الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



الترفيع في سعر الفائدة أربع مرات في عام واحد

هل يمثل الحل الأمثل لتحقيق الانتعاش الاقتصادي؟



إعداد: شكري بن منصور

يتواصل ارتفاع نسبة التضخم بالتوازي مع ارتفاع نسق الأسعار بالرغم من اعتماد البنك المركزي على الترفيع في نسبة الفائدة الرئيسية أربع مرات في عام واحد حيث استمر التضخم في الزيادة بوتيرة متواصلة ومر من ٪4.25 في ماي 2017 إلى ٪7.8 في جوان 2018. ويطرح هذا التمشي المعتمد من البنك إشكالية مرتبطة بالجدوى من الترفيع المتواصل في نسبة الفائدة في كل مرة دون أن نلمس انخفاضا ملموسا وحقيقيا في نسبة التضخم وبالتالي في كبح جماح الأسعار المرتفعة التي مست كل شيء تقريبا، مواد غذائية و نقل و طاقة و خدمات و عقارات.. و على ما يبدو فان محافظ البنك المركزي مروان العباسي يراهن بقوة على هذه الآلية للحد من التضخم وتحقيق الانتعاش الاقتصادي إذ أقدم على رفعها مرتين في مارس وجوان منذ تنصيبه كما أكد خلال ندوة عقدت مؤخرا «أنه لو لم نلجأ إلى هذه الزيادات في نسبة الفائدة في العامين الماضيين، كنا سنشهد معدل تضخم برقمين وستكون حينها التداعيات أكثر خطورة». وقال «التضخم هو المعضـلة الكبرى التي يجب محاربتها في تونس اليوم لضمان استقرار الأسعار والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن» مرجحا ان يشهد مستوى التضخم، بحلول عام 2019، استقرارا شريطة أن يشتغل الاقتصاد الحقيقي وأن تستكمل الإصلاحات».

لكن وعلى أرض الواقع فان هذه الزيادة سيتحملها المواطن البسيط في درجة أولى من خلال ارتفاع كلفة القروض ثم وفي درجة ثانية المستثمر الذي سيصبح معرضا إلى صعوبات مضاعفة وفي درجة ثالثة الدولة حيث أن كلفة الدين العمومي في السوق الداخلية ستصبح باهظة جدا. ومن التداعيات الأخرى سيؤدي الترفيع في نسبة الفائدة إلى ترشيد القروض الاستهلاكية للمواطنين مما قد يؤثر سلبا على الطلب والاستهلاك ويساهم في حصول ركود اقتصادي على المدى المتوسط.

ويعكس الجدل الحاصل حول جدوى هذا الإجراء من عدمه أهمية نسبة الفائدة المديرية كأداة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي وقد تم اللجوء إليها في مناسبات عديدة خلال السنوات السبع الأخيرة لكنها لم تعط النتائج المرجوة أمام التفاقم السريع للتضخم. فالتدخل الأخير للبنك المركزي للعب دوره التعديلي في مواجهة تدهور المقدرة الشرائيّة للمواطنين لم يكن سابقة على مستوى التصرّف في نسبة الفائدة المديريّة حيث سبق لمحافظ البنك السابق الشاذلي العياري الاعتماد على هذه الآلية ستّ مرّات متتالية خلال أقلّ من ستّ سنوات ارتفعت خلالها نسبة الفائدة المديريّة بشكل إجمالي من 3.5% نهاية سنة 2011 إلى 5.75% في مارس 2018 لتتضاعف بالمقابل نسبة التضخّم من 4.9% في أوت 2012 إلى 7.1% في مارس 2018..ومن وجهة نظر البنك المركزي ستمكن هذه الآلية من إدماج حركية جديدة في سياسة إعادة التمويل وهي تهدف إلى توفير سيولة أكثر استقرار لفائدة النظام البنكي وتحفيزه على تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وذلك في إطار تحسين ظروف إسداء القروض ومزيد استهداف القطاعات المنتجة.

فماهي الجدوى من الترفيع في سعر الفائدة المديرية بشكل متكرر وماهي تداعياته المحتملة على الاقتصاد ككل؟

يعتبر سعر الفائدة مؤشرا لأسعار الفائدة لدى البنوك التجارية التي ينبغي ألا تقل عن سعر البنك المركزي ولهذا له تأثير كبير على الإقراض وعمليات التمويل. ويساعد سعر الفائدة البنك المركزي على التحكم في عرض النقد في التداول من خلال تغيير هذا السعر صعودا ونزولا على المدى المتوسط. كما يعتبر رفع الفائدة أداة هامة لكبح عمليات الاقتراض وبالتالي تقليل نسبة السيولة في السوق مما يؤدي إلى خفض نسبة التضخم أو ارتفاع الأسعار. وتقوم البنوك والمؤسسات المالية بتحديد سعر الفائدة على القروض والمدخرات استنادا إلى سعر الفائدة الأساسية الذي تحدده البنوك المركزية. ويؤدي رفع سعر الفائدة إلى رفع تكلفة الاقتراض ما يؤدي إلى انخفاض الأعمال والاستثمارات وبالتالي يحد من إنفاق الأفراد الاستهلاكي. وعلى سبيل المثال يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى ارتفاع تكلفة قروض السيارات والمنازل. كما يؤدي إلى تراجع عمليات التوظيف بسبب محدودية الاستثمارات الجديدة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.

وبحسب رئيس الجمعية التونسية للحوكمة معز الجودي فإن للزيادة في نسبة الفائدة المديرية من طرف البنك المركزي تأثيرا سلبيا كبيرا على الشركات التونسية الصغرى والمتوسطة التي تمثل القلب النابض للاقتصاد نظرا لأنها تتعامل كثيرا مع البنوك للاقتراض على المدى القصير أي قروض التصرف التي تقوم من خلالها بخلاص المزودين وهي قروض ذات مدى لا يتجاوز السنة . وسينجر عن الزيادة في نسبة الفائدة المديرية زيادة سعر الفائدة في السوق النقدية أي ارتفاع كلفة التمويل بما يشكل عبءا على الميزانية وينعكس كذلك على المواطن البسيط من خلال ارتفاع الأسعار.

وعلاوة على ذلك يسعى البنك المركزي من خلال هذا الإجراء إلى الحد من الاستهلاك وتخفيض الطلب لكن هذا الأمر غير مضمون بحسب محدثنا لان هناك عوامل أخرى تدخل في التضخم المالي وارتفاع الأسعار كالمضاربة والاحتكار والتجارة الموازية وحتى العجز في ميزانية الدولة يخلق بدوره تضخما ماليا. كما سيؤدي القرار إلى تداعيات أخرى محتملة على الشركات الصناعية التونسية والشركات المصدرة كليا التي قد تواجه منافسة شديدة نتيجة ارتفاع التكلفة عند التصدير وارتفاع سعر الفائدة يشكل أيضا تحديا إضافيا للشركات العقارية نتيجة ارتفاع الفائدة على قروضها .

سلاح ذو حدين

وشدد معز الجودي على أن اللجوء إلى الترفيع في نسبة الفائدة يعتبر سلاحا ذا حدين لان نتائجه غير مضمونة كما أن الأهداف المرجوة منه قد لا تتحقق بل قد يعطي نتائج عكسية. لذلك كان من الأجدى زيادة سعر الفائدة بنسبة محدودة و مدروسة و ليس بـ100 نقطة كاملة مثل ما حصل خاصة وأن الزيادات في السنوات الأخيرة تعددت بشكل ملفت يدعو إلى التساؤل حول أسباب اعتماد البنك المركزي على أداة وحيدة من بين الأدوات المتاحة أمامه لمكافحة التضخم.

ويمكن القول أنه كان بالإمكان العمل على زيادة مستوى الادخار لتوفير تمويل للاستثمار لانه من غير المعقول أن تكون نسبة الفائدة أعلى من نسبة الادخار . ويعتبر معز الجودي أن هناك تخوفات من أن تكون الأمور مفروضة من الخارج رغم أنه ليس ضد تلقي المساعدة من صندوق النقد الدولي إلا أن الإشكال في طريقة التعامل التي يجب أن تكون الند للند وهذا ممكن وحصل في الثمانينات عندما كان لتونس مسؤولون ووزراء يعرفون كيفية التحاور مع صندوق النقد الدولي وفق تعبيره.

تخوفات

من جانبه أوضح منجي السماعلي الخبير الاقتصادي لدى الاتحاد العام التونسي للشغل أن نسبة التضخم التي بلغت مستويات مرتفعة في حدود ٪7.7 وهي مرشحة لمزيد الارتفاع لا يمكن أن تتم معالجتها من خلال الترفيع في نسبة الفائدة المديرية لان مصادر التضخم غير نقدية ومرتبطة بالاحتكار ونمط التوزيع وتدهور قيمة الدينار . ومن المتوقع أن يساهم الترفيع في سعر الفائدة كذلك في إحداث تأثيرات كبيرة في سوق الاقتراض لان كلفة القرض العادي سترتفع إلى ما لا يقل عن ٪9.75 أخذا في الاعتبار لهامش البنك الذي لن يقل عن 3 نقاط وهذا الأمر سيزيد وضع المواطن العادي صعوبة لأنه سيحد من الاستهلاك الذي يعتبر محركا أساسيا من محركات النمو كما أنه سيضر بالاستثمار على اعتبار أن كلفته ستصبح مرتفعة جدا. ويتسم توقيت هذا الإجراء بالصعوبة في الوقت الذي تحتاج فيه تونس إلى دفع الاستثمار والتصدير لمعالجة اختلال التوازنات المالية والاقتصادية والاستجابة للحاجيات المتأكدة لدفع التشغيل من خلال خلق فرص عمل جديدة، لذلك يمكن القول أنه سيزيد من تعميق الأزمة الحالية. وبالنسبة إليه يكمن الحل في المضي في الإصلاحات الكبرى والإستراتيجية وتحسين مناخ الاستثمار ومقاومة الاقتصاد الموازي بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تقهقر الدينار والترفيع في القدرة الإنتاجية والتنافسية للمؤسسات التونسية . و تحقيق ذلك لا يتم إلا عن طريق مشاورات واسعة مع الفاعلين في المجال الاقتصادي بهدف التوصل إلى الإجراءات الضرورية والإصلاحات الحقيقية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني في إطار مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف التحديات الإستراتيجية التي تواجهها تونس في علاقة بوضعها الاقتصادي ومحيطها الدولي. وأضاف أن أسعار الفائدة المقدمة للبنوك وسعر الفائدة الموظف على القروض والسوق النقدية كلها تدور حول السعر المركزي الذي يحدده البنك المركزي وبالتالي وفي ظل شح رأس المال ومع سعر الفائدة السلبي يؤدي ذلك إلى التبذير الذي تعيش فيه تونس منذ سنوات وبالتالي أصبح إصلاح الاقتصاد التونسي أولوية قصوى لأننا نعيش معادلة صعبة بين سعر الفائدة السلبي وندرة رأس المال.

وتابع منجي السماعلي : «أعتقد أن حالة الركود ستستمر بسبب هذا القرار لأن البنوك ستضطر إلى رفع سعر الفائدة على الإقراض لحرفائها مما سيزيد من أعبائهم المالية وسيضطرون في النهاية إلى تحميل المستهلك، الكلفة النهائية في ظل غياب الأجهزة الرقابية وأدوات تفرض عليها وضع هوامش ربحية، وفي ظل تعهد البنك المركزي لصندوق النقد بعدم التدخل في تحديد أسعار أي سلعة، وتركها لآليات العرض والطلب، لتفترس المواطن البسيط».

شحّ في السيولة

وفي تقدير الخبير المالي سامي العوادي فإن الزيادة في نسبة الفائدة هدفها الأساسي هو الحد من السيولة النقدية لكن تحقيق هذا الهدف بالاعتماد على نسبة الفائدة فقط سيؤدي إلى تغذية التضخم وزيادة كلفة الاقتراض للشركات خاصة الصغيرة منها.

فأسعار الفائدة المرتفعة لها تداعيات سلبيه على معظم الأسر وارتفاع في قيمة المنازل حيث أن رفع سعر الفائدة يجعل من الحصول على النقد أكثر تكلفة مما يخفض المعروض النقدي في النظام الاقتصادي ويؤدي إلى خفض معدل التضخم ورفع الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض على المقترضين من الأفراد والشركات مما يقلل من حجم الأموال المتاحة للإنفاق ويؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع وانخفاض إنفاق المستهلكين وكنتيجة طبيعية لانخفاض الإنفاق الاستهلاكي تتأثر إيرادات وأرباح الشركات من ناحية أخرى وارتفاع تكلفة الاقتراض عادة ما يؤدي إلى الانخفاض في الإنفاق الاستثماري التوسعي من قبل الشركات كما تتأثر ربحية الشركات من رفع معدل الفائدة في حال تحملها لقروض ذات فائدة متغيرة مع الأخذ في الاعتبار التأثير السلبي لرفع معدل الفائدة على ربحية الشركات مما يؤدي إلى خفض القيمة السوقية للمؤسسات والشركات في السوق المالية بينما ينعكس انخفاض توقعات النمو المستقبلي على التقييم العادل لأسعار الأسهم بطريقة التقييم التي تعتمد عَلى التحليل الأساسي كل هذه العوامل تؤثر سلبا بالنهاية على الأسعار السوقية للأسهم حيث تتناسب مع الأرباح والتوقعات المستقبلية، وفي الوقت الذي يركز فيه المحللون على مؤشرات التشغيل و نسبة النمو باعتبارها من أهم مؤشرات أداء الاقتصاد وتعافيه إلا أن أهميتها تراجعت في هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية لصالح مؤشرات قياس ضغوط التضخم بمختلف أصنافها والبنك المركزي سيضطر إلى تسريع خطوات رفع أسعار الفائدة لكي يتجنب احتمال التخلف عن مسايرة تسارع نسق التضخم وبالتالي التعرض لمخاطر تعريض الاقتصاد للتباطئ بسبب رفع أسعار الفائدة المفاجئ تحت ضغوط خارجة عن سيطرته ومن هنا فان رفع أسعار الفائدة أربع مرات بات أكثر من مؤكد حتى أن رفعها خمس مرات بات مطلوبا. وشدد على أنه من هذا المنطلق يمكن تفهم موقف الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الرافض للزيادة في نسبة الفائدة نظرة لأنها لا تساعد على عودة الاستثمار حيث عبرت منظمة الأعراف عن استيائها من قرار البنك المركزي بالترفيع في معدل الفائدة المديرية خاصة وان الأمر يتعلق بعملية الترفيع الثانية منذ بداية سنة 2018 ونظرا لأهميته اعتبرت أن القرار سيكون له انعكاسات سلبية على القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية وعلى تمويل الاستثمار بسبب ارتفاع كلفة التمويل التي ستفضي إليها في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى إجراءات تحفز على الاستثمار وإحداث المشاريع والتشغيل.

يبقى الترفيع في سعر الفائدة السلاح الوحيد المتاح في الوقت الراهن للسلطات المالية والنقدية الذي يمكن من خلاله التحكم ولو قليلا في نسبة التضخم وهو ما يبرر اللجوء المتكرر لهذا الإجراء في السنوات الأخيرة مما جعل من الخبراء يحذرون من بلوغ حالة من عدم الفاعلية نظرا لعدم تحقيقه للنتائج المنتظرة منه بل على العكس من ذلك تواصلت موجة ارتفاع الأسعار والمنحى التصاعدي للتضخم.