الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



الخبير الجبائي لسعد الذوادي لـ«الصحافة اليوم»:

إجراءات شعبوية وتضليلية في مشروع قانون المالية الجديد



أجرى الحوار شكري بن منصور

يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2019 عديد الإجراءات الجبائية التي تسعى الحكومة من خلالها إلى مزيد تعبئة الموارد لميزانية الدولة وتحقيق العدالة الجبائية. ومن أهم هذه الاجراءت حذف النظام الجبائي التفاضلي للتصدير والأنظمة المماثلة ولمسديي الخدمات المالية لغير المقيمين بالتوازي مع مواصلة الإصلاح الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب الضريبي. من ذلك تم إحداث ضريبة بنسبة 13.5 بالمائة بالنسبة إلى الأرباح المحققة ابتداء من غرة جانفي 2021، والمتعلقة بالشركات الناشطة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية ومن بينها الصناعات الإلكترونية والكهربائية والميكانيكية وصناعة الكوابل والصناعات الغذائية وصناعة الأدوية والمعدات الطبية والنسيج والجلود والأحذية وتصنيع السيارات والطائرات...كما تقترح الحكومة تمكين النزل السياحية من طرح نسبة 25 بالمائة من الدخل أو الربح الخاضع للضريبة لدعم عمليات إعادة الهيكلة المالية لهذه الوحدات الفندقية للفترة 2019 / 2020. هذا الامتياز لعمليات الاكتتاب التي تتم خلال الفترة الممتدة من غرة جانفي 2019 إلى 31 ديسمبر 2020. كما اقترح المشروع التخفيض من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة للاقطات الشمسية وذلك بهدف مزيد دعم الطاقات المتجددة.

ويشكك العديد من الخبراء في فاعلية أغلب هذه الإجراءات ومدى قدرتها على الحد من الفساد. وضمن هذا الإطار كان لنا الحوار التالي مع الخبير الجبائي وعضو الجمعية العالمية للجباية لسعد الذوادي.

سيشرع مجلس نواب الشعب هذه الأيام في مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2019 كيف تقيّمون أهم الإصلاحات الجبائية التي تضمنها؟

يمكن الجزم بأن أغلب ما ورد بمشروع القانون إجراءات شعبوية وتضليلية وتنتمي إلى فصيلة الأحكام التي لها أهداف مشبوهة على غرار التخفيض في نسبة الأداء على القيمة المضافة المطبقة على خدمات الهاتف القار والأنترنات القار المنزلي التي لا تزال تخضع إلى نسبة أداء مشطة . ألا يعلم القائمون على هذا القانون أن تلك الخدمة الأساسية تخضع للأداء على القيمة المضافة بنسبة 19 بالمائة ولمعلوم طابع جبائي أو بالأحرى معلوم استهلاك بنسبة 14 بالمائة ولإتاوة بنسبة 5 بالمائة تستعمل لتمويل صندوق تنمية الاتصالات الذي تحوم حوله شبهات فساد كبيرة ولم يتم فتح تحقيق بخصوص التصرف في موارده. أما بخصوص الإعفاء الجبائي المتعلق بالمعلوم على العقارات المبنية فيمكن وصفه بالإجراء الذي ينتمي إلى فصيلة الأحكام التي تكتسي صبغة رشوة ضمن الفصل 68 من المشروع والذي من شأنه تعميق الهوة بين من يقومون بواجبهم الجبائي ومن يتهربون منه وتشجيع المنضبطين على التهرب من دفع الضريبة ومكافأة المتهربين. مثل هذه الإجراءات تبقى من سمات الأنظمة الفاسدة التي لا تعرف قيم المواطنة خاصة إذا عرفنا أن حق الخزينة العامة لا يسقط بمرور الزمن داخل الولايات المتحدة الأمريكية وان المتهربين يتم التشهير بهم عبر شبكة الانترنات مثلما هو الشأن أيضا بجنوب إفريقيا وبريطانيا وكندا وغيرها من البلدان المتطورة.

هل سيحقّق مشروع قانون المالية لسنة 2019 انتظارات المواطن والمؤسسة؟

لم يشذ مشروع قانون المالية لسنة 2019 عن سابقيه من المشاريع الضحلة والمدمّرة. فقد تضمن كالعادة جملة من الأكاذيب والمغالطات من قبيل اعتماد المعايير الدولية في المادة الجبائية وتجسيم إيفاء تونس بتعهداتها الدولية ودفع الاستثمار ودعم القدرة التنافسية للمؤسسات ومواصلة إصلاح المنظومة الجبائية وتوسيع قاعدة الأداء ودعم ضمانات المطالبين بالأداء والتصدي للتهرب الجبائي، وعادة ما يساهم المشروع في تخريب القدرات التنافسية للمؤسسات المواطنة والشرائية للمواطن وتحصين المتهربين من دفع الضريبة وسماسرة الملفات الجبائية ومخربي الخزينة العامة. وعلى سبيل المثال تقترح الحكومة ضمن هذا المشروع حذف صندوق تنمية الطرقات السيارة وهو إجراء وارد بالفصل 10 من المشروع ويرمي ، حسب ما ورد بشرح الأسباب، إلى التقليص في عدد صناديق الخزينة والحال انه كان من المفروض المبادرة بحذف عشرات الصناديق السوداء (أكثر من 100) التي لا نعرف عنها شيئا. وكان من المفروض حذف أغلب هذه الصناديق الذي أعتبرها «صناديق مافيوزية» بامتياز وقع إحداثها بمقتضى الفصلين 57 و58 من قانون المالية لسنة 1975 والذي تنهب من خلاله المؤسسات وتخرب قدراتها التنافسية.

لكن المشروع تضمن مقترحا بالتخفيض في جباية السيارات السياحية، ألا يعتبر ذلك تخفيفا للعبء الجبائي على المواطنين ؟

هذا إجراء تضليلي وينتمي إلى فصيلة الأحكام التي تكتسي صبغة رشوة حيث يعفي من المعلوم على الاستهلاك من جهة لكن في نفس الوقت يخضع للأداء على القيمة المضافة بنسبة 7 بالمائة السيارات السياحية من جهة أخرى وهي السيارات المجهزة بمحركات ذات مكابس متناوبة يتمّ الاشتغال فيها بغير الضغط التي لا تتجاوز سعة أسطواناتها 1200 صم 3 ولا تتعدى قوتها 4 خيول بخارية جبائية والمدرجة تحت الرقم 87.03 من تعريفة المعاليم الديوانية باستثناء السيارات لكل المسالك.

وماذا بخصوص الأحكام المتعلقة بالتشجيع على إحداث المؤسسات التي تضمنها المشروع؟

لقد نص الفصل 12 من المشروع على إعفاء المؤسسات المحدثة لمدة 4 سنوات. مثل هذه الآليات الفاسدة تم اعتمادها سابقا وقد ساهمت في تنمية التحيل الجبائي حيث يعمد المهنيون إلى إحداث مؤسسات يمارسون من خلالها أنشطتهم السابقة ليتهربوا من دفع الضريبة وهذه الظاهرة لم تخضع إلى حد الآن لأية رقابة. من ذلك نص الفصل 20 من المشروع على انتفاع الاستثمارات المنجزة في قطاعات النسيج والملابس والجلود والأحذية المنتصبة بمناطق التنمية الجهوية بتكفل الدولة بمساهمة الأعراف في النظام القانوني للضمان الاجتماعي بعنوان الأجور المدفوعة للأعوان التونسيين لمدة 10 سنوات إضافية من تاريخ الدخول طور النشاط الفعلي وذلك بالنسبة إلى المؤسسات المحدثة قبل غرة جانفي 2011. مثل هذه الأحكام من شأنها مزيد إهدار المال العام والعبث به باعتبار ان عددا هاما من المؤسسات المنتفعة بالامتيازات المالية والجبائية والاجتماعية لا نجد لها أثرا بمناطق التنمية الجهوية أو لها صناديق بريد لا غير. الغريب في الأمر أن لا تفعّل ضدها على الأقل الأحكام الجزائية المتعلقة بالتحيل الجبائي ولا تجبر على إرجاع الامتيازات المالية والاجتماعية وجبر الضرر وهذا مظهر من مظاهر الفساد التي لم يهتم بها من يدّعي مكافحة الفساد.

لكن ألا يتصادم هذا التحليل مع نوايا الحكومة التخفيض في الضريبة على الشركات من 25 بالمائة إلى 13،5 بالمائة؟

هذا الأمر كان سيكون صحيحا في صورة دراسة هذا التخفيض بصورة علمية والبحث عن موارد أخرى لتعويض النقص الذي سيترتب عنه في موارد الدولة لكن ما حصل هو العكس حيث نص الفصل 13 من المشروع على التخفيض بصفة اعتباطية في نسبة الضريبة على الشركات بالنسبة إلى بعض الأنشطة دون سواها وهذا من شانه تكريس المزيد من التمييز بين المؤسسات التي توجد في نفس الوضعية وتمر بنفس الصعوبات على سبيل المثال لا الحصر بالنسبة للمؤسسات الناشطة في مجال صناعة الخزف والأثاث والتي لن تنتفع بهذا الامتياز وذلك في خرق على الأقل للفصلين 10 و21 من الدستور.

وما هو رأيكم بخصوص الترفيع في رأس مال البنك الوطني الفلاحي وإحداث بنك الجهات؟

تضمن الفصل 26 من المشروع مقترحا لوزير المالية متعلق بالمساهمة في الترفيع في رأس مال البنك الوطني الفلاحي بما يقارب 171 مليون دينار وهو إجراء يذكرني بعشرات مليارات الدينارات المشطوبة والمتفحّمة داخل البنوك العمومية، علما أن رعاة الفساد من أدعياء مكافحة الفساد حرصوا على عدم فتح ذاك الملف الذي يستحق سن قانون انتقالي بغاية استرجاع ما تم نهبه من دافعي الضرائب الذين يجبرون اليوم غصبا عنهم على تمويل الفساد. كما اعتبر أن إحداث بنك جديد للجهات هو إجراء شعبوي تضمنه الفصل 25 من المشروع من شانه مزيد إهدار المال العام في ظل تعفن محيط الاستثمار حتى النخاع وعدم تنظيم كل الأنشطة الاقتصادية بقوانين واستشراء المنافسة غير الشرعية وغير الشريفة وإنكار العدالة واحتلال الإدارة والمؤسسات العمومية من قبل الفاسدين وسيادة قانون الغاب واستشراء الفساد في جميع مفاصل الدولة وغياب الرقابة. فاغلب الأنشطة الاقتصادية في البلاد لا تزال غير منظمة بقوانين متطورة أو منظمة بقوانين وكراريس شروط متخلفة.

هل يمكن القول أن قانون المالية المقترح سيمكن من تشجيع أصحاب الدخل غير القار على الانخراط في المنظومة الجبائية ؟

هذا الإجراء المكرس بالفصل 40 من المشروع تم اتخاذه سابقا إلا انه لم يحقق الأهداف المرجوة بل ساهم في تحصين عدد هام من الممارسين للتحيل الجبائي ومكنهم من الإفلات من دفع ما تخلد بذممهم. كما أنه من شأن هذا الأجراء الفاسد تبييض الجرائم الجبائية علما انه لن يحقق أيضا النتائج المرجوة. كما أن رعاة الفساد الجبائي تصدوا لمقترحنا المتمثل في «اشتراط الانتفاع بالمرفق العمومي بإثبات سلامة الوضعية الجبائية» عوض وضع آليات فاسدة للتمويه والتضليل لا غير. وعلاوة على ذلك يقترح القانون الترفيع في خطايا التأخير الأمر الذي من شأنه مزيد تعكير الوضعية الصعبة التي تمر بها اغلب المؤسسات التي أصبحت غير قادرة على إيداع تصاريحها الجبائية والاجتماعية وحتى على دفع مستحقات أجرائها بعد أن تم إنهاكها. ومثل هذا الإجراء الخطير والمدمر لن يكون له أي اثر على مئات آلاف «الكناترية» والناشطين في السوق السوداء الذين عميت عنهم عيون هياكل الرقابة التي ينخرها الفساد. وهنا اطرح تساؤلا حول أسباب عدم اهتمام هياكل الرقابة بمليارات الدينارات من الديون العمومية المثقلة لدى القباضات المالية التي تم إسقاطها والتي لم يفتح بخصوصها أي تحقيق معمّق إلى حد الآن في إطار التستر على عصابات الفساد .

تحدثتم في مناسبة سابقة عن وجود بعض الأحكام المخالفة للدستور التي تضمنها مشروع القانون .. ما هي هذه الأحكام ؟

لاحظت بعد قراءة الفصول 18 و29 و30 و31 و36 و51 من المشروع أنها مخالفة على الأقل للفصل 65 من الدستور باعتبار أنها نصت على نصوص ترتيبية (قرارات وأوامر). إن التشريع الجبائي يتضمن عددا هاما من الأحكام المخالفة للفصول 10 و20 و21 و40 و41 و65 و103 و108 من الدستور والغريب في الأمر انه لم يتم العمل على ملاءمتها مع أحكامه. كما أن الفصل 54 من المشروع تضمن تفعيل الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتبادل المعلومات التي صادقت عليها تونس وقد تحولت إلى عبء ثقيل باعتبار أن الدول الأجنبية قامت بتوظيفها أحسن توظيف من خلال الاسترشاد عن أنشطة ومداخيل مواطنيها في تونس في حين أن إدارتنا لم توظفها للتعرف على أنشطة ومداخيل التونسيين في الخارج وبالأخص داخل الجنات الضريبية والمناطق الحرة والبلدان التي تطبق نسب ضريبة منخفضة وتفاضلية.