الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



رغم تعدّد قوانين العدالة الانتقالية

ما الذي يعطّل استرجاع الدولة لأموالها؟


إعداد: شكري بن منصور

لا يزال مسار المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال يراوح مكانه بعد ثماني سنوات على الثورة حيث لم يتم ابرام الصلح إلا مع سبعة رجال أعمال فقط من جملة 660 رجل أعمال متهمين بنهب المال العام. ويثير هذا الملف الجدل باستمرار نظرا لحاجة الدولة الملحة لاسترجاع الأموال خاصة في هذا الظرف الحساس الذي تمر به البلاد بسبب الوضع الاقتصادي الصعب. لكن تعطيل هذا المسار يرجعه الخبراء أساسا إلى غياب توافق تام حوله بين الفرقاء السياسيين وكذلك إلى عدم قناعة العديدين بالجدوى الاقتصادية منه بل على العكس من ذلك يتهمون مسار العدالة الانتقالية عموما وهيئة الحقيقة والكرامة خصوصا بالتحول إلى عائق لعودة الاستثمار وترسيخ التخوفات لدى رجال الأعمال. وكان من المتوقع أن يساهم قانون المصالحة الادارية والاقتصادية الذي اقترحته رئاسة الجمهورية بالإضافة إلى مسار العدالة الانتقالية في عودة الانتعاش للاقتصاد من خلال عودة الاستثمار حيث يأمل المسؤولون من خلال القانون في إنعاش الاقتصاد بمليارات الدولارات وإعطاء إشارات إيجابية للمستثمرين في الداخل والخارج لضخ أموالهم خاصة وأن تونس تعاني من عجز مالي كبير في ظل انحسار مواردها وتباطؤ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة.

فلماذا ترفض الدولة استرجاع أموالها المنهوبة وما الذي يعطل مسار العدالة الانتقالية؟

تشير التجارب السابقة في عديد البلدان إلى أن العدالة الانتقالية لم تتضمن المواضيع ذات الصبغة الاقتصادية بل اقتصرت على الانتهاكات التي تهم حقوق الإنسان لكن الخطابات السياسية في تونس تناولت في عديد المناسبات الأدوار التي لعبها رجال الأعمال وتنوعت الاتهامات التي وجّهت إليهم. وبالنظر إلى علاقة رجال الأعمال بالسلطة وقع تسجيل عديد التجاوزات واستغلال النفوذ ونهب المال العام وهذا لم يقتصر على النظام السابق فقط فحتى في عهد الترويكا بعد الثورة لم تنقطع العلاقة بين رجل الأعمال والسلطة وبالتالي فإن عديد الخبراء يشددون على انه لا يمكن محاسبة رجال الأعمال ومطالبتهم بتعويض مالي جراء تعاملهم مع النظام الحاكم . لكن في المقابل يعتبر اخرون أنه لا يمكن تجاوز المرحلة السابقة واقرار المصالحة دون محاسبة المتجاوزين من رجال الأعمال الذي سلكوا طريق الاستثراء غير المشروع.

الخبير في النزاعات في قضايا الطاقة رضا مأمون أكد أن الدولة تعطل ملفات المصالحة وبالتالي ترفض استرجاع أموالها. وأوضح أن 680 ملف طرحت للمصالحة مع المكلف العام السابق بنزاعات الدولة تمت الموافقة على 80 ملفا منها وتم إجراء المصالحة مع ثمانية أشخاص معنيين فقط . فالمتضرر هي الدولة والمكلف في صورة رفض الصلح فإنه يرفض حصول الدولة على أموال كبيرة هي في أمس الحاجة إليها لان موافقة المكلف بنزاعات الدولة على مطلب التحكيم شرط ضروري إلى جانب موافقة صاحب الضرر وهيئة الحقيقة والكرامة هي المحكّم. وشدد رضا مأمون على أن وزير أملاك الدولة السابق مبروك كورشيد قام بتعيين مكلف عام تحوم حوله شبهات فساد وهو الذي قام بتعطيل عمليات المصالحة التي وافق عليها المكلف العام بنزاعات الدولة القديم.

تشتيت الجهود

ومما زاد في تعطيل مسار المصالحة في نظر محدثنا هو تعدد مبادرات المصالحة مثل المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية للمصالحة الإدارية والاقتصادية والتي لم تستقبل أي ملف إلى غاية الآن الأمر الذي مثّل خسائر كبيرة لخزينة الدولة ..وعلى سبيل المثال استفادت الدولة من 307 مليار بعد إقرار المصالحة. وتعود أهم أسباب التعطيل إلى تسييس هذا الملف على غرار ما حصل عندما تمسكت الحكومة بالتحكيم وعدم قبول الصلح في قضية البنك التونسي الفرنسي وفي الأخير كانت النتيجة خسارة تونس للقضية و الحكم بالتعويض بحوالي 1000 مليون دينار. كما أن رفض المكلف العام بنزاعات الدولة التعامل مع 600 ملف تحكيم تسبب في خسارة الدولة لحوالي 2000 مليار على أقل تقدير مشددا على أن هناك فشلا حكوميا في التعاطي مع ملف المصالحة وبما أن العمل على إقرار مبدإ الصلح حاجة ضرورية وهذا متفق عليه لكن يجب الفصل بين الانتهاكات التي تتعلق بحقوق الإنسان والانتهاكات الاقتصادية فليس من المعقول وضع قضايا القتل والتعذيب في نفس خانة القضايا الاقتصادية وبالتالي وجب الإبقاء على هيئة الحقيقة والكرامة وخلق هيكل جديد للنظر في الانتهاكات الاقتصادية لأن الفقرة 9 من الفصل 48 الذي يتعلق بالعدالة الانتقالية تقول «تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها وفي المدة الزمنية المحدودة» وإن نظرنا الى التاريخ فمنذ 14 جانفي صدرت العديد من المبادرات التي تتعلق بالعدالة الانتقالية فالعفو التشريعي العام هو وجه من وجوه العدالة الانتقالية والمصادرة كذلك وجه من وجوه العدالة الانتقالية واللجنة التي ترأسها المرحوم عبد الفتاح عمر هي مبادرة من مبادرات العدالة الانتقالية وبالتالي وجب التقيد بتقارير الهيئات المتتالية التي عملت على كشف الحقائق والنظر في ملفات الرشوة والفساد المالي فمثلا كان من المفروض أن نأخذ بعين الاعتبار تقرير المرحوم عبد الفتاح عمر والتوصيات الصادرة عنه والذي تضمن ملفا كاملا حول تفكيك منظومة الفساد المالي حتى أن عديد الملفات بهذا الخصوص حوّلت الى القضاء للنظر فيها كما حددت نقاط ومجالات وبؤر ومواطن الفساد التي ارتبطت بالسلطة.

غياب الإرادة السياسية

في نفس السياق أوضح جوهر بن مبارك أستاذ القانون الدستوري أن التحكيم الذي سعت إليه هيئة الحقيقة والكرامة بين رجال الأعمال المتهمين بالسطو على أموال الدولة واستغلال النفوذ والعلاقات والمكلف العام بنزاعات الدولة سيعود بالنفع على خزينة الدولة خاصة وأن 660 رجل أعمال يرغبون في أبرام صلح مع الدولة وإرجاع الأموال المنهوبة لكن تمت الموافقة على 7 ملفات فقط من طرف المكلف العام والتي مكنت لوحدها من ضخ 750 مليار في خزينة الدولة. وهذه العملية تمت في عهد الحبيب الصيد عندما كان رئيسا للحكومة. وعبر محدثنا عن استغرابه من رفض الدولة للصلح وإعادة الأموال في حين أن رجال الأعمال المتهمين يطالبون بالصلح كما أن تقديرات هيئة الحقيقة والكرامة تشير إلى أنه لو تم التعاطي مع كل هذه الملفات لتمكنت الدولة من استرجاع أموال بقيمة 7500 مليار وهذا المبلغ يضاهي حجم الأموال التي اقترضتها تونس لمدة عامين من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وعموما يمكن القول أنه وقع تواطؤ بين جميع الوزراء الذين مروا على وزارة أملاك الدولة لإفشال العدالة الانتقالية. وبخصوص قانون المصالحة الإدارية أشار جوهر بن مبارك إلى أن هذا القانون لن تكون له أي مردودية اقتصادية ومالية حقيقية خلافا لما تم ترويجه باعتبار أن الموظفين وأشباه الموظفين سيتمتعون بعفو دون تقديم اي مقابل بالإضافة إلى أن رجال الأعمال المعنيين بالمصالحة إما أن تكون أملاكهم مصادرة أو محل تتبعات وإجراءات قضائية مفتوحة. صحيح فقانون العدالة الانتقالية وغيره من مبادرات في مسار هذا القانون هي وسائل مختلفة لإنجاح هذا المسار ولكن إنجاحه لا يمكن دون الكشف عن الحقيقة التي تعد ركيزة من ركائز المصالحة الوطنية ومرحلة هامة لا يمكن التخلي عنها لإنجاح مسار العدالة الانتقالية فمهما كانت الانتهاكات سواء كانت من طرف محام أو رجل أعمال أو خبير محاسب أو إلى غير ذلك فوجب الاعتراف والاعتذار ثم المصالحة وبالتالي فإن هاته المبادرة أي مشروع المصالحة الوطنية هو قانون غير عادل وبناء على ذلك نحن مع هذه المبادرة ومع الصلح ولكن بعد الاعتراف والاعتذار في إطار قانون العدالة الانتقالية.