الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الغشّ في المشاريع العمومية

بين غياب الرّقابة....و حضور المحسوبية!



إعداد: عواطف السويدي

أثار سقوط المعبر المائي بين فريانة وماجل بلعباس من ولاية القصرين وانهيار عدد من الطرقات الرئيسية وتضرر حواجز وطرقات جديدة، خلال أمطار شهر أكتوبر المنقضي ، جدلا واسعا حول التجاوزات والغش في أشغال المشاريع العمومية.

فقد ساهمت هذه الأمطار الغزيرة والفيضانات في تعرية مشاكل المشاريع العمومية وهشاشتها ، فعندما يسقط جسر لم يمر وقت طويل على بنائه، وتسقط بناية جديدة، ويتهاوى طريق كبد إصلاحه المجموعة الوطنية، مصاريف باهظة فهذا دليل على التقصير واللامبالاة والتحيّل والسرقة.

وعادة ما يتوجه النقد إلى المقاول الذي أنجز الأشغال لكن مسؤولية المسؤول أكبر فهو مطالب أولا بتمكين المقاول من حقوقه المالية كاملة وفي الوقت المتفق عليه حتى لا يدفعه إلى السرقة، وهو مطالب بمراقبة الأشغال أثناء سيرها ، ومطالب بمعاينتها بعد إتمامها وقبل أن يوقّع للمقاول وثائق انتهاء الأشغال وسلامتها وصلاحيتها. وقبل هذا من المفترض إبرام عقود مع المقاولين تتضمن بنودا حول الجودة والنتائج المترتبة عن الإخلال بها وذلك باعتماد كراس شروط فنية.

حول هذه المسؤوليات وأسباب الغش في المشاريع العمومية وعدم متابعتها ومراقبتها أثناء الأشغال وقبل انتهائها، أجرينا هذا التحقيق.

أدى الموقف الأوّلي لوزير التجهيز السابق بخصوص مساءلته من قبل البرلمان على إثر انهيار جسر بولاية القصرين بسبب الأمطار الأخيرة، إلى خلق ضجة واسعة وحملة انتقادات، بسبب نفيه علاقة المقاول الذي أنجز الجسر منذ ثلاث سنوات، بهشاشة البنية التحتية، خصوصا وقد اعتبر أن المقاول من أفضل الكفاءات التونسية في مجاله.

شبهات و اتهامات

في السياق ذاته، صرّحت النائبة عن التيار الديمقراطي سامية عبو، أنّ شبهات فساد كبيرة تحيط بملف المقاولين ،وكشفت أنها قدمت ملفا للقضاء يحتوي وثائق تؤكد تورّطهم بشبهات فساد، في انتظار تحرك القضاء لمعاينة الأضرار في الجسور و المعابر المائية والطرقات خصوصا وان تلك التي بنيت من عهد الاستعمار لم تسقط بما يعني سلامتها من الغش، مشيرة الى وجود شبهات فساد رغم أن كراس الشروط تتضمن مواصفات دقيقة.

وأفادت عبو في تصريح لـ «الصحافة اليوم» بان هناك دور شباب تم تشييدها منذ عهد بن علي و تشققت وهي ظاهرة خطيرة في الصفقات العمومية و الدولة هي التي تتولى عملية المراقبة.

وقالت سامية عبو بأنها ستراسل وزير التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية، لمطالبته بالكشف والتدقيق في كل الصفقات التي أسندت لنائب بمجلس نواب الشعب بصفته مقاولا.

وأشارت، إلى أنها ستطلب من وزير التجهيز، تقديم جرد للصفقات التي يتحصل عليها المقاولون والشركات المختصة في البناء، وبحث مدى مطابقة تلك الصفقات للشروط، مؤكدة وجود شبهة فساد واستغلال نفوذ. وأوضحت سامية عبو، أن طرقات جديدة هدمت جراء الأمطار، مما يعني وجود تهاون كبير خاصة وأن الأمطار التي هطلت عادية، وفق تعبيرها.

وبعد ان حامت شكوك حول تولي نائب عن نداء تونس انجاز قنطرة «ماجل بلعباس» من ولاية القصرين أكّد النائب المعني ، أنه بريء من كل الادعاءات ، وأوضح أن هذا المشروع ليس من انجازه بل نفذته مقاولة أخرى ، وأنه ليس في منأى عن المحاسبة.

تجاوزات ثابتة

وصرّح رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب بان الهيئة أحالت قرابة 70 أو 80 ملفا متعلقة بشكل مباشر بالسلامة المرورية و حالة الطرقات و التي يكون مصدرها فساد كبير يتمثل في انجاز الطرقات أو الجسور أو فساد صغير يتعلق بالرشاوى التي تدفع على مستوى الطرقات و غيرها.

وفي هذا الإطار بينت عضو هيئة مكافحة الفساد الفة الشهيبي في حديث معنا، وجود ملفات فساد في الصفقات العمومية الخاصة بالمشاريع العمومية ذكرت في تقرير الهيئة لسنة 2016 والتقرير المرتقب صدوره الخاص بسنة 2017 والذي يتضمن عددا أكبر من ملفات الفساد ، حيث قالت انه بمجرد تقدم الشاكي بملفات يتم التثبت من مدى جدية العريضة عن طريق الخبراء و عند إيجاد أدلة كافية يتم إحالة الملف على التقصي ويتم إعداد الملف لتقديمه للقضاء و يتضمن الوثائق الإدارية والعناصر الهامة المرتبطة بكراس الشروط الفنية والتي تتضمن إلى جانب الشروط الفنية عنصري الجودة والأسعار.

وذكرت محدثتنا انه لفهم كيفية متابعة المشاريع العمومية ومراقبتها أبرمت هيئة مكافحة الفساد اتفاقية تعاون مع وزارة التجهيز و الإسكان و التهيئة الترابية تهدف إلى الاستفادة من تجارب وخبرات طرفي الاتفاقية للرفع من المردودية وتعزيز القدرات لإرساء مبادئ النزاهة والمساءلة والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

وأوضح من جهته المحقق في هيئة مكافحة الفساد وائل درويش بان اغلب الملفات فيها شبهات فساد لازالت قيد الدرس وفي مرحلة التقصي بعد أن تقدم مواطنين أو منافسون بشكاوى إلى الهيئة، موضحا أن الاتفاقية مع وزارة التجهيز تساهم في كشف الملفات المعقدة و التي تنظر فيها لجنة تضم ممثلين عن هيئة مكافحة الفساد وعن وزارة التجهيز للنظر في المواضيع المستعصية عبر تبادل الخبرات بين الطرفين.

وأبرز وائل درويش بان هناك عديد الأنواع من التجاوزات في ملف المشاريع العمومية التي عاينتها الهيئة بين 2016 و 2017 وتوزعت إلى عدة أصناف من الفساد و التجاوزات من بينها على سبيل المثال أن تتجنب شركة طلب عروض بداية من مبلغ معين لصفقة معينة وتقوم باستشارة لاختيار 3 مزودين وتتكون لجنة لاختيار مزود وحيد، وهناك وضعية أخرى عندما تريد وزارة التجهيز أن تقدم امتيازا لشركة صديقة فإنها لا تقوم بإعلان طلب عروض و تقسّم الصفقة إلى أجزاء و كل جزء يتم وضعه في إطار عقد ، وأضاف وائل درويش بان هناك تجاوزا آخر يتمثل في تسريب معلومات ممتازة لشركات صديقة ، و أيضا طلب نوع من البضاعة التي تكون متوفرة لدى مزود وحيد، مثلا البحث عن نوعية واحدة من الحديد و صياغة كراس شروط على القياس ، و أيضا هناك تجاوز يتعلق بإضافة أشغال غير متوقعة منذ البداية أو استعمال مواد بناء غير مطابقة للمواصفات. ولفت محدثنا إلى انه يتم في بعض الأحيان اعتماد العرض الأقل سعرا دون مراعاة المؤهلات المطلوبة و هناك من يتحصل على مقطع رخام وحجارة دون تطابق مع كراسات الشروط.

تتبّعات قانونية

وحول مجمل التساؤلات التي تواجهها وزارة التجهيز اليوم بخصوص مراقبة مشاريع البنية التحتية وخاصة منها المشاريع الكبرى مثل الجسور والطرقات التي تسجل تجاوزات في المناطق الداخلية رغم أهميتها اتصلنا عديد المرات بمدير عام الجسور و الطرقات بوزارة التجهيز لكن دون جدوى.

لكن في تصريح سابق، ذكر مدير إدارة صيانة الطرقات واستغلالها بوزارة التجهيز والإسكان بأن المشاريع تخضع إلى الدراسات الفنية والرقابية، وهي تتم وفقا للمواصفات الفنية الدولية والوطنية وجميع المعايير ولكن الإشكال المطروح حسب توضيحه هو في الأضرار التي لحقت بالمنشآت المائية التي تم إنجازها بتكييفها حسب معدل التساقطات على مدى 20 أو 50 سنة.

يعدّ ملف المشاريع العمومية من الملفات الهامة التي يجب إيلاؤها العناية اللازمة وعدم التهاون في تتبع المتجاوزين والفاسدين فيها باعتبار أن التلاعب والغش والمحسوبية والرشاوى المسندة لنيل المشاريع و للحصول على شهادة «انتهاء الأشغال بحسب المواصفات» من شأنها تعريض حياة المواطنين للخطر.