرسي ومصاريف الأكل كلها مستلزمات تعتبر باهظة وهي في ارتفاع مستمر من سنة إلى أخرى.وفي هذا الإطار أكد رئيس الجمعية التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي أنه سيتم تسجيل ارتفاع منتظر في كلفة العودة المدرسية بنسبة 30 بالمائة مقارنة بالسنة الدراسية الماضية، و بين أن معدل كلفة الأدوات المدرسية قد تصل هذه السنة إلى 180 دينار للتلميذ الواحد.و قدم رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي أرقاما حول تكاليف العودة المدرسية حسب المستوى الدراسي .فبالنسبة للتعليم الابتدائي والإعدادي تكون التكاليف كالآتي السنة الأولى: 130 دينار والسنة الثانية: 145 دينار والسنة الثالثة: 170 دينار و السنة الرابعة: 183 دينار والسنة الخامسة: 190 دينار والسنة السادسة: 200 دينارا والسنة السابعة: 200 دينار والسنة الثامنة: 180 دينار والسنة التاسعة: 190 دينار.

أما التعليم الثانوي فهي كالآتي وفق محدثنا الأولى: 180دينار السنة الثانية: 190 دينار والسنة الثالثة: 215 دينار و الباكالوريا : 210 دنانير. كما عرض الرياحي أسعار بعض المواد المدرسية التي شهدت زيادة وهي كالآتي:كراس 200 صفحة “spirale”: السنة الدراسية الماضية 7 دنانير هذه السنة 9 دنانير.كراس 96 صفحة : السنة الدراسية الماضية 3.800 دنانير هذه السنة 5،500 دنانير. المقص: السنة الدراسية الماضية 1،800 دينار في السنة الحالية 2.100 دينار.أقلام التلوين: السنة الدراسية الفارطة 5،200 دنانير وهذه السنة بـ6،890 دنانير.اللصق: السنة الدراسية الفارطة 2،100 دنانير هذه السنة 3 دنانير.اللوحة : سعرها 10،470 دنانير المحفظة والميدعة : زيادة بـ 40 بالمائة مقارنة بالسنة الفارطة.

وقد استثنى رئيس منظمة إرشاد المستهلك الكراس المدعم والكتب المدرسية، داعيا المربين إلى ضرورة مراعاة الظروف المادية للعائلات التونسية و عدم المبالغة في نوعـية الـكــراس و الــغــلاف و المستلزمات المدرسية التي تثقل كاهل الأولياء والتي غيابها لا يؤثر على نجاعة العملية التعليمية.

من جانب آخر أكد المركز الوطني البيداغوجي أن السنة الدراسية 2019/2018 تشهد استقرارا في مجال تجديد و تنقيح الكتب المدرسية كما تم الإبقاء على أسعار الكتب المدرسية دون تغيير.

عبء ثقيل

تُجمع جميع المؤشرات على أن التعليم تحول إلى عبء اقتصادي حقيقي لدى الطبقة الاجتماعية المفقرة التي بلغت سنة 2015 نسبة 26 بالمائة في الأوساط الريفية. ولكن هذا النضال مرتبط كذلك بمقدرة الأبناء أنفسهم على تحمل مصاعب مسار دراسي لا يخلو في بنيته من العيوب والنقائص.حيث تتجلى الدراسة كعبء اقتصادي بالأساس في الأوساط الفقيرة بالنظر إلى عدد المنقطعين عن الدراسة سنويا في المرحلة الابتدائية والتي تتجاوز الـ 100 ألف منقطع حيث تبلغ أشدها بالمحافظة الأشد فقرا بالبلاد وهي القصرين التي تصل نسبة المنقطعين بها في هذه المرحلة الدراسية إلى 36.4 بالمائة، في حين تبلغ أعلى نسبة من المنقطعين في المرحلة الثانوية 66.7 بالمائة بولاية قبلي وهي الأخرى من أشد المحافظات فقرا وتهميشا. فلا يمكن أن لا نذكر كيف أن الفقر يغتصب آلاف الأطفال من المناطق الداخلية ويحول وجهتهم من مقاعد الدراسة إلى قارعة الطرق وسفوح الجبال بحثا عن لقمة العيش. وفي هذا السياق دعا مدير عام المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بأن كل المستلزمات المدرسية ليست بالضرورة مفروضة خلال الأيام الأولى للعودة المدرسية، وبالتالي يمكن تأجيل شرائها حسب تقدم الموسم الدراسي.كما توجه برسالة إلى الإطار التربوي يطلب فيها مراعاة القدرة الشرائية للمستهلكين وعدم اشتراط علامات أو منتجات بعينها، تكون كلفتها مرتفعة.

أسعار ملتهبة

إن الكلفة الأساسية للعودة المدرسية أي الكتب والكراسات والأدوات المدرسية للسنة الدراسية 2019/2018 تتراوح في المرحلة الابتدائية بين 52.200 دينارا بالنسبة للسنة الأولى و97،755د بالنسبة للسنة السادسة.وتقدر في المرحلة الإعدادية بين 88،950د و95،790د بينما تتراوح في المرحلة الثانوية بين 89،900د بالنسبة للسنة الأولى ثانوي، و102،395د بالنسبة للسنة رابعة ثانوي وفق ما أكده طارق بن جازية .وأشار في ذات السياق انه في حال احتساب كلفة المحفظة والميدعة، فإن الكلفة الجملية للتلاميذ تتراوح في المرحلة الابتدائية بين 111،900د و170،755د لتقدر في المرحلة الإعدادية بين 159،690 و166،530د بينما تتراوح في المرحلة الثانوية: بين 152،400د و165،280د. مـقارنـة بالعـودة المدرسـية 2018-2017 .و أبرز بن جازية تسجيل زيادة في الكلفة الإجمالية للعودة المدرسية تراوحت بين 11 و24 بالمائة، حسب المرحلة وحسب المكونات،موضحا أن الزيادة في الكلفة الأساسية بالنسبة لتلميذ السنة الأولى ابتدائي قدرت بـ23 بالمائة، في حين قدرت لتلميذ بالسنة السادسة ابتدائي 17 بالمائة وبالنسبة لتلميذ بالرابعة ثانوي بلغت 11 بالمائة.هذا و تم تسجيل أكبر زيادة في مستوى كلفة الأدوات المدرسية في حدود 24 بالمائة، ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع كلفة الإنتاج بالنسبة للمنتجات المحلية أو بفعل تراجع سعر صرف الدينار بالنسبة للمنتجات الموردة، وتحت تأثير الزيادة المسجلة في الأداء على القيمة المضافة.ومن جهة أخرى أشار مدير معهد الاستهلاك أن الكتب المدرسية والكراس المدعم حافظت على نفس أسعارها للسنوات السابقة وهو ما جعل مساهمة هذه المنتجات المدعمة في الكلفة الإجمالية يتراوح بين 14.1 و 35.5 بالمائة، حسب المرحلة التعليمية.وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتم احتساب نفقات أخرى مرتبطة بالعودة المدرسية والتي تختلف من أسرة لأخرى كالزي الرياضي والاشتراك بالنقل المدرسي.و قال بن جازية أن المعهد ككل سنة يقوم باحتساب الكلفة التقريبية للعودة المدرسية، وذلك بالاعتماد على ما يتم رفعه من أسعار من أبرز نقاط البيع، إلى جانب المعطيات المتعلقة بطلبات الإطار التربوي، حسب كل مرحلة.

صيحة فزع

قد تبدو للوهلة الأولى مصاريف هينة تلك التي تتطلبها عودة التلاميذ كل سنة بل تافهة إذا ما حولناها إلى الدولار، إلا أن الواقع التونسي بمرارته يجعل منها أمّ المشاكل للعائلات المعوزة الطامحة في مستقبل أفضل لأبنائها من بوابة التعليم الذي مثل طوال فترة الجمهورية الأولى تقريبا مصعدا اجتماعيا لا بديل عنه فعلاوة على ارتفاع مؤشرات البطالة التي تتجاوز 15 بالمائة عموما وتبلغ 25 بالمائة لدى الإناث من غالبية حاملي الشهادات العليا إضافة إلى انخفاض مستوى الأجور، حيث يحدد الأجر الأدنى في تونس بـ350 دينار شهريا فإن تتالي المناسبات والأعياد الإسلامية خاصة تجعل المواطن البسيط لاهثا وراء الدينار الذي يواصل انحداره أمام اليورو، العملة الأهم في واردات البلاد.ولا تكمن المعضلة في ارتفاع أسعار المواد المدرسية ومصاريف التعليم التي لا تساوي شيئا في بلدان الشمال بل إن مقارنتها بالوضع الاقتصادي والسياق الزمني للعودة المدرسية يجعل منها حلقة أخرى من سلسلة النار التي يكتوي بها المواطن التونسي في فترة من أشد الفترات صعوبة في تاريخ الاقتصاد الوطني، ومناسبة أخرى لتأكيد أن مبدأ تكافئ الفرص لم يعد متاحا في الدراسة للجميع كما أنها ليست في جميع الأحوال قاطرة اجتماعية.