الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



الرقابة المالية والإدارية

هل نجحت في مكافحة سوء التصرّف والفساد ؟



إعداد: شكري بن منصور

تكتسي الرقابة المالية والإدارية أهمية كبيرة في مكافحة التصرف غير السليم في المال العام و الفساد بشكل مطلق. وسواء كان هذا التصرف عن حسن أو سوء نية فإن النتيجة واحدة وهي إلحاق الضرر بخزينة الدولة من خلال الخسائر التي تكلف المجموعة الوطنية أموالا طائلة. ومن هنا تبرز أهمية إرساء رقابة مستقلة وناجعة تحاسب المتجاوزين و تكرس الحوكمة الرشيدة.

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف وضعت الدولة منذ الاستقلال منظومة تشريعية متكاملة للرقابة إلى جانب توحيد هيئات الرقابة المتعددة والمتمثلة أساسا في هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية التابعة لرئاسة الحكومة وهيئة الرقابة العامة للمالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية وهيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية التابعة لوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية.

لكن وبالرغم من ذلك لم تمكن هذه الهياكل المتعددة من الحد من انتشار الفساد في الوظيفة العمومية وخصوصا في مجال الصفقات العمومية التي تكون الدولة طرفا فيها، وهو ما يدعو إلى التساؤل حول مدى تورط مسؤولين و موظفين عموميين في قضايا فساد وسوء تصرف.

فما هي أهمية الرقابة في مكافحة الفساد وكيف يمكنها المساهمة في تطوير نجاعة الهياكل العمومية؟

تبقى الرقابة المالية مهمة دائما وضرورية في مكافحة الفساد في نظر شرف الدين اليعقوبي عضو الجمعية التونسية للمراقبين العموميين لكن الإشكالية الكبرى هي أن هياكل الرقابة تشكو من نقص في الاستقلالية في اختيار المهمات الرقابية وكذلك إحالة التقارير.. يضاف إلى ذلك أن التقارير لا يتم نشرها للعموم رغم مرور أشهر على المصادقة على قانون حق النفاذ إلى المعلومة وبقيت صلاحيات الإحالة المباشرة بيد الوزير بصفة حصرية. ويدعو هذا الأمر بشكل ملحّ إلى مزيد توسيع صلاحيات الهيئات الرقابية التي كان دورها محدودا قبل الثورة بدليل ضعف حماية المراقب العمومي وتشتت هيئات الرقابة وعدم السماح لها بالتعهد الذاتي بمهام رقابية إلا بتكليف من سلطة الإشراف. ورغم الانفتاح الحاصل منذ سنة 2011 لا يزال أمام المتصرفين العموميين عديد المعوقات عند أداء وظيفتهم خاصة في ظل تنامي ظاهرة الإحجام عن تحمل المسؤولية بسبب الخوف من الوقوع في الأخطاء وبالتالي تجنب المساءلة. لكن تم في الفترة الأخيرة اتخاذ جملة من الإجراءات في اتجاه تعزيز دور الرقابة المالية خاصة في القطاع العمومي وأهمها تفعيل قانون حماية المبلغين عن الفساد الذي سيسهّل عمل المراقبين العموميين من حيث الوقت و الأداء.

هرسلة المراقبين

وشدد شرف الدين اليعقوبي على أن فعالية الرقابة المالية والإدارية تتأثر كذلك بظروف عمل المراقبين العموميين الذين أصبحوا عرضة للهرسلة خلال السنوات الأخيرة الأمر الذي أدى إلى تراجع خطير في المنظومة الرقابية. وعلى سبيل المثال تم تسجيل اعتداء خطير على فريق رقابي أثناء إنجازه مهمة رقابية بالوكالة العقارية للسكنى على إثر كشفه لشبهات فساد.

ويعتبر عضو الجمعية التونسية للمراقبين العموميين أن نجاعة عمل المتصرف العمومي تتطلب عديد الجوانب على مستوى التسيير وتوزيع المهام من ذلك أن الكفاءة يجب أن تكون هي المعيار الوحيد عند تعيين المراقب العمومي إلى جانب تمكين أجهزة الرقابة من الصلاحيات والوسائل اللازمة لتنفيذ وظائفها. و أضاف أن هناك 3 مستويات من الرقابة تشمل أولا المتصرف العمومي الذي له رقابة داخلية على مستوى مؤسسة عمومية عبر أدوات التدقيق والتفقديات الوزارية.. وهناك في مرحلة موالية الرقابة الخارجية التي تقوم بها الحكومة عبر هياكل رقابة خارجية.. كما توجد الرقابة الخارجة عن السلطة التنفيذية التي تقوم بها دائرة المحاسبات وهيئة مكافحة الفساد ومجلس النواب مع الرقابة المجتمعية التي يقوم بها المجتمع المدني والصحافة.

و تعود أغلب الصعوبات التي تعاني منها المؤسسات العمومية إلى غياب النجاعة في التصرف وافتقادها للحوكمة ومقتضيات الرقابة الداخلية. وبالرغم من أن الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية تسعى إلى تجاوز نشاطها التقليدي باتجاه تعزيز البعد الوقائي من خلال أعمال المساندة والمرافقة التي سعت لتقديمها إلى الهياكل العمومية لتطوير مناهج وأساليب التصرف العمومي إلا أن نتائج هذه المساعي لا تزال محدودة على أرض الواقع. .

وفي نفس السياق أكد الخبير الجبائي ورئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين لسعد الذوادي أن المراقبة المالية تتطلب تكريس حق النفاذ إلى المعلومة موضحا في ذات الإطار أنه تقدم بـ 12 مطلب نفاذ إلى المعلومة إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهو بصدد انتظار الردود في اجل 20 يوما كما يقتضي ذلك القانون عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بحق النفاذ إلى المعلومة.

غياب النجاعة

فمنظومة الرقابة في تونس تشكو من إشكالات عديدة متعلقة بهياكل الرقابة في حد ذاتها مثل عدم مواكبة بعض الاختصاصات الجديدة على غرار المالية الالكترونية التي تبرز الحاجة إلى مزيد تكوين الأعوان وكذلك النقص في الموارد البشرية حيث لا يتجاوز أعضاء التفقديات الوزارية 160 إطار لـ 19 وزارة وهذه الوزارات تشرف على 2429 مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية. وأشار إلى أن هناك عديد الاخلالات التي تتطلب وقفة حازمة من قبل هياكل الرقابة و تتمثل أهم الإخلالات المتعلقة بالرشاوى بأنواعها و بسوء التصرف في الوظيفة العمومية في التجاوزات الحاصلة في الصفقات العمومية والتصرف في الأراضي البلدية والأراضي الدولية إضافة إلى مسألة الوضع على الذمة في ما يتعلق ببعض الموظفين على ذمة الهياكل بصفة غير قانونية. كما أنه من بين أهداف عملية الرقابة المالية التوقي ليس فقط من الأخطاء في التصرف بل كذلك التصدي للفساد الإداري و المالي بجميع أنواعه وعلى هذا الأساس لابد من تكوين المراقبين العموميين والمتصرفين وفق معايير جديدة تستجيب للتحولات وتتكيف مع الأشكال الجديدة للفساد. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود فرق كبير بين الخطإ في التصرف والفساد وهو ما ينعكس على العقوبة لأن الخطأ يقتصر على عقوبة تأديبية إدارية أو مالية لاعتباره مجرد اجتهاد في إطار المصلحة العامة وخطأ في التقدير بينما للفساد جانب زجري لأنه يقوم على تحقيق مصلحة على حساب المال العام، و بالتالي فإن المتصرف العمومي له مهمة كبيرة وحتى يقوم بدوره على أحسن وجه يجب عدم العمل على شيطنته بل مساعدته من خلال الدور الرقابي للمتفقد العمومي. كما أن الاستثمار في التوقي من أخطاء التصرف والفساد من خلال التكوين سيعود حتما بالنفع على أداء الإدارة العمومية.

وشدد لسعد الذوادي على أن هياكل الرقابة والهيئات المعنية التي تم إحداثها بعد 14 جانفي 2011 أمام امتحان صعب متعلق بقدرتها على أداء مهامها باستقلالية وفق الصلاحيات التي مكنها منها القانون. حتى تساهم بفعالية في مكافحة الفساد. و تنقسم الرقابة المالية إلى جزءين: رقابة سابقة ورقابة لاحقة. فالهدف من الرقابة السابقة التي تسمى وقائية هو تلافي الخطأ قبل وقوعه ولغرض حماية أموال المؤسسة والأموال العامة من الهدر والتفريط بها وتلافي تورّط أو وقوع الموظفين في حالات الفساد المالي وبالتالي إحالتهم إلى المحاكم مما يأخذ جزءاً وجهداً من وقت الإدارة .. أما الرقابة اللاحقة فتهدف إلى كشف التورّط في جريمة الفساد المالي لغرض محاسبة المتورط فيها واستعادة الأموال المهدورة المصروفة بغير وجه حق فضلا عن كون عملية كشف الفساد والمعاقبة عليه يعد عاملا رادعا لمنع تورط بقية الموظفين في الجريمة عندما يعلمون أن هناك أجهزة رقابية تكشف الجريمة حتى ولو تمت عملية الصرف أو القبض.

خلال السنوات الأخيرة تحولت قضية مكافحة الفساد إلى القضية الرئيسية بالنسبة لجميع دول العالم سواء كانت دولا متقدمة أو نامية مما أدى إلى براز دور هيئة الرقابة الإدارية والمالية كأداة مهمة لمكافحة الفساد وتكريس المساءلة والمحاسبة. لكن جهود أجهزة الرقابة تصطدم على أرض الواقع أمام عديد العقبات أهمها نقص الصلاحيات والوسائل وعدم حماية المراقبين لذلك لا بد من تفعيل القوانين التي جاءت بعد الثورة لتكريس الرقابة وخاصة قانون حق النفاذ إلى المعلومة وإحالة التقارير الرقابية لتنشر للعموم الأمر الذي سيضفي على أعمال الرقابة فعالية وجدوى تفتقر لها في الوقت الحالي.