الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



إهدار للمال العام وإخلالات بالجملة

ما الذي يحدث في شركة نقل تونس؟



إعداد: لطيفة بن عمارة

أثارت الصفقة المشبوهة الأخيرة لاقتناء حافلات في إطار تدعيم أسطول الشركات الوطنية والجهوية للنقل بـ 1133 حافلة جديدة، جدلا واسعا بعد ثبوت احتوائها على العديد من العيوب الفنية عند توزيعها على الأقاليم ودخولها حيز الاستغلال الفعلي وذلك استنادا إلى التقارير والمحاضر الداخلية المرفوعة في الغرض صلب الشركة وقد كان نصيب «شركة نقل تونس» من هذه الصفقة 494 حافلة.

ما حدث أربك عملية الاقتناء، ولم يتم تجاوز هذا المشكل إلا بعد عقد جلسة عمل بين ممثلي شركة «ستكار» من جهة وأعضاء اللجنة المكلفة بالمتابعة من جهة ثانية، ليسفر هذا اللقاء عن تعهد المزود بإدخال تحسينات على عشر حافلات من مجموع ثلاثين حافلة على أن تشمل العملية بقية الحافلات المذكورة وذلك بعد مصادقة اللجنة المكلفة بالمتابعة، في انتظار تسلم دفعات أخرى من القسط الأول من الصفقة.

شبهة فساد لم تكن الأولى ولا الأخيرة لا في شركة نقل تونس فقط بل في العديد من المؤسسات العمومية التي ينخرها الفساد الإداري والمالي وإهدار المال العام أمام شبه غياب للمحاسبة الصارمة التي تكون في حجم التجاوزات الحاصلة.

هذه الصفقة وما رافقها من جدل فتحت مجددا ملفات التجاوزات داخل شركة نقل تونس سيما أمام الوضعية المالية المتأزمة لهذه المؤسسة .

فما هي تفاصيل هذه الصفقة المشبوهة ؟ وما هي الإجراءات التي اتخذت للحد من التجاوزات والفساد المالي والإداري؟

 

180 مليون و506 آلاف دينار هي القيمة الجملية لصفقة الـ1133 الحافلة، وقد تمّ إلى حدود 13 جويلية 2017 تسليم 30 حافلة غير أنه وقع التفطن إلى عديد العيوب الفنية عند توزيعها على الأقاليم بعد دخولها الاستغلال الفعلي وذلك استنادا إلى التقارير والمحاضر الداخلية المرفوعة في الغرض صلب الشركة. مسلسل الأزمة لم ينته عند ذلك الحدّ حيث تواصلت فصولها وتكشّفت تفاصيلها أكثر فأكثر بعد أن تمّ تسجيل عيوب جديدة عند دخول هذه الحافلات الموزعة على الأقاليم الاستغلال الفعلي، وهي عيوب تم اكتشافها بعد هطول الأمطار حيث تسربت كميات كبيرة من المياه إلى داخل جميع الحافلات عبر الأبواب والنوافذ ومنافذ التهوئة العلوية.

صفقة فاسدة كشفت إهدارا كبيرا للمال العام وسوء تصرف في موارد شركة عمومية، بعد صفقة حافلات مستوردة لم يحترم صاحبها ما ورد في العقد من جوانب تقنية دقيقة، والنتيجة تكبد الشركة خسائر مالية كبرى فضلا عن تعطيلات إدارية ولوجستية ليست لها نهاية على ما يبدو.في هذا الجانب اعتبر إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد أن القطاع العام إجمالا لا يخلومن ملفات فساد كبرى تتورط فيها أطراف إدارية نافذة وأعوان تنفيذ مبرزا أنه أمام حجم التجاوزات والفساد لا وجود لإرادة وجدية في معالجة كل الملفات المطروحة وكبح جماح الفساد والفاسدين في كل المؤسسات العمومية.

وبخصوص صفقة حافلات شركة نقل تونس قال الميساوي أن هذه الصفقة لا تتضمن شبهة فساد بل هو الفساد بعينه وتواطؤ واضح بين إدارة النقل والمزود بإبرام صفقات دون الالتزام بكراس الشروط وفق تعبيره.وأضاف رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد في نفس الإطار أن الفساد والتجاوزات في شركة نقل تونس لا تقتصر في مجال الصفقات فقط بل هوأخطبوط لنهب المال العام تدعم وجوده بسعي أطراف نافذة في الوزارة إلى حماية منظومة الفساد نظرا لحجم المتورطين فيها.

التلاعب عمدا بالمال العام

أحيلت ما يعرف بالصفقة الإطارية لاقتناء أكثر 494 حافلة جديدة من طرف شركة نقل تونس على أنظار العدالة وهناك إمكانية فسخ ما تبقى من العقد لا تزال قائمة، خاصة، بعد تسلم الشركة لعدد من الحافلات.ولكن رغم هذا فإن مرور مثل هذه الصفقات بهذا الشكل يثير العديد من نقاط الاستفهام حول دور اللجان الرقابية صلب وزارة النقل في مثل هذه الملفات. وفي هذا السياق اعتبر الميساوي أن الروتين الإداري يساهم في قبر ملفات الفساد.وحتى إن أحيلت معظم الملفات على هيئة مكافحة الفساد فإنه لا يمكن أن ننتظر من ورائها نتائج كبرى نظرا لأنها لا تزال تفتقد إلى آليات ووسائل التقصي الحديثة وفق قوله. مضيفا أن دائرة المحاسبات تنشر سنويا تقارير تبين سوء التصرف في الموارد المالية وجملة من التجاوزات في التصرف في حماية المال العام بشركة نقل تونس ، وقال الميساوي في هذا الجانب أنه يستحيل تتبع كل ما يتعلق بمجال الصرف والنفقات داخل شركة نقل تونس لأن الفساد أخطبوطي حسب تعبيره.وتكتفي دائرة المحاسبات بتوجيه مذكرة تتضمن نموذجا لكيفية التصرف في الأموال العمومية.وقال رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد أن التلاعب بالمال العام متعمد وجريمة في حق المالية العمومية.وأشار أنه من الضروري طرح سؤال ما جدوى كل الهيئات الرقابية في الرقابة على المال العام ؟معتبرا أن عملها دائما يكون منقوصا لأنها تبقى عاجزة عن الإلمام بكل قضايا الفساد المالي والإداري أمام الرصيد البشري الضعيف من جهة وتكتم الإدارة نفسها على هذه الملفات من جهة أخرى وكلها أسباب تساهم في قبر كل ملفات الفساد وفق ما صرح به إبراهيم الميساوي.

عجز مخيف

بلغت ديون شركة نقل تونس 800 مليون دينار موفى سنة 2018 وذلك نتيجة لتركمات بما فيها المبالغ المالية المتخلدة لدى الوزارات بعنوان النقل المجاني التي بلغت حوالي 96 مليون دينار.وقاربت ديون الشركة لدى الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية 193 مليون دينار بالإضافة إلى المصاريف من أجور ومنح وغيرها تقارب الـ 70 مليون دينار.هذه الأرقام قدمها لنا محمد الشملي مدير الاتصال والعلاقات الخارجية بشركة نقل تونس مبينا أنه من الضروري اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة للحد من هذا العجز وتكون الأولوية استخلاص الديون المتخلدة لدى الوزارات بعنوان النقل المجاني بدفع على الأقل 50 مليون دينار بعنوان 2018 والباقي يتم استخلاصه سنة 2019. وأضاف أنه بات من العاجل إقرار الزيادة في التعريفة التي لم تتغير منذ سنة 2003 إلا مرة واحدة بزيادة بـ 10 بالمائة في سنة 2010.وبين الشملي في الإطار نفسه أنه من الضروري أيضا تسريح ما لا يقل عن 720 عون زائدين عن الحاجة بسبب الانتدابات العشوائية وغير المدروسة التي حصلت بعد الثورة بشركة نقل تونس وغيرها من المؤسسات العمومية. وأكد محدثنا أن الحل الأمثل لإنقاذ الشركة من هذا الوضع المتأزم إعادة هيكلتها ماليا وإداريا وإعادة جدولة ديونها حتى تواصل إسداء خدماتها للفئة الشعبية. وأشار إلى أن بإمكان أطراف أخرى منتفعين بشكل مباشر وغير مباشر من النقل العمومي كالمستثمرين والصناعيين والتجار أن يساهموا في تمويل قطاع النقل وذلك بإحداث صندوق الدعم للنقل .وفي نفس الإطار قال الشملي أنه إلى جانب هذه الإجراءات العاجلة يتوجب دعم عمليات التدقيق والمراقبة ورصد كل التجاوزات للحد من الفساد المالي والإداري.

لا وجود لشبهة فساد

ظلت وزارة النّقل على مدى فترة طويلة متخفية وراء موقف شركة نقل تونس الراجعة لها بالنّظر. غير أنّ الوزير السابق رضوان عيارة وجد نفسه مطالبا ببلورة ردّ واضح في مارس 2018 على اثر أسئلة كتابية من قبل أحد نوّاب البرلمان حول إجراءات التدقيق والتفقّد بخصوص التجاوزات المسجلة في صفقة اقتناء حافلات لحساب شركة النقل العمومية. وجاء في ردّ الوزير أنّ «عدد الحافلات العادية التي تم تسلّمها بلغ 57 حافلة فقط من جملة 148 حافلة (ارتفع العدد إلى 73 بعد أخذ التصريح بفترة) كان من المبرمج تسلّمها باتفاق مع المزود على دفعات خلال سنة 2017 (83 عادية و65 مزدوجة). أما بالنسبة إلى القسط الثاني والمتعلق بالحافلات المزدوجة فقد رفضت «شركة نقل تونس» ورغم عديد المراسلات من قبل صاحب الصفقة تسلمها بسبب «إدخال المصنّع تحويرا فنيا على أنابيب تبريد المياه مغاير للخاصيات الفنية المضمّنة بكراس الشروط والعرض الفني المقدم من قبل المزوّد»وقد تمسّكت شركة نقل تونس بهذا الموقف إلى حين رفع هذا التحفظ في إطار التشريع الجاري به العمل (الفصل 11 من العقد الخاص المنظّم للصفقة بالإضافة إلى ما ينصّ عليه الأمر عدد 1093 لسنة 2014 المنظّم للصفقات العمومية) ومصادقة كل الهياكل ذات النظر.وفي هذا السياق أكد محمد الشملي أن الصفقات العمومية لا تقوم بها شركة نقل تونس بل وزارة النقل عن طريق الديوان التونسي للتجارة فهو يقوم بمثل هذه الصفقات ومنها صفقة الـ 494 حافلة الأخيرة .وقال إن الشركة أيضا لا تختار المزود ولا نوعية الحافلات.وأضاف أنه من باب الاحتياط تم تركيز لجان مراقبة وهيكل يُعنى بالتسلم والتي تمكنت من التفطن إلى بعض الاخلالات وإرجاع الحافلات المعطبة وقد أقر المزود بالخلل وتعهد بإصلاحه وتقليص سعر الحافلة بـ500 د للحافلة الواحدة. وقال أنه لا وجود لشبهة فساد والشركة تتابع الملف وكل حيثيات الصفقة حتى يتم اتخاذ القرار من كل الأطراف المعنية لكن في المقابل هناك نقص كبير وحاد في عدد الحافلات الذي ولّد حالة احتقان كبرى وجب التعامل معها بسرعة وفق تعبيره.

تبقى شركة نقل تونس من الشركات الحيوية في البلاد لأنها تقدم خدمات للمواطن البسيط ولكن حجم الفساد داخل هذه الشركة والذي لا يمكن حصره في صفقة واحدة قد يكون اقتطع تذكرة الاندثار لشركة وطنية لذا لابد من التصدي إلى كل أشكال الفساد والتعامل معها بصرامة وجدية لا بسياسة المكيالين والتكتم.