الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



أزمة مقاولي الأشغال العامة

عشرات الشركات مهدّدة بالإفلاس والدّولة تلزم الصمت



إعداد: صبرة الطرابلسي

ألقت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيش على وقعها تونس منذ سنوات بظلالها على عديد القطاعات التي تضررت ماليا جراء هذا الوضع ما أدى إلى إفلاس عديد المؤسسات في شتى المجالات حيث تشير الأرقام إلى أن إجمالي ديون تونس قد تجاوز السنة الماضية 76 مليار دينار من بينها أكثر من 22 بالمائة ديون داخلية. ورغم إنكار الدولة إفلاسها المالي واعتمادها التداين الخارجي وسيلة لترقيع العجز المالي المتفاقم إلا أن الضرر طال عديد القطاعات.

ومن بين القطاعات المتضررة قطاع مقاولي البناء والأشغال العمومية الذي تضرر ماليا نتيجة عدم منح وزارة التجهيز المستحقات المالية للمقاولين الذين قاموا بتنفيذ مشاريع تهم البنية التحتية في إطار صفقات عمومية الأمر الذي تسبب لهم في صعوبات مالية أصبحت تهدد ديمومة شركاتهم وتوازنها المالي.

«الصحافة اليوم» سلطت الأضواء على موضوع الأزمة المالية للمقاولين للوقوف على أسبابها وتداعياتها على واقع القطاع وسبل حلها.

 

عشرات شركات المقاولات التي قامت بتنفيذ مشاريع متنوعة للبنية التحتية في إطار صفقات عمومية تواجه منذ أشهر صعوبات مالية نتيجة عدم إيفاء الدولة بتعهداتها المالية إزاء هذه الشركات وتتعلق المسألة بعشرات المليارات الأمر الذي أدى إلى دخول أغلبها في أزمة مالية جعلت أصحاب هذه المؤسسات غير قادرين على الإيفاء بالتزاماتهم المالية إزاء البنوك والعمال والموظفين ومختلف النفقات المستوجبة .

وفي هذا الإطار حدثنا السيد أنيس الطرابلسي وهو المدير المالي لإحدى شركات المقاولات المختصة في الأشغال العامة مبينا أن الشركة قد أبرمت صفقة منذ ما يناهز السنة لإنجاز مسالك فلاحية بولاية القيروان بقيمة مالية تقدر بمليون و200 ألف دينار مضيفا أنه من مجموع هذا المبلغ لم تتحصل الشركة سوى على 200 ألف دينار فرغم انتهاء الأشغال وطلب صاحب الشركة المتواصل للحصول على مستحقاته المالية من السلط المحلية باعتبارها المشرف على هذا المشروع إلا أنه لم يقع إلى حد الآن سداد المبلغ المستحق وهو ما أدخل الشركة في أزمة مالية باعتبار التزامها بتسديد مبالغ مالية للبنك وشركة الإيجار المالي إلى جانب خلاص رواتب العملة والموظفين.

وأكد محدثنا أنه طوال السنة التي مثلت مدة تنفيذ هذا المشروع طالبت الشركة السلطة المحلية بالقيروان بالحصول على أقساط من المبلغ المستحق باعتبار أن هذا المشروع ممول من قبل ولاية القيروان لكن في كل مرة يقع تقديم وعود زائفة وهو ما أحدث أزمة سيولة مالية للشركة وتأخيرا في خلاص أقساط بعض معدات العمل التي يتم تسويغها وما تزال الأزمة قائمة إلى حد الساعة وهو ما عقد الأمور أكثر وبات يهدد ديمومة المؤسسة.

أزمة المقاولين

وبين السيد محمد الطاهر وهو مدير عام إحدى أهم شركات المقاولات المختصة في الأشغال العمومية والتي تقوم بتنفيذ مشاريع كبرى في البنية التحتية، أن الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها البلاد قد أضرت بعديد القطاعات ومنها بالخصوص قطاع المقاولات والأشغال العامة باعتبار أن الدولة في كثير من الأحيان تتولى تمويل هذه المشاريع دون أن تكون لديها السيولة المالية اللازمة باعتبار الأزمة المالية التي تمر بها وهو ما أدى إلى تأخير سداد المستحقات المالية لجل المقاولين لأكثر من 3 أشهر خاصة بالنسبة إلى المشاريع التي تفوق تكلفتها 3 مليون دينار، وأوضح محدثنا في السياق ذاته أن مشاريع البنية التحتية الكبرى يكون تمويل 70 بالمائة منها من قبل بنوك أجنبية تقوم بإقراض تونس جزءا من تكلفة المشروع لذلك يكون تعامل المقاول مع البنك مباشرة ولا يتم في هذا المستوى تسجيل تأخير في سداد المستحقات المالية للمقاول ,مضيفا أن الجزء المتبقي من المبلغ المالي الذي يمثل بقية تكلفة المشروع تتولى الدولة دفعه لشركة المقاولات التي تقوم بتنفيذ المشروع, وهذا غالبا ما يحدث فيه تأخير كبير عند الخلاص ذلك أن وزارة التجهيز المشرفة الأساسية على مشاريع البنية التحتية لا تتوفر لديها المبالغ المالية المستحقة من قبل المقاولين وهو ما يحدث تأخيرا هاما في الخلاص وما يمكن أن يصاحب ذلك من تبعات سلبية لشركات المقاولات التي لديها التزامات مالية مع موظفيها وعملتها ومع البنوك.

وبين السيد محمد أن شركة المقاولات التي يديرها قامت بتنفيذ مشروع لفائدة الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية منذ ما أكثر من سنة ونصف بتكلفة تقدر بـ3 مليون دينار ولم يتم إلى حد الساعة خلاص سوى 700 ألف دينار من المبلغ الجملي مشيرا إلى أن الأشغال انتهت منذ فترة ومع ذلك لم يقع صرف أي مبلغ من قيمة المشروع رغم أنه من المفترض أن يتم تسديد أقساط مالية في كل مرحلة من مراحل تنفيذ المشروع وهذا ما انجر عنه دفع خطايا مالية للمقاول نظرا لالتزامه مع البنك بسداد قروض اعتمدها لتمويل مشروعه.

وأكد محدثنا أن تواصل تأخير صرف مستحقات المقاولين المالية من شأنه أن يتسبب في إفلاس عديد شركات المقولات خاصة الصغرى منها الأمر الذي سيتسبب في مشاكل اجتماعية بإحالة آلاف الموظفين والعملة على البطالة القسرية وهذا لن يزيد الوضع العام سوى تعقيدا , مشيرا إلى أن عددا من الشركات الصغرى قد أعلن بالفعل إفلاسه.

إجراءات استثنائية

أوضح السيد مهدي الفخفاخ وهو رئيس الغرفة الوطنية لمقاولي البناء والأشغال العمومية أن الغرفة قد عقدت اجتماعا وجهت من خلاله الدعوة للغرف الجهوية لمقاولي البناء والأشغال العمومية الست للنظر مع منظوريهم في إشكالية عدم استخلاص مقاولي الأشغال العمومية لمستحقاتهم المالية المتخلدة بذمة وزارة التجهيز على إثر قيامهم بإنجاز مشاريع كبرى في البنية التحتية مضيفا أن الغرفة لم تتلق إلى حد الآن أي شكوى رسمية من قبل المقاولين المعنيين بهذا الإشكال كي يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة .

وأبرز محدثنا أن غرفة مقاولي البناء والأشغال العمومية قد قامت بمراسلة وزارة المالية لمعرفة القيمة المالية التي يجب سدادها للمقاولين الذين قاموا بتنفيذ مشاريع الأشغال العمومية مضيفا أن الغرفة قد طالبت منظوريها بتقديم ملفاتهم للنظر في إمكانية حلها مع الأطراف المعنية .

وأشار السيد مهدي الفخفاخ إلى أنه سنة 2008 أي خلال فترة حكم الرئيس السابق بن علي قد تم اتخاذ إجراء استثنائي آنذاك وتمثل في إصدار قرار حكومي لمراجعة تكلفة إنجاز مشاريع الأشغال العمومية بعد ارتفاع أسعار مواد البناء إثر إبرام الصفقات حيث تم تعويض المقاولين الذي قاموا بتنفيذ هذه المشاريع بمبالغ مالية تمثل الفارق بين الأسعار الأصلية لمواد البناء قبل إبرام الصفقة وبين الأسعار الجديدة التي ارتفعت بنسب متفاوتة وصلت في بعض المواد إلى 50 بالمائة الأمر الذي جعل تكلفة المشروع ترتفع لتتسبب في خسارة مالية للمقاولين لذلك تم اتخاذ إجراءات استثنائية في هذا الصدد لتعويض المقاولين عن القيمة المالية التي كانت ستتسبب في خسارة هامة للمقاولين.

وطالب الفخفاخ أن تقوم الحكومة باتخاذ إجراءات شبيهة بهذا الإجراء الذي يندرج في إطار مراعاة مصلحة مقاولي الأشغال العامة بطريقة تمكنهم من الخروج من المأزق المالي الذي وجدوا أنفسهم فيه خاصة أصحاب شركات المقاولات الصغرى والمتوسطة الذين وجدوا أنفسهم في أزمة مالية هي في الواقع انعكاس للأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها الدولة.

غياب الرد

اعتبارا إلى أن وزارة التجهيز هي الطرف الحكومي الأساسي المعني بهذا الإشكال والتي يفترض أن تقدم التوضيحات اللازمة في شأن تأخر صرف مستحقات المقاولين، فقد حاولنا على امتداد ثلاثة أيام، الاتصال بمدير الأشغال الكبرى والطرقات بوزارة التجهيز للرد على مجمل تشكيات المقاولين المتمثلة أساسا في تأخر سداد المبالغ المالية المتخلدة لديها، لكننا لم نحصل على أي رد وهذا التعتيم مثير للاستغراب ويؤكد حجم معاناة المقاولين مع الوزارة.

ولئن طالت الأزمة المالية والاقتصادية التي تمر بها تونس كثيرا من القطاعات الهامة والمؤثرة في الدورة الاقتصادية، فإن قطاع المقاولات والأشغال العامة يظل من أبرز القطاعات المتضررة من هذه الأزمة المالية نظرا لأهميته التشغيلية الكبيرة من ناحية ولأهمية المشاريع التي ينجزها في البنية التحتية وما لها من دور اقتصادي لذلك من الضروري الإسراع في إيجاد الحلول العاجلة لهذه الشركات لضمان ديمومتها وإنقاذ القطاع من أزمته.