الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



العمل البلدي بعد الانتخابات

حاد عن مساره وخيّب انتظارات المواطنين!


إعداد: لطيفة بن عمارة

كانت الانتخابات البلدية التونسية سنة 2018 أول انتخابات بلدية في تونس بعد الثورة التونسية في 2011، حيث كان آخرها في سنة 2010، وقد أُجريت يوم 6 ماي 2018 بإشراف إدارة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لانتخاب أعضاء المجالس البلدية في بلديات تونس الـ350.فازت حركة النهضة بالمرتبة الأولى بـ٪28.6 من الأصوات، يليها نداء تونس بـ٪20.8، فيما تحصلت القوائم المستقلة المختلفة على ٪32.2 من الأصوات. وقد حدد الدستور الجديد في بابه السابع مكونات وتوجهات السلطة المحلية، والذي ينص فيه الفصل 133 على إجراء انتخابات محلية وجهوية. ومثلت الانتخابات البلدية في تونس محطة مهمة كان من المنتظر أن تنتج واقعا سياسيا ومحليا جديدا بعد تركيز المجالس البلدية والبدء في تطبيق الباب السابع من الدستور الذي ينص على لامركزية السلطة والحوكمة المحلية.

وقد أقر أغلب المراقبين للشأن العام في تونس أن نتائج الانتخابات البلدية لم تحدث تغييرا جوهريا على التوازنات الحالية داخل المشهد السياسي بعد فوز حركة النهضة بأغلب الأصوات تليها حركة نداء تونس بينما حققت القوائم المستقلة تقدما، فيما بقيت أحزاب المعارضة ضعيفة ومشتتة. ويؤكدون أن المشهد السياسي التونسي يحكمه حزبان قويان هما حركة النهضة وحركة نداء تونس وكل ما فعلته الانتخابات البلدية أنها جعلت النهضة تستعيد مركزها الأول.ولكن منذ أن بدأت عمليات تشكيل المجالس البلدية انطلقت المحاصصة الحزبية والصراعات حول توزيع المهام مما خلق أزمة داخلية في معظم المجالس المنتخبة ما أثر بطبيعة الحال على العمل الذي انتخبت من أجله هذه المجالس وتحولت إلى ساحات للدعاية الحزبية تمهيدا لانتخابات 2019. كيف حادت البلديات عن مهامها الأساسية وسط الانتماءات الحزبية؟ وأي الحلول أنجع للنأي بالعمل البلدي عن مثل هذه الممارسات؟

اعتبر الحكم المحلي تجربة جديدة وغير مسبوقة في تونس، لما ينطوي عليه من توجه نحو اللامركزية وتوزيع السلطة، وإعطاء صلاحيات موسعة للمواطنين في إدارة شؤونهم الذاتية عبر المجالس المحلية والجهوية المنتخبة بحسب الباب السابع من الدستور، وهي تجربة تحتاج، الى مرافقة على المستوى المضامين التشريعية وترسيخ الاعراف الجديدة في توزيع السلطة، وكذلك الى تعميق الخبرة والتأهيل القيادي. وفي هذا الإطار اعتبر يسري بن حمادي المنسق العلمي بمعهد تونس للسياسة أن منوال الحكم المحلي السابق كان سبب الفشل التنموي في تونس، فالحكم المركزي لم يكن قادرًا على الاستجابة لمطالب المواطنين وتطلعاتهم بحكم المبالغة في المركزة الشديدة للحكم التي ولدت بدورها آفة التفاوت التنموي والجهوي. وأشار بن حمادي إلى ضرورة المساهمة بجدية في ترسيخ أسس الحكم التشاركي، داعيا الى الانفتاح على كافة الكفاءات الوطنية والتعاون من أجل إنجاح هذا المسار الجديد في تونس.

تحديات وصعوبات!!!

عديدة هي الصعوبات التي تواجه المجالس البلدية الوليدة وتحول دون التطبيق الأمثل للباب السابع في الدستور، في هذا السياق يرى المنسّق العلمي لمعهد تونس للسياسة أن الحل هو في تغيير مفهوم العمل البلدي وتكريس السلطة المحلية عبر ممارسة الصلاحيات البلدية فعليا وليس بطريقة شكلية، أي القطع مع الممارسات السابقة التي كانت تفرض نظاما رأسيا للسلطة يضع البلديات في أسفل الهرم معتبرا أن أولويات التحديات البلدية هي الوصول الى تقديم خدمات بلدية يجعلها ترتقي الى مصاف الإدارة العصرية تعمل بسرعة وكفاءة والتأسيس لسلطة محلية تشاركية. وأبرز أن مسألة تطبيق اللامركزية في مراحلها الأولى صعب، فعزوف المواطن عن العمل البلدي، بالإضافة إلى الموارد المالية غير المتكافئة بين البلديات حيث هناك بلديات محظوظة وأخرى أقل حظا إن صح التعبير ،وعدم كفاءة العنصر البشري وغياب آليات الاستخلاص الجبائي الناجعة والتفاوت الجهوي... كل هذه الظروف ساهمت في ظهور بلديات ضعيفة ماليا وتنمويا، وهذه صعوبات واقعية موجودة أقرت بانها من أولويات العمل البلدي الحالي. وأشار يسري بن حمادي إلى أن التوازنات السياسية بالبلاد لم تتغير مع بقاء حزبين قويين يمتلكان القدرة على التعبئة والتنافس السياسي مقابل أحزاب صغيرة ومشتتة وشعبيتها ضعيفة ولم تقدر على الترشح حتى في نصف الدوائر الانتخابية وحققت نتائج هزيلة. ومن المؤكد أن العمل البلدي قد تأثر سلبا بهذه التوازنات السياسية وبات مُسيّسا يعمل التسويق صورة حزب دون الآخر، وحاد عن مساره الحقيقي وهو خدمة المواطنين وتكريس الحكم المحلي الحقيقي وتحويل الشأن المحلي والجهوي الى عمل تشاركي يساهم فيه المواطن بالمقترحات.

غياب الكفاءات!

بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على إجراء الانتخابات البلدية لم يلمس المواطن شيئا على مستوى العمل البلدي بل زاد استياؤه ولم يتمكن إلى حد الآن المسؤولون المحليون من كسب ثقة المواطنين. وقد عبرت معظم المجالس البلدية تقريبا عن تذمرها من ضعف الامكانات المادية واللوجستية والبشرية وهو ما عطل في رأي المسؤولين البلديين الشروع في تنفيذ الاصلاحات المنتظرة وفي تلبية حاجيات الناس.

وفي هذا السياق اعتبرت أميرة بوعوينة ناشطة بالمجتمع المدني في جمعية صوت المرأة، أن الجميع يتذمر من البلديات السابقة (النيابات الخصوصية) التي تولت العمل البلدي منذ 2011 وعجزت عن تطويره وعن تلبية انتظارات الناس. ويبدو ان ضعف الامكانات المادية سيتواصل لأشهر اخرى الى حين صرف اعتمادات للمجالس البلدية من ميزانية 2019 وفق تعبيرها. وأبرزت أميرة بوعوينة على صعيد آخر، أن هناك عددا من اعضاء المجالس المنتخبة بما في ذلك الرؤساء تهمة لا يملكون الكفاءة الضرورية لممارسة العمل البلدي وتسيير الشأن العام.

ثقة مفقودة!!!

يعتبر المختصون أن العمل البلدي أكثر صعوبة من عمل السلطة المركزية لأنه يستند الى المواجهة المباشرة مع المواطن والتواصل معه حول مختلف مشاغله، وهي عديدة، ويقوم ايضا على العمل الميداني الواقعي والمباشر. وبما أن نجاح العمل البلدي يقوم في جزء هام منه على مشاركة المواطن الا ان ذلك قد لا يتحقق. والسبب حسب قول أميرة هو اهتزاز ثقة المواطن في السلطة بشكل عام وفي الطبقة السياسية وهو ما أدى الى نفوره عن المساهمة في الشأن العام بما في ذلك الحكم المحلي رغم ما منحه الدستور من حق المشاركة (الحكم التشاركي). وزاد اهتزاز ثقته خاصة في ظل الاخبار الاخيرة المتداولة عن الامتيازات التي سيحصل عليها رؤساء البلديات وخاصة بعد ما تردد عن «حكاية» السيارات باهظة الثمن التي اقتناها بعضهم. وأضافت أنه طوال الفترة التي سبقت تاريخ تنظيم الانتخابات البلدية، صوّر اغلب السياسيين الحكم المحلي على انه سيكون المنقذ من الوضع المتردي الذي آل إليه العمل البلدي، وانه سيغير وجه الجهات ومع تقدم الايام والاشهر وقف المواطن شيئا فشيئا على حقائق أخرى أبرزها عدم تغير الاوضاع في اغلب الجهات. فلا البنى التحتية تحسنت، ولا النظافة والعناية بالبيئة والخدمات البلدية تطورت نحو الأفضل ولا التنوير العمومي تحقق في المناطق «المظلمة»، ولا مظاهر البناء الفوضوي والانتصاب العشوائي واحتلال الارصفة اختفت من المدن. بل أكثر من ذلك تراجع مستوى بعض الخدمات البلدية في بعض الجهات خلال الاشهر الأخيرة وفق قولها.

رغم إفراد الحكم المحلي بنظام خاص دستوريا وقانونيا وايضا تنظيم انتخابات خاصة به، إلا انه لم يقدر الى حد الآن على الخروج من تحت سقف المستوى المركزي خاصة من حيث التبعية السياسية. فاغلب اعضاء المجالس البلدية المنتخبة خاصة الرؤساء مازالوا خاضعين للتجاذبات الحزبية والسياسية الدائرة على المستوى الوطنيوانخرطوا بدورهم في دوامة البحث عن تحالفات وتوافقات اقتداء بأحزابهم. كما ان اغلبهم مازال داخل الأزمة السياسية الحاصلة التي اربكتهم وجعلتهم مترددين وغير قادرين على اتخاذ القرارات المناسبة. وكل هذه العوامل تؤكد على ضرورة اخراج الحكم المحلي من هذا الصراع والتناطح السياسي حتى يحقق الاستفادة من الحرية والاستقلالية التي يضمنها الدستور للجماعات المحلية دون المس من وحدة الدولة.