الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



الاقتراض ..ولا شيء غير الاقتراض:

إلى أين ..وإلى متى؟



الصحافة اليوم ـ شكري بن منصور

تسعى الحكومة إلى تعبئة الموارد المالية الضرورية لميزانية الدولة حيث لم تتمكن من الحصول على مليار دولار المبرمجة من الأسواق المالية العالمية واقتصر خروجها الأخير على قرض بقيمة 500 مليون يورو بعد الجولة الترويجية التي قام بها كل من محافظ البنك المركزي ووزير المالية. وتتمثل شروط هذا القرض في نسبة فائدة بحوالي %6,75 ومدة سداد بخمس سنوات بحسب بلاغ لوزارة المالية. وتعتبر نسبة الفائدة هذه الأعلى منذ 16 سنة علما وأن تونس قد قامت بمحاولات للاقتراض من السوق المالية العالمية في الربيع الماضي لكنها جوبهت بنسبة فائدة مشطه ناهزت %8 بسبب الأوضاع السياسية التي مرت بها البلاد حينها.

وكان محافظ البنك المركزي مروان العباسي قد أكد منذ ثلاثة أشهر أن تونس غير متسرعة في الخروج إلى السوق المالية الدولية في ظل موافقة صندوق النقد الدولي على صرف شريحة جديدة و الحصول على قرض من البنك الدولي بالإضافة إلى تحسن مداخيل القطاع السياحي. كما أنها ليست تحت الضغط، للخروج إلى الأسواق الدولية بعد موافقة مجلس إدارة صندوق النقد الدولي على صرف القسط الرابع من القرض في إطار اتفاق التسهيل الممدد للصندوق وموافقة البنك العالمي على القرض بالإضافة إلى الانتعاشة التي يشهدها القطاع السياحي وتحسن مستوى تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج. وأشار إلى أنّ الخروج الى هذه السوق يتطلب اختيار التوقيت الملائم والحصول على نسب فائدة مناسبة، لأنّه لا يمكن الخروج عندما تكون الأسعار مشطة في السوق العالمية. لكن ومع تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية أعادت المحاولة ولكن بثقة أكبر بسبب التحسن الملحوظ في الموارد الجبائية بأكثر من 4 مليار دينار مقارنة بسنة 2017 إضافة إلى تحسن الموارد من العملة الصعبة المتأتية من نجاح الموسم السياحي مع العلم وان المانحين الذين تمت زيارتهم من قبل المسؤولين التونسيين اقترحوا توفير مبالغ في حدود 1250 مليون أورو واكتفت تونس بمبلغ 500 مليون أورو بسبب التخوفات من ارتفاع الكلفة.

كلفة مرتفعة

نسبة الفائدة التي تحصلت عليها تونس ضمن خروجها الأخير ( 6.75%) تجعل من هذا القرض الأعلى كلفة في السنوات الأخيرة ويعود ذلك بحسب الخبير الاقتصادي اسكندر السلامي إلى أن تونس لا تزال مصنفة لدى المستثمرين كبلد ذي مخاطر إضافة إلى خسارة بلادنا للضمانات التي كانت تحصل عليها في السابق من بعض البلدان خلال خروجها للسوق المالية العالمية. وعلى سبيل المثال تحصلت تونس على قرض رقاعي بضمان أمريكي سنة 2015 قيمته مليار دولار أمريكي بنسبة فائدة في حدود 5.75% كما تحصلت على قرض سنة 2012 من خلال إصدار قطري بقيمة 500 مليون دينار بنسبة فائدة بنحو 2.5%. وعلاوة على ذلك يعكس ارتفاع نسبة الفائدة عدم ثقة البلدان الضامنة في الاقتصاد التونسي أي أن بلادنا أصبحت تخرج إلى السوق المالية العالمية دون ضمانات من أي جهة. وبالنسبة إليه يتعارض هذا التمشي مع ما أعلنته الحكومة في وقت سابق عن عزمها التخفيض في نسبة المديونية خلال قانون المالية للسنة القادمة خاصة وأن الاقتراض لم يقتصر على السوق العالمية بل سبقه اقتراض من البنوك التونسية منذ حوالي السنتين بفوائد مشطة.

كما أن الكلفة المرتفعة تعود إلى إنزلاق الدينار أمام العملات الأجنبية الرئيسية خاصة وأن القرض بالعملة الصعبة و بذلك ترتفع كلفته كلما كان هناك انزلاق للعملة الوطنية. ويطرح محدثنا تساؤلا هاما حول تراجع مخزون العملة الصعبة رغم انتعاش السياحة وارتفاع عائداتها وهذا يعود ربما لاستنزاف هذه العائدات في خلاص الديون.

نجاعة المديونية

ويعكس الوضع الذي بلغه الاقتصاد التونسي الفرق الكبير بين درجة المخاطرة لتونس ونسبة الفائدة المرجعية للسوق المالية العالمية حيث ترتفع كلفة الاقتراض من سنة إلى أخرى وتراجعت أغلب التصنيفات باستثناء رفع تونس من القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي ووضعها بالقائمة الرمادية وهذا بدوره مشروط بالتزام الحكومة بتطبيق الإجراءات الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2019. كما أن ارتفاع الكلفة يعود إلى غياب الشفافية في صرف القروض وعدم وجود إجابة شافية من طرف الحكومات المتعاقبة لسؤال : أين تصرف القروض و ماهي الانجازات التي أحدثت بهذه الأموال الكبيرة ؟ ويرى محدثنا أن الإجابة على هذا التساؤل تستوجب دراسة معمقة لنجاعة سياسة التداين التي اعتمدتها الدولة كسياسة ممنهجة خلال السنوات الأخيرة دون تقييم مع تراكم الديون من سنة إلى أخرى واستثمار القروض في مشاريع إما أنها خاسرة على ما يبدو أو أنه وقع استثمارها في مؤسسات غير ناجعة. ويطرح التوجه القائم على الاعتماد على القروض ضرورة أخذ الحكومة بعين الاعتبار المخاطر المنبثقة عنه حيث يؤدي تفاقم عبء المديونية الخارجية إلى زيادة احتمالية تعرض الدولة للصدمات المالية وبالتالي ضعف الاستقرار الاقتصادي اللازم لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وذلك نتيجة لعدة عوامل نذكر منها تأثير المديونية على التصنيف الائتماني للدولة في الأسواق المالية الدولية، حيث يؤدي ارتفاع عبء المديونية إلى اهتزاز صورة الدولة الاقتصادية في المحافل الدولية.

مخاطر عديدة

و يؤدي التداين والخروج المتواصل إلى السوق المالية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة على القروض الجديدة وتدهور شروطها، وهذا ما لاحظناه في آخر إصدار للسندات في الأسواق الخارجية. هذا إلى جانب اهتزاز ثقة المستثمرين بها، مما يشجع على هروب رؤوس الأموال للخارج، وبالتالي تفاقم جديد للأزمة. علاوة على ارتفاع كلفة خدمة الدين وزيادة عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات، مما يؤدي إلى استنزاف عوائد الصادرات والتحويلات من العملة الأجنبية لتغطية خدمة الدين المستحقة. بالإضافة إلى انخفاض الاحتياطات الرسمية من العملة الأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى زعزعة الموقف المالي للحكومة، والحد من قدرة الدولة على تمويل المستوردات وخاصة من المواد الخام اللازمة للصناعة والمواد الغذائية الأساسية. كما يؤدي ارتفاع عبء المديونية الخارجية الى زعزعة الثقة بالعملة المحلية، مما يؤدي إلى انخفاض قيمتها وتراجع قوتها الشرائية، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم.

كما يؤدي إلى تراجع مناخ الاستثمار مما يؤثر سلبا على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتراجع حركة النشاط الاقتصادي. أما في الجانب الاجتماعي، فيؤدي ارتفاع عبء المديونية الخارجية إلى تراجع حجم المدخرات المتاحة للاستثمار وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي، وهذا من شأنه أن يترك آثاراً اجتماعية سيئة، من الممكن أن تشكل تهديدا للأمن الاجتماعي، نظرا لاحتمالية ارتفاع معدلات البطالة نتيجة إنخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وإتباع سياسات اقتصادية انكماشية، وتراجع دور الحكومات في خلق فرص عمل جديدة في القطاع العام. ونتيجة لتراجع المستوى المعيشي للمواطنين نتيجة لارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية وتراجع الخدمات الاجتماعية والاقتصادية المدعومة من قبل الحكومة نتيجة لانسحاب الحكومة من النشاط الاقتصادي، وتحرير الأسعار ضمن برامج التصحيح الهيكلي التي تطبقها الدول التي تعاني من تفاقم عبء المديونية الخارجية،وذلك استجابة لاملاءات الصناديق الدولية والجهات المانحة وقد حان الوقت كي تستقل تونس بقرارها وتنخرط في منوال تنمية تضامني قوامه الحوكمة الرشيدة.

إن الدخول في دوامة الاقتراض في غياب تحسن جدي للمؤشرات الاقتصادية من شانه أن يعمق الأزمة أكثر ويثقل كاهل الأجيال القادمة ويرهن مصيرها..وهو ما يدفع إلى السؤال: الى متى ستنتهج سياسة الاقتراض هذه والى أين ستوصلنا هذه السياسة؟!