الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



جدل بخصوص تعويضات صندوق الكرامة

بين الحق والباطل



إعداد: لطيفة بن عمارة

لايزال مسار العدالة الانتقالية ومخرجاته خاضعا لمنطق التجاذب والتوظيف السياسي،وقد أثار الأمر الحكومي عدد 211 لسنة 2018 المؤرخ في 28 فيفري 2018 والمتعلق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله جدلا واسعا حيث ينص الأمر الحكومي في فصله الثالث “ترصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 مليون دينار”، على أن تتكون موارده من نسبة من الأموال الراجعة لميزانية الدولة والمتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة وتضبط هذه النسبة بقرار من رئيس الحكومة ومن الهبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة وكل المصادر الأخرى التي يمكن رصدها لفائدة الصندوق طبقا للتشاريع الجاري بها العمل.وكان صندوق الكرامة قد خلف جدلاً سياسياً حاداً بين التيارات اليسارية والأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها حركة النهضة، منذ اقتراحه قبل أربع سنوات. ففي حين تقول النهضة إن من حق الضحايا، من مختلف الاتجاهات السياسية والايديولوجية، الحصول على تعويضات عن سنوات الظلم والاستبداد، اعتبرت الأحزاب اليسارية أن النهضة تبحث عن مقابل لسنوات نضالها السياسي، وصرحت قياداتها بأن من ناضل لا ينتظر مكافأة مالية عن نضاله، مهما كانت قسوة تلك النضالات.

بلغ التوتر والصراع السياسي بين الأطراف السياسية مداه الأقصى، إثر اقتراح المنجي الحرباوي، القيادي في حزب النداء، تحويل مداخيل «صندوق الكرامة» لفائدة العائلات المعوزة، بدل تقديمه تعويضات لفائدة ضحايا الانتهاكات السياسية خلال الفترة الممتدة من عام 1955 حتى 2013، ومعظمهم من مناضلي النهضة. و يلتقي الجميع في انتقاد قبول مؤيدي حركة النهضة لتعويضات مالية عن سنوات نضالهم و في هذا السياق اعتبرت النائبة فاطمة المسدي أنها ضد مقترح التعويضات عن سنوات النضال لأن النضال من أجل مبدإ سام واختيارا عن وعي و عن مسؤولية و لا يمكن تقييمه بالنقود واصفة من يطالب بالتعويضات المالية بالمرتزقة.وقالت المسدي في الإطار ذاته أن هذا الوضع هو مواصلة لسياسة الغنيمة التي انتهجتها الترويكا و خاصة حركة النهضة و هذا ليس قولا من فراغ بل يتضح جليا من خلال الانتدابات العشوائية من 2013و ميزانية 2013 و الجمعيات التي تم تمويلها من أطراف أجنبية و من خلال كل الجرائم التي حصلت في حق المال العام وفق تعبيرها.وقالت أن بعد كل هذا تأتي هيئة الحقيقة و الكرامة بقانون غير معقول بالمرة بما أن الهيئة لم تجهز تقييما جديا لتحديد مقياس الضرر و عدد المتضررين الحقيقيين.و أكدت أن النهضة اختارت أبناءها لتعويضهم و هذا مؤكد إذا تم فتح بحث عن من انتفع بالتعويضات وستجد معظمهم من حركة النهضة يعني اليوم الذين قاموا بحرق السفارة الأمريكية سيتم تعويضهم ومن اعتدوا على المثقفين وعنفوا المفكرين سيصبحون هم الأحق بالغنيمة حسب قولها.واعتبرت أن صندوق الكرامة هو أكبر مغالطة و أكبر سرقة في تاريخ تونس.و أما بالنسبة لسهام بن سدرين فقد اعتبرتها شريكة في عملية تقسيم تونس و ستتحمل يوم ما نتائج أعمالها و ستحاسب على خيانتها لتونس وفق قول فاطمة المسدي التي أكدت أن الكرة عند السلطة التنفيذية الآن فإذا وافقت أن تختلس موارد الدولة و تقدمها لأقلية مرتزقة يجب أن تحمّل هي المسؤولية كاملة.

خلل إجرائي و تجاوزات خطيرة !!!

إن الطبقة السياسية تدرك أن مسار إحداث صندوق الكرامة قد انطلق منذ 2013 ونص على أن الحكومة تخصص مبلغ 10 مليون دينار كاعتمادات له مباشرة اثر صدور الأمر الحكومي المنظم له، والذي صدر في مارس الفارط بالرائد الرسمي.

هذا الأمر الحكومي ضبط طرق تنظيم «صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد» عبر فصوله 11 التي تنظم عمل وتسيير وتمويل الصندوق المحدث بمقتضى الفصل 93 من القانون عدد 54 لسنة 2013 المؤرخ في 30 ديسمبر 2013 المتعلق بقانون المالية لسنة 2014 ، لكن الخلاف اليوم مرده تطبيق الفصل الثالث من الأمر الحكومي الذي يقضي برصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 مليون دينار. وهو ما تم في قانون مالية 2019، وقابله رفض من جل الأطياف السياسية استند إلى مزاج عام شعبي يرى في ملف التعويضات أمرا تجاوز حده وبات يمثل عبءا على الميزانية.

وفي هذا السياق اعتبر زهير مخلوف نائب رئيس هيئة الحقيقة و الكرامة سابقا أن هيئة الحقيقة و الكرامة لم تقم بدورها الأساسي وهو جبر الضرر و تحقيق مصالحة وطنية شاملة بعد القيام بالمساءلة و تقديم توصيات و تصورات للإصلاح السياسي و المؤسساتي،معتبرا أن هذا فشل تام بكل المقاييس بالإضافة إلى عدم حصر القائمة النهائية لضحايا الاستبداد و بالتالي جبر الضرر لن يتحقق.وقال مخلوف أنه كان من المفترض أن تقوم الهيئة بتحديد القائمة الاسمية للضحايا خلال السنة الأولى من عمل الهيئة حتى تفتح فيه نقاشات و حوارات حول المعايير المعتمدة في تحديد القائمة ولكن إلى حد هذه الساعة لا توجد معايير محددة وواضحة وهذا ما يطرح عديد التساؤلات حول المقرر الشامل وقائمة الضحايا.و بين زهير مخلوف أنه بعد ثماني سنوات من اندلاع ثورة 14 جانفي لم تُحدد إلى الآن قائمة جرحى وضحايا الثورة التي لا تتخطى الألفي شخص تقريبا فما بالك بضحايا أكثر من خمسين سنة.كما عرج نائب رئيس هيئة الحقيقة و الكرامة الأسبق على خلل آخر وهو أن لجنة جبر الضرر متكونة في الأساس من خمسة أعضاء أربعة منهم فيهم من استقال و منهم من تمت إقالته و بقيت رئيسة اللجنة بمفردها وهذا ما يؤكد أن مقرر لجنة الفرد الواحد حسب تعبيره هو مقرر باطل، مضيفا أن المقررات الفردية التي لم تحدد إلى الآن تعتبر لاغية لأنه سيتم إعدادها خارج الآجال القانونية وهذا يُعد إخفاقا شاملا لعمل الهيئة.كما أشار مخلوف أن هناك تجاوزات خطيرة صلب الهيئة من بينها حصول الكثير على تعويضات مستعجلة دون إثبات أنهم ضحايا وتحصلوا على تعويضاتهم نقدا مما يصعب إثبات من تحصل عليها ولماذا...و أكد أن رئيسة الهيئة تتلاعب بالمال العام بعد أن صرفت 43 مليارا على التسيير وستساهم في إهدار آلاف المليارات على 50 ألف ضحية في حين أن العدد الحقيقي قد لا يتجاوز 12 ألف ضحية على أقصى تقدير.

استنكار شامل !!!

وفي سياق متصل بالجدل حول هيئة بن سدرين، كشف وزير أملاك الدولة السابق، مبروك كورشيد في تصريح صحفي -الذي تمت إقالته من الحكومة، ثم اتهمه راشد الغنوشي بالفساد، قبل أن يعتذر له ولباقي الوزراء الذين وضعت عليهم النهضة «فيتو»- أن إقالته جاءت بسبب رفضه لـ «أخونة الدولة»، ورفضه أيضًا الموافقة على تعويض 62 ألف إخواني من خزينة الدولة، واعتراضه على الصفقات التي كان الغنوشي يعقدها مع المتهمين بالفساد من رجال النظام السابق مقابل الموافقة على التعويضات. في المقابل أشار المنجي الرحوي، القيادي في الجبهة، إلى أن «من دافعوا عن منهج أو قضية، من غير المعقول أن يطلبوا تعويضات عن هذا النضال».واستنكرت أطراف سياسية أخرى، على غرار «حزب التيار الديمقراطي»، غياب التعويض لضحايا الاستبداد السياسي، وقالت القيادية في حزب التيار سامية عبو إن من يدفع في هذا الاتجاه يريد «إشعال البلاد»، على حد قولها. وأشارت إلى وجود كثير من الآليات والإجراءات التي يمكن من خلالها تقديم المساعدات لفائدة العائلات الفقيرة.

أما بشأن موقف حركة النهضة من هذا المقترح، قال علي العريض، الأمين العام لحركة النهضة، إن ما اقترحه حزب النداء يعتبر استهدافاً مباشراً لفئة كبيرة دمرت حياتها على امتداد 60 سنة.وفي السياق ذاته، أكدت يمينة الزغلامي، القيادية في حركة النهضة، أن اقتراح عدم تمويل صندوق الكرامة، وقتياً، وتحويل اعتماداته المالية إلى العائلات الفقيرة، هدفه الإرباك السياسي فحسب.

واعتبر عديد الملاحظين ان التعويض لا يقتصر فقط على من تعرضوا للاضطهاد من الناحية السياسية بل يحق لمن ظل عاطلا عن العمل لسنوات أو من ظل يعاني الفقر والخصاصة والحرمان والجوع والعراء وفقدان السكن وفقدان الحق في السعادة والترفيه ومن التشرد ومن تهميش منطقته طيلة السنوات الماضية بسبب سياسات النظامين السابقين أن يطالب بالتعويض عن ذلك . فهؤلاء كانوا أيضا في «سجن» وعانوا من «التعذيب» النفسي والجسدي شانهم شان من كان مسجونا في السجون الحقيقية.وترى جل الأطياف السياسية أن هذا الصندوق ظلم في حق الشعب وان من تعرضوا للتعذيب والاضطهاد لأسباب سياسية عليهم تحمل مسؤولية خياراتهم تلك لا أن يتحملها الشعب فالنضال لا يُشترى بالمال وإلا أصبح لا معنى له.