الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الاحتكار و المضاربة في تونس

لماذا تفشّى الداء وغاب الدواء ؟



إعداد: عواطف السويدي

تعاني الأسواق التونسية، منذ أشهر طويلة من نقص في التموين لعدد من المنتوجات الأساسية ومن ارتفاع قياسي في الأسعار وتتصدر مواد الحليب والبيض والزيت النباتي والسكر قائمة المواد التي تعاني نقصا في الأسواق، إلى جانب البعض من منتوجات الخضر والغلال وهو ما أدى إلى حالة من التململ الاجتماعي.

وتبقى مشكلة الحليب متواصلة رغم التأكيد على وجود مساع متواصلة لتوفير هذه المادة الأساسية من خلال ضرب المحتكرين وتوريد بعض الكميات من الخارج لتحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وخلافا للمنتوجات اليومية تشهد أسعار المواد المرتبطة بالمناسبات الموسمية ارتفاعا مشطا في الأعوام الأخيرة حيث ارتفعت أسعار مادة الزقوقو بدرجة كبيرة مما جعل منظمة الدفاع عن المستهلك تدعو التونسيين إلى مقاطعة هذه المادة.

وفي ظل ضعف أجهزة الرقابة، فإن عمليات الاحتكار والمضاربة تزيد أكثر فأكثر من تدهور القدرة الشرائية للتونسيين وتضاعف الضغوط على الحكومة. وتظل حملات الحكومة للحد من الاحتكار والمضاربة، مجرد إجراءت ظرفية تقوم بها أجهزة الرقابة من فترة إلى أخرى حيث تستهدف نقاط البيع بالجملة ومخازن تبريد السلع في عدة ولايات في البلاد بهدف التحكم في الأسعار.

وكشفت زيارة الشاهد إلى السوق المركزية بالعاصمة، عن عمليات احتكار منظمة منذ سنة تقريبا ولكن إلى اليوم لم نر محاسبة للمخالفين أو نتائج ملموسة للتقليص في الاحتكار والمضاربة وإنما اقتصرت المسألة على الوعود والخطابات الرنانة .

فما هي أسباب تفاقم ظاهرة الاحتكار والمضاربة وما هي الحلول العملية لمقاومتها؟

 

يمكن تلخيص الاحتكار في العمل غير النزيه حيث يعرض المحتكر كميّات محدودة من المنتوج موضوع الاحتكار في السوق لفرض السعر والترفيع فيه وأمام قلة العرض يصعد السعر ، ثم يقوم بعد ذلك بترويج بقيّة الكميّات خارج المسالك القانونية بأسعار أقلّ من سوق الجملة ويوزّعهــا بأسعار لا تخضع إلى العرض والطلب.

ضرب القدرة الشرائية

و قد لاحظ نائب رئيس منظمة الدفاع على المستهلك توفيق بن جميع في حديث لـ «الصحافة اليوم» وجود تشكيات من المستهلكين حول فقدان عدد من المواد الأساسية أو «المضروبة» أو التي ترتفع أسعارها و هذا ما يؤدي إلى تدهور القدرة الشرائية، وأن المقدرة الشرائية تقلصت لدى التونسي بنحو 40 بالمائة في الأعوام الأخيرة، و أن أسعار المواد الأولية والغذائية في ارتفاع مستمر من ذلك أن أكثر من 17 بالمائة من المواد تزداد أسعارها سنويا.

هذا وزاد تواتر المناسبات في تآكل القدرة الشرائية لدى التونسي ، و قد اقترحت المنظمة على الدولة المساهمة بدعم الرقابة من خلال مراقبين متطوعين في الأسواق و هي فكرة تبنتها وزارة التجارة لكن لم تنفذها إلى الآن رغم أن كلفة المشروع لا تتجاوز 300 ألف دينار تتوزع بين موقع الواب والفريق الذي يشتغل على الأسواق والمراقبين.

كما أن الوعود كثيرة والآفاق قليلة بحسب محدثنا حيث أن المنظمة تجتمع باستمرار مع وزارتي الفلاحة والتجارة للمطالبة بتفعيل لجان مراقبة الأسعار لكن لا توجد إمكانيات مادية وبشرية إذ تحتاج حملة مراقبة في ولاية واحدة إلى 200 مراقب على الأقل في الأسواق الشعبية والأسبوعية أما الزيادات العشوائية في الأسعار ومنها سعر الحليب الذي يباع خلسة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السمك والغلال و البيض فضلا عن مشكل فقدان عديد المواد الأساسية ولن تتوقف إلا بالحد من ارتفاع الأسعار ومراجعة منظومة الدعم.

خدمة الاقتصاد الموازي

واستغرب من جهته الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان من ارتفاع أسعار المواد الأساسية كالحليب و الزيت و البيض معتبرا أن هذه الظاهرة سيئة جدا و تهدد الأمن الغذائي للمواطن ، وتدل على عجز الدولة التي لا تستطيع سوى إطلاق الوعود ولا تنفذها و ربما وراءها أهداف سياسية حسب تقديره لان الدولة لديها القنوات لمنع ظاهرة الاحتكار والمضاربة في جميع الحالات إذ أن المراقبة موجودة وتعرف كبار المحتكرين و الوسطاء و أعلنت عنهم أيضا هيئة مكافحة الفساد و هذه المجاراة تخدم مصلحة الاقتصاد الموازي ، ولكن السؤال هل أنها مستعملة كما ينبغي أم لا فإما هناك تواطؤ أو تقصير أو عجز حسب تقديره .

ويرى عز الدين سعيدان أن الحل لمشكلة الاحتكار يجب ان يكون جذريا من خلال مراجعة منظومة الدعم حيث يوجد فرق كبير بين السعر المدعوم و السعر الطبيعي مؤكدا أن التعويض الحقيقي لمستحقي المنتوج و ليس للمنتوج في حد ذاته و حينها لن نحتاج إلى آلاف المراقبين.

مراجعة منظومة الدعم

وأفاد الخبير الاقتصادي وعضو لجنة مراجعة منظومة الدعم في المحروقات و في المواد الأساسية كريم الطرابلسي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» ان التشخيص هو متقارب مع رئاسة الحكومة لكن المقترحات عديدة في كيفية توزيع هذا الدعم حيث ابرز أن المبدأ هو تفعيل مسالة المعرف الاجتماعي الوحيد حسب العائلات على أساس الدخل و ظروف العيش مشيرا إلى أن هناك مشروع ممولا من البنك العالمي في هذا الاتجاه ولكن بسبب سوء التنسيق بين الوزارات خاصة وزارة التجارة و وزارة الداخلية التي امتنعت عن تقديم بنك المعطيات الخاص بالمواطنين و هناك تجاذب مع المركز الوطني للإعلامية ، و أشار محدثنا إلى أن هذا المشروع هو تحد كبير لأنه يحتاج إلى تحيين مرة كل سنة على الأقل و هذا يحتاج إلى إمكانيات لوجستية مكلفة و التحدي الثاني هو الآثار لرفع الدعم على مسألة التضخم و يمكن أن تكون منظومة الدعم تصاعدية في الإعفاءات الجبائية مثل البلدان المتقدمة.

منظومات الرّقابة

ومن جهته أكد مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة حسام التويتي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أنّ مصالح المراقبة قامت بتطوير طرق التدخّل وتطبيق رؤية جديدة للرقابة تواكب الممارسات الاحتكارية في السوق، مشيرا إلى إنّ المراقبة أصبحت نوعية وشاملة من خلال اعتماد المراقبة المشتركة بتجنيد إمكانيات غير متوفّرة لدى مصالح وزارة التجارة مثل التّعزيز الأمني أو الإسناد من هياكل أخرى كوزارة المالية... ثم أنّ أغلب نشاطها بحسب محدثنا، مركّز على مسالك التوزيع بالتفصيل كما أنّ الرقابة أصبحت تتدخّل على مستوى المخازن ووسائل النقل عبر الطرقات بدوريات مشتركة يقع تركيزها في نقاط العبور وبعض النقاط المرورية المعروفة بالكثافة لاستهداف نشاط هؤلاء المحتكرين والتدخّل قبل وقوع المشكل ومعالجته.

وتتم مراقبة الاحتكار بالنسبة إلى المواد الفلاحية التي تتأثر بالمسائل الموسمية للإنتاج مثلا مادة البطاطا بين موسم الصيف والخريف تتقلص لأنه لا يتم إنتاجها وأيضا بسبب الفيضانات ، وبالنسبة إلى مادة الحليب وبسبب نقص الإنتاج الهيكلي بالإضافة إلى اللهفة في الطلب خلقت ممارسات احتكارية ولكنها لا تتواصل طويلا لان مادة الحليب لا يمكن تخزينها لوقت طويل، وذكر محدثنا أن الأبقار في هذا الوقت لا تنتج كميات هامة من الحليب بالمقارنة مع فصل الربيع لذلك أكد انه بداية من ديسمبر سيشهد الإنتاج تطورا بالتوازي مع عمل وزارة التجارة على تنفيذ برنامج مراقبة تهريب الأبقار الذي يمس منظومة الحليب و اللحوم الحمراء.

أما بالنسبة إلى مشكل التوزيع في مادة الزيت النباتي ، أوضح حسام التويتي أن هناك برامج خصوصية لمراقبة استعمال الزيت المعد للاستهلاك الأسري و الذي يتم توجيهه إلى في استعمالات غير مهنية مثل المرطبات و المصبرات في إطار عمل المطاعم حيث يقومون باقتناء الزيت النباتي الذي يبلغ سعر اللتر 900 مليم بينما سعر الزيت المخصص للمطاعم يبلغ 3000 مليم و شدد على انه ستتم مواصلة الإجراءات الردعية والعقوبات للمحتكرين للتقليص من هذه الاستعمالات.

وبين انه سيتم تفعيل عمل اللجنة الوطنية للتحكم في الأسعار لأنها تضم جميع الوزارات المتداخلة في الأسعار بالإضافة إلى المنظمات الوطنية و لها تمثيلية جهوية وستعمل على مقاومة الاحتكار والتجارة الموازية والتهريب ، واعتبر التويتي أن عدد المراقبين قليل بالمقارنة مع المهام و هي المهام الإدارية و التدخل في الجودة و الأسعار حيث يبلغ العدد 700 مراقب فقط.

و بالنسبة إلى مشروع متابعة الأسعار في الأسواق بطريقة الكترونية أوضح محدثنا انه بصدد الانجاز من خلال تطوير عمل المرصد الوطني للتزويد و الأسعار بالاشتراك مع المعهد الوطني للاستهلاك و منظمة الدفاع عن المستهلك.

و يبقى الاحتكار الذي تمارسه شبكات «مافيوزية» أحكمت سيطرتها على مسالك توزيع العديد من المواد، من أخطر الظواهر التي تضرّ بمصالح الاقتصاد الوطني وتهدّد مباشرة الطاقة الشرائية للمواطن ، في خرق صارخ للقانون المنظّم للمنافسة وللأسعار و هو ما يحتاج إلى حرب حقيقية للتصدي له.