الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



فيما تعوّل عليه الأحزاب الكبرى وتستهجنه الصغرى

المال «المشبوه» اغتيال للتجربة الديمقراطية



إعداد: منصف عويساوي

تجمع الأحزاب التونسية الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني، على أن المال السياسي الفاسد الذي بات يسيطر على المشهد السياسي التونسي، ويضرب الانتخابات التشريعية في العمق، يتأتى سواء من خلال اكتساح رجال الأعمال للاستحقاقات الانتخابية إما بترشيح ممثليهم او بتمويل قوائم بعينها تكون في خدمتهم عند فوزها في الانتخابات ويتجلى ذلك خاصة في الاحزاب الكبرى أو كذلك من خلال عامل خارجي يتمثل في زواج المال وهو ما ميّز الانتخابات التشريعية لسنة 2014، وهذا يعد مؤشرا واضحا يعكس إخفاق النخب السياسية والأحزاب السياسية في مواجهة هجمة رجال الأعمال والمال التي تصدرت المشهد السياسي والانتخابي التونسي ما بعد الثورة،وأصبح المال "الفاسد" ملاذهم الأول والأسهل للقيام بحملاتهم الانتخابية من اجل الفوز بأصوات الناخبين وتصدر المشهد السياسي إما برلمانيا أو رئاسيا..لكن في المقابل يمثل اكتساح مال رجال الأعمال والتمويلات الأجنبية المشبوهة عثرة وهاجسا أمام الأحزاب الصغيرة ويصعّب من مهمتها في منافسة الأحزاب الكبرى في الاستحقاقات الانتخابية فماهى تجليات وانعكاسات ظاهرة التمويلات الأجنبية والمال "الفاسد" في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية الوطنية؟ وهل تكفي اليات الرقابة والتشريعات المعمول بها للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة التي تنخر وتستهدف ديمقراطيتنا الناشئة؟

جميعنا تقريبا عشنا وقع الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014 وما حصل خلالها من ممارسات سياسية هدفها الوحيد التلاعب بإرادة التونسيين لكسب أصواتهم ، وهي لعمري حالة من إفلاس الأحزاب السياسية التي ارتمت في أحضان رجال المال والأعمال، وباتت لا تهتم بمدى تجاوب الناخبين مع برامجها بقدر ما تعمل بكل الوسائل للوصول إليها عن طريق شراء أصواتهم.

فالأحزاب السياسية وخاصة منها الليبرالية لها اقتناع راسخ بان الفوز في الانتخابات يمر حتما عبر قدرة رجال المال والأعمال من خلال ضخهم لأموال طائلة وتمويل حملاتهم الانتخابية ووصف خبراء في الشأن السياسي الوطني ذلك بالزواج غير الشرعي بين المال والسياسة والذي من شانه أن يقود في غالب الأحيان ان لم نقل في مجملها إلى نتائج كارثية لا تعكس طموحات الشعب ولا أهداف الثورة، بل من شأن هذا التزاوج بين المال والسياسة أن يعيد إنتاج النظام الديكتاتوري القديم في حلّة ثوب ديمقراطي زائف، تتقاسم فيه الحيتان القديمة والجديدة الكبرى الهيمنة على مفاصل الدولة والثروة.

حيث يؤكد المتابعون للشأن الوطني اليوم أن الدور الأكبر في الانتخابات يكون غالبا من نصيب المال السياسي خاصة في ظل التجاذبات الداخلية والإقليمية والدولية، وخوض عدد كبير من رجال الأعمال لعالم السياسة ومراهنة الأحزاب الكبرى على الأثرياء من رجال الأعمال والمستثمرين في رئاسة قوائمها الانتخابية، يمثّلان دليلا على توجه سياسي عام للسيطرة على مفاصل الدولة عبر قوى المال والأعمال.

نظام انتخابي فاسد

محمد الكيلاني رئيس الحزب الاشتراكي أبرز في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أننا ازاء أقلية تحكم وتتحّكم وأغلبية من أحزاب الرأي والأحزاب التي تحتج وهي من الأغلبية الساحقة للمكونات الحزبية وبين هذا وذاك فرق شاسع كالمسافة الفاصلة بين السماء والأرض، فالناس اليوم يصطفون وراء من يخدم مصالحهم والمواطنون صوتوا للأحزاب الكبرى لأنهم يعتقدون أنهم سيستجيبون لمطالبهم ومصالحهم،فأغلبية الأحزاب السياسية اليوم ممولة من قبل المال الفاسد والعصابات، باستثناء قلة قليلة من الأحزاب الفقيرة متطوعين يديرون شؤونهم من تمويلهم الذاتي.فالمجتمع مازال إلى حد اليوم لا يصغي لهذه الأقلية من الأحزاب وهي مرحلة طبيعية جدا لكن الذي دمّر ثقة المواطن في السياسة والسياسيين هي الأحزاب التي مسكت بالسلطة وهي التي صوت لها المواطن نفسه.

واضاف «نظامنا الانتخابي فاسد خاصة ونحن نتحدث عن نظام بثلاث رؤوس مما زاد في إشكالات الحكم وعمليات الجذب المتواصلة بين مكونات الحكم، ولقد شهدنا في كافة المراحل والاستحقاقات الانتخابية الفارطة أن هناك أعداد اهامة من الناخبين تصوت لصالح حزب أو قائمات معينة بمجرد حصولها على الأموال ويتم شراء ضمائرهم، وهناك أحزاب كبرى حاليا تستعد لإدخال أموال هائلة لتمويل حملاتها الانتخابية وستضاعف الأحزاب الكبرى من تأبيد الفساد السياسي والفساد الاجتماعي في تونس».

صوت الناخب من 10 الى 50 دينارا

من جانبه تحدث أحمد الصديق النائب بمجلس نواب الشعب والقيادي بالجبهة الشعبية عن العمل الميداني للسياسيين والأحزاب في علاقة بمجمل الاستحقاقات الانتخابية حيث أشار في هذا الإطار أن الناخب لا يتبع فقط ما يقوله قادة الأحزاب في مختلف وسائل الإعلام أو في البرلمان، الناخب لا بد من أن نصل إليه وان نصل إليه تلك قصة أخرى تستدعى حدا أدنى من الإمكانات نفتقد معظمها ونحن نعمل بفارق واسع عندما ننزل على الميدان ونعمل بالمتطوعين عكس الأحزاب اليمينية التي تعمل بجزء قليل من المتطوعين وتعمل مع أجراء.

وقال القيادي في الجبهة الشعبية في السياق ذاته أن نفس هذا الناخب عندما يحاول المرة الأولى والثانية وفي نهاية الأمر سيصل إلى استنتاج أن من اشترى صوته بعشرة دنانير أو بعشرين دينارا أوحتى بخمسين دينارا قد ضرّه في قفته وفي معيشته وفي أجره وفي الخدمات المسداة من طرف الدولة وواضح بالنسبة إلينا بأن أولائك لا يخدمون إلا مصالحهم ومع ذلك سيتواصل في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة شراء الأصوات وربما بحجم اقل من انتخابات 2014،وعلينا ان نعمل ليلا نهارا من اجل تحجيم تلك الأصوات التي تشترى بالمال ونوّسع دائرة الغاضبين من تلك السياسات حتى يعاقبون انتخابيا، فقمة الوعى الانتخابي هو أن المواطن الفقير والمعدم يجب أن لا يعطي صوته مقابل المال وإنما يعطيه مقابل الموقف والوعد ومقابل جزاء ومعاقبة اولائك الذين لم يخدموا مصلحتهم رغم أنهم صوتوا إليه.

واضاف أنه أمام القوى الديمقراطية والتقدمية الاجتماعية عمل كبير وجدي وميداني شاق لخوضه من اجل أن نوّسع الوعي الانتخابي ونضيّق قدر الإمكانا من عقلية القطيع وشراء الذمم.

تشديد آليات الرقابة

ليلى الشرايبي رئيسة الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات «عتيد» أوضحت في سياق متصل على ضرورة أن توفر الدولة الإطارات اللازمة لمراقبة عمل الأحزاب وتطالبهم بتقديم تقاريرهم الأدبية والمالية وهذا للأسف ليس موجودا إلى حد الآن، وكما نعلم جميعا في المجال السياسي أن المال هو قوام الأعمال.

ولتفادي انتشار المال «الفساد» قالت الشرايبي انه يتوجب على الدولة وضع آليات رقابية وتشديدها لمراقبة الانتخابات وضمان نزاهتها ويجب تطبيق القانون المتعلق بالأحزاب أو في علاقة بالجمعيات ومحاسبة كافة الأحزاب ومراقبة مداخيلها ومخاريجها، على اعتبار ان المال يلعب دورا كبيرا في الانتخابات.

وفي علاقة بالهيئة العليا للانتخابات أكدت رئيسة جمعية «عتيد» على ضرورة تعزيز الهيئة لمراقبيها في مختلف الفروع في كافة الجهات ونشر تقاريرها وفضح تجاوزات كافة الأحزاب السياسية، ففي الانتخابات البلدية الفارطة خصصت الهيئة عددا غير كاف من مراقبيها في مختلف الدوائر الانتخابية.

واضافت في هذا المستوى أن الهيئة العليا للانتخابات رفعت في الانتخابات الأخيرة كل التجاوزات الحاصلة في مختلف الدوائر إلى القضاء ولم تفعّل دورها الأساسي في تطبيق العقوبات الانتخابية والذهاب الى إسقاط القوائم بل رفعتها إلى القضاء وكذلك دائرة المحاسبات قامت بعملها في هذه الانتخابات البلدية الأخيرة لكن تنقصها الموارد البشرية والمالية اللازمة.

مراقبة ضعيفة

منار اسكندراني الناشط السياسي والقيادي السابق في حركة النهضة أكد في حديثه لـ« الصحافة اليوم» أن الفساد الحقيقي هو الفساد داخل الدولة واعتبر أن الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة سنة 2019 ستكون اقل فسادا من انتخابات 2014، والأحزاب التي تقول عكس هذا فهي تتحدث من منطلق خوفها من الهزيمة خاصة وأن المجتمع المدني التونسي أصبح أقوى من قبل فضلا عن هيئات الرقابة.

وفي تعليقه حول ما يقال بان هناك جمعيات خيرية تتلقى تمويلات من الخارج باسم تمويلات أحزاب بعينها تحت يافطة العمل الجمعياتي قال محدثنا « أستبعد أن تعمل أحزاب باستغلال الجمعيات لتمويل حملاتها الانتخابية وهي غير مستحقة للتخفي وراء الجمعيات وما يحوم حول أن حركة النهضة تستغل عديد الجمعيات لإدخال الأموال من الخارج وتمويل الحركة في علاقة بالاستحقاقات الانتخابية خال من الصحة وهيليست في حاجة إلى الاستعانة بالجمعيات.»

كما أنه لم يستبعد أن يكون هناك رجال أعمال يموّلون الحملات الانتخابية لعدد من الأحزاب الكبرى مشيرا أن تونس في الطريق الصحيح اعتبارا إلى أننا في مرحلة انتقالية ومع ذلك فان كل أشكال الفساد التي طغت في السنوات الأولى بعد الثورة بدأت تتقلص كثيرا في السنتين الأخيرتين نتيجة بداية نضج الأحزاب والمجتمع المدني.

وبالرجوع إلى القانون الانتخابي في تونس فإننا نجده لا يقر صراحة على مراقبة حسابات المرشحين الى الانتخابات ، حيث أكد عديد الخبراء في القانون العام أو القانون الدستوري أنه يحمل العديد من الثغرات، فهيئة الرقابة العمومية للانتخابات في تونس لا تستطيع أن تراقب التمويل المشبوه المتأتي من قبل أصحاب المال داخليا ومن قبل القوى الإقليمية خارجيا، أو عبر بوابة الجمعيات الخيرية أو الهبات العينية أو التحويلات الكبيرة.

ويؤكد خبراء على وجود بعض الثغرات في القانون الانتخابي ، فهيئات الرقابة العمومية يمكنها مراقبة الحسابات المالية الخاصة بالانتخابات التشريعية أو الرئاسية التي تمنحها الدولة للمترشحين، ولكنها لا تستطيع أن تراقب حساباتهم الشخصية ولا حسابات المرشحين معهم بنفس القائمة، وهو ما يمكن المرشحين من تمويل حملاتهم بأموال تأتي من مصادر مشبوهة بالخارج أو الداخل دون أن يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي أقرها القانون ، فسقف التمويل الانتخابي الذي أقره القانون يبقى سقفا نظريا إذ أن المبالغ التي تصرف فعليا تتجاوز بكثير ما هو موثق بالدفاتر ولدى هيئة الانتخابات.