الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



ارتفاع نسبة الأمية

خطر كبير على الانتخابات المقبلة...



إعداد: سميحة الهلالي

أكثر من 100 ألف طفل سنويا ينقطعون عن التعليم وهو ما يعني آليا تجاوز هذا الرقم في 2018 إلى أكثر من 700 ألف طفل يجهلون القراءة والكتابة. هذه الارقام تعتبر من بين الاسباب الرئيسيةلارتفاع ظاهرة الأمية من 18.2بالمائة سنة 2010 إلى 19.2 سنة 2018 حيث أخذت نسقا تصاعديا منذ بداية الاستقلال حيث كانت في حدود 90 بالمائة وتم النزول بها إلى 18.2 بالمائة بين 2010 و 2011.

ولكن تراجع هذا المجهود بسبب الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد على حد تعبير بعض المتدخلين في هذا الشأن مما أدى الى ارتفاع الأمية وخسارة نقطة. فلقد كانت بلادنا تتباهى على مدى عقود بسياستها لتعميم التعليم ومجانيته في فترة بناء دولة الاستقلال لكن ضعف برامج التعليم الذي رافق الفترة الأخيرة من حكم الرئيس السابق الى جانب الاضطرابات الاجتماعية والأزمة الاقتصادية التي عقبت الثورة أدت الى حالة انهيار في المجال التعليمي امام تداعي البنية التحتية لآلاف المدارس وتراجع مردودية القطاع وتشتته وتهميشه مما ادى الى تسجيل ما بين 100 ألف و120 ألف حالة انقطاع عن الدراسة مبكرا تشهدها المدارس.

فلقد عرف برنامج محو الأمية أو ما يعرف ببرنامج تعليم الكبار عديد الصعوبات بعد الثورة من نقص في الامكانيات المادية الى تهميش منقطع النظير للمشرفين على التعليم اضافة الى غياب المقرات وانعدام معدات التعليم وقد استفحلت الازمة خاصة سنة 2013 ويعتبر بذلك هذا البرنامج في حكم المعطّل وكان ذلك خلال فترة حكم الترويكا حيث اعتبرت بعض الاطراف ان ايقاف برنامج محو الامية كان بقرار سياسي لتستفيد منه بعض الاطراف التي تعمل اثناء حملتها الانتخابية على استقطاب كتلة الاميين لسهولة اللعب بعقولهم. وهو ما يعتبر من اكثر المخاطر التي لا تتماشى والديمقراطية و التي اعتمدتها بعض الاحزاب لتغيير الموازين الانتخابية. فهل ننتظر أن ننشئ جيلا منقطعا عن التعليم ثم نتدارك الأمر ببرامج محو الأمية؟وكيف لا تزداد نسبة الأميّة وقد غابت البرامج التي تعطي أولوية للثقافة والتعليم من لائحة الحكومات المتعاقبة بعد الثورة؟وماهي الاسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه النكسة؟ وكيف سيتم تجاوزها؟من يقف وراء تهميش برنامج محو الامية ومن هو الطرف السياسي المستفيد من ذلك؟

مثّل ارتفاع نسبة الأمية في البلاد لأول مرة منذ الاستقلال، صدمة كبيرة لبلد راهن منذ استقلاله على جودة التعليم وتحديث المجتمع ولا تزال نخبته بعد الثورة تتفاخر بذلك محليا ودوليا كما أن نسبة الأمية في تونس شهدت ارتفاعا لأول مرة منذ الاستقلال لتبلغ 19.1 بالمائة في 2018 بعد أن كانت في حدود 18.2 بالمائة في عام 2010. و سيتم خلال السنة المقبلة ، إعادة تفعيل برنامج محو الأمية وتعليم الكبار ومخطط لبعث مركز وطني في ذات المجال بهدف صياغة استراتيجية وطنية للتقليص من نسبة الامية.

الفقر والتهميش

إن ارتفاع نسبة الأمية يكشف عن هنّات الوضع العام ببلادنا في السنوات الأخيرة فقد تراجعت كثيرا السياسة النشيطة للدولة في مجال مكافحة الامية سواء بسبب قلة الاعتمادات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة أو بسبب التسيب السياسي الذي طبع الوضع العام منذ سنة 2011. وتعد هذه المؤشرات بمثابة المنعرج الخطير في بلد بنى كل مجهوداته التنموية والتحديثية بعد الاستقلال على التعليم. كما أنها تعد ايضا بمثابة النكسة في مرحلة الانتقال الديمقراطي للبلاد.وقد كان المعهد الوطني للإحصاء كشف ان نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014 بينت ان معدل نسبة الأمية في تونس تراجع إلى 18.8 بالمائة مقابل 23.3 بالمائة في تعداد 2004 وتوزعت نسبة الأمية على 25 بالمائة لدى الإناث و12.4 بالمائة للذكور.كما سجلت ارتفاعا في الوسط الريفي لتصل إلى مستوى 32.2 بالمائة مقابل 12.5 بالمائة في الوسط البلدي وفق تعداد سنة 2014. و تعود أسباب ارتفاع نسب الأمية في تونس الى عوامل كثيرة لعل أهمها غياب الارادة السياسية في معالجة هذه المعضلة.

الانقطاع المبكر عن التعليم

لقد سبق للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ان حذّر من أن السياسات الاقتصادية وتنامي عديد الظواهر بعد الثورة سيكون لها وقع سلبي على عديد المؤشرات الاجتماعية مثل نسبة الامية، ذلك ما بينه السيد رمضان بن عمر عضو بالمنتدى مضيفا ان الإعلان عن الرقم لم يكن يشكل صدمة لمن تابع عن قرب بعض المؤشرات سواء الواردة في تقارير المنتدى بعنوان الانقطاع المدرسي: الظاهرة ودراسة «المدرسة في عيون الاولياء» او في سياسة الدولة التي خفضت نفقات عديد القطاعات الحيوية كالتربية والبرامج المتصلة بها مثل برنامج محو الامية والتي مثل ارتفاعها نكسة وضربا لمفخرة دولة الاستقلال حول انتشار التعليم وللمجهود التحديثي والتنموي وتنضاف الى ذلك مؤشرات فشل حكومات ما بعد الثورة ليس في تحقيق تطلعات التونسيين في الحرية والكرامة والتنمية فقط بل أيضا في المحافظة على مكتسبات المجموعة الوطنية فالنسبة الصادمة للانقطاع المدرسي وتفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية وتراجع التعليم ودوره كمصعد اجتماعي ليفسح المجال لسيطرة الفساد والانتهازية والزبونية والفئوية وعقليه الربح السريع لم يقابلها من الجانب الحكومي سوى برامج ومشاريع دعائية كرنفالية (المدرسة تستعيد أبنائها, ومدرسة الفرصة الثانية وغيرها) دون جدوى تذكر فالحل يكمن في منوال تنموي عادل يحد من الحيف والاقصاء والتهميش و يدعو الى عدم التعامل مع الحقوق الاساسية (الصحة والتعليم..) بمنطق التوازنات المالية وإصلاح حقيقي للمنظومة التربوية يقطع مع الكبت الفكري والقهر والعنف ويفتح المجال للإبداع وبناء الشخصية بشكل متكامل ومتوازن.

ويضيف محدثنا ان الانقطاع المدرسي الاداري شهد تطورا في السنوات الاخيرة ليبلغ اكثر من 112الف منقطع خلال السنة الدراسية 2012-2011 وهو ما يمثل اكثر من 11 بالمائة من مجموع التلامذة المرسمين في المرحلتين الاعدادية والثانوية وحوالي 1بالمائة من المرسمين بالمرحلة الابتدائية. وهذه الارقام المفزعة كان المنتدى أول من نشرها و تشير لانقطاع أكثر من 100 ألف طفل سنويا عن التعليم وهو ما يعني آليا تجاوز هذا الرقم في 2018 إلى أكثر من 700 ألف طفل يجهلون القراءة والكتابة. وأشار محدثنا إلى أن مناطق داخلية للبلاد كالقيروان وسيدي بوزيد حيث ترتفع فيها نسبة الفقر والبطالة، تكون الأسرة فيها مخيّرة بين توفير الأكل لأبنائها أو تدريسهم...

عوائق التعلم

الامية منتشرة في العالم اذ يوجد 755 مليون أمي والامي وفق تعريف منظمة اليونسكو من لا يعرف الكتابة والقراءة والحساب ولدينا في العالم العربي 70 مليون امي بالنسبة للفئة العمرية التي تفوق 15 سنة فما فوق ذلك ما بينه الاستاذ الجامعي بحري رزيق مضيفا ان الامية في صفوف المرأة تمثل ثلثي الامية في العالم العربي ويضيف محدثنا انه خلال الثلاثين سنة الاخيرة هناك تطور في السياسة التعليمية في العالم. واكثر التطورات عرفتها شمال افريقيا واسيا الغربية والجنوبية والشرقية وهو ما يمثل تطورا ايجابيا على مستوى محو الامية اما في مايخص شمال افريقيا فقد كان ترتيب اليونسكو لنسبة التعلم لسنة2013 كالتالي ليبيا 89.5 بالمائة تليها تونس 79.1 وتليها الجزائر 72.6 بالمائة ثم المغرب 67.1 بالمائة وموريتانيا 58.6 بالمائة.

ويضيف محدثنا ان نسبة التمدرس حاليا ببلادنا تقدر بـ99 بالمائة وهو مايعني أن اغلبية افراد الشعب تمر عبر التمدرس لذلك لابد من البحث عن اسباب الامية بعد الدراسة وهي اجتماعية ونفسية و اقتصادية و تتعلق بالمنظومة التربوية في حد ذاتها.ويضيف محدثنا ان العائلات المفقرة يكون هناك اكثر احتمالا في انقطاع ابنائها عن الدراسة لذلك يعتبر الفقر من اهم الاسباب المؤدية الى الانقطاع عن الدراسة وكذلك من الاسباب الاخرى القطيعة في مستو ى اللغة العامة ولغة التدريس وهو ما يمثل عائقا من عوائق التعلم ومشجعا على الانقطاع عن الدراسة كما انه في كل بلدان العالم عندما تكون المنظومة التعليمية ضعيفة فان ذلك يؤدي الى تضخم في ارقام الامية ويؤكد محدثناانه وفق ملاحظته الخاصة فان 50 بالمائة من اسباب الانقطاع عن الدراسة تتمثل في غياب الارشاد والاحاطة النفسية اثناء انتقال التلميذ من مرحلة تعليمية الى اخرى (الابتدائي, اعدادي، ثانوي، جامعي) لذلك لابد لتفادي ذلك من توفر مختصين نفسيين للتأطير والادماج في البيئة الجديدة. اما الـ50 بالمائة الاخرى فتتمثل في الظروف الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص بين المؤسسات التعليمية بين ا لريف والمدينة كما ان المنظومة التعليمية ليست مبنية على تقديم الكفاءات وانما مبنية على التكوين الجماعي واستكمال البرامج.

ويؤكد محدثنا من ناحية اخرى ان العائلة التي يكون في الوالدان اميين تمثل يمثل كارثة مزدوجة لان الامية يصبح لها اثر مزدوج وتؤسس لعائلات امية ومجتمع امي وتعريف المجتمع الامي هو المجتمع الذي لا يقوم بإصلاحات ضد الأمية. ويقول محدثنا اننا حاليا مجتمع امي لعدة اسباب وهي غياب قرارات سياسية لمقاومة الامية ولا وجود لبرامج اصلاحية وبرامج لمقاومة هذه الظاهرة ويؤكد محدثنا ان المجتمع الأمي لا يتجانس مع المجتمع الديمقراطي لان كل مواطن امي في الانتخابات يعادل صوته صوت المثقف ويمكن ان يساهم في قلب الموازين من خلال شراء ذمته. ويقول محدثنا قرابة 20 بالمائة من الاميين تتجاوز اعمارهم 18 سنة وهو ما يعني ان مابين 15 و16 بالمائة يمثلون جسما انتخابيا وهم تحت سيطرة احزاب بعينها وهو مايمثل كارثة حقيقية لأنه لا يمكن الحديث عن تنمية سياسية وديمقراطية ولدينا هذا الحجم من الاميين الذين يمثلون كارثة وطنية مباشرة يمكن استقطابهم من قبل الاحزاب بسهولة.

وفي السياق نفسه يقول محدثنا ان ايقاف برنامج محو الامية هو قرار سياسي وتساءل في مصلحة من يصب؟ وعرج من جهة اخرى على ان الامية اليوم لاتقتصر فقط على جهل الكتابة والقراءة والحساب ولكن اليوم نحن امام غزو التكنولوجيات والامية في هذا المجال تؤدي الى العزلة لان تكنولوجيا التواصل الاجتماعي تعزله. ويقول محدثنا من جهة اخرى انه اذا كان سيتم اعادة برنامج محو الامية فلابد ان يكون على اسس صحيحة اولا ادماج المنقطعين الذين لهم جزء من الامية وتغييره من محو الامية للكبار الى برنامج محو الامية لان الامية لم تعد تقتصر على كبار السن فقط.

منعرج خطير

بداية هناك حقيقتان لا بدّ أن نكون على بيّنة منهما أمّا الأولى فهي أن مؤشّر الأمّيّة من المؤشّرات متعدّدة الدّلالة وهو لذلك يدخل في احتساب عديد المؤشّرات الأخرى مثل مؤشّر التّنافسيّة الاقتصاديّة والتّنمية البشريّة وجودة التّعليم وتكافؤ الفرص بين الجنسين وجميعها مؤشّرات بالغة الأهمّيّة تعتمد عليها الوكالات الدوليّة المختصّة في ما تنجزه من تصنيفات وما تصدره من تقارير ولذلك فإنّ علينا أن ننتظر الآثار السّلبيّة لارتفاع نسبة الأمّيّة في بلادنا في تلك التّصنيفات والتّقارير. وأمّا الحقيقة الثّانية فهي أنّ تغيّر اتّجاه مؤشّر الأمّيّة نحو الارتفاع أو الانخفاض لا يتمّ بين عشيّة وضحاها بل هو نتيجة لمراكمة مجموعة من العوامل طيلة سنوات عديدة وهو ما يجعلنا نتساءل كيف أمكن أن تعود الأمّيّة إلى الارتفاع في تونس لأوّل مرّة منذ الاستقلال وما الذي أوصلنا إلى هذا المنعرج الخطير، ذلك ما عبر عنه رئيس جمعية جودة التعليم قاسم سليم متسائلا في الان ذاته «كيف يمكننا بالخصوص أن نعود بالأمّيّة إلى نسب معقولة في انتظار التّخلّص منها نهائيّا؟». مضيفا إنّ الأرقام تعطينا عناصر أولى للإجابة عن هذه التّساؤلات: فأمام جيش من الأمّيّين يناهز عدد أفراده المليونين تستنفر بلادنا أقلّ من 120 معلّما قارّا وأقلّ من 1000 معلّم عرضيّ. وحتّى نقرّب الصّورة من الأذهان فإنّنا نعتمد لتدريس نفس العدد من التّلاميذ تقريبا على أكثر من 150 ألف معلّم وأستاذ، أمّا الميزانيّة السّنويّة للبرنامج الوطني لمحو الأمّيّة وتعليم الكبار فهي أقلّ بكثير ممّا تنفقه المنظومة التّربويّة في يوم واحد. إنّنا أمام وضع سرياليّ نحلم فيه بتخليص مليوني تونسيّة وتونسيّ من الأمّيّة ببرنامج لا يستطيع استقبال أكثر من 20 ألف دارس سنويّا وقد زادت حكومة التّرويكا عام 2013 على ذلك فقلّصت ميزانيّة البرنامج بنسبة ٪75 وسرّحت معظم العاملين فيه، فلماذا نتفاجأ اليوم بارتفاع نسبة الأمّيّين؟.

ومن ناحية أخرى يقول محدثنا إنّ ارتفاع نسبة الأمّيّة يعني أنّ عدد الملتحقين بصفوفها من بين شبابنا يتجاوز سنويّا مجموع عدد المتحرّرين منها وعدد المتوفّين من بين الأميين والحال أنّ إصلاح التّعليم لعام 1991 قد أقرّ إجباريّة التّعليم الإعداديّ وهو ما يعني نظريّا ألاّ نجد اليوم في تونس أيّ أمّيّ سنّه دون 33 سنة. إنّ الواجب يقتضي أن نعيد فتح ملفّ هذا الإصلاح وكلّ ما جاء به من توجّهات وما ترتّب عنه من قرارات ومقاربات: فإعادة هيكلة التّعليم المدرسي وحذف التّعليم المهنيّ واعتماد المقاربة بالكفايات واعتماد الطريقة الكلّيّة لتعليم القراءة وإعادة النّظر في البرامج والكتب المدرسيّة ومنظومة التّقييم، لم تستند إلى أيّ أسس علميّة ولا إلى دراسات ميدانيّة ولا إلى تجارب دوليّة مقارنة بل كانت كلّها إجراءات جاهزة مسقطة وها نحن نرى نتائجها الكارثيّة من حيث ارتفاع نسب الأمّيّة وعدد المنقطعين عن التّعليم وتراجع مستوى الخرّيجين وهو ما يضعنا عمليّا في مصاف الدّول المتخلّفة بعد ريادتنا التّربويّة طيلة عقود.