الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



اتفاقية «الأليكا»

تداعيات خطيرة على قطاعي الفلاحة والخدمات



اتفاقية «الأليكا»

تداعيات خطيرة على قطاعي الفلاحة والخدمات

إعداد: شكري بن منصور

يخشى العديد من الخبراء من أن تزيد اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي المعروفة اختصارا بالأليكا بصيغتها الحالية في تعميق الأزمة التي تشهدها عديد القطاعات الاقتصادية في تونس. و من المتوقع أن تكون أولى تداعياتها المباشرة تعميق العجز الهيكلي و العميق للميزان التجاري و الذي يدل على تدهور كبير للمنظومة الإنتاجية في بلادنا خاصة مع تواصل انهيار سعر الدينار التونسي في السنوات الأخيرة مما عمق قيمة المديونية السابقة و الحالية للبلاد بقرابة الضعف بفارق صرف العملة فقط زيادة على اللجوء المطرد لمزيد من المديونية نظرا لما تشهده البلاد من تراجع في الإنتاج و النمو الاقتصادي.

كما ينظر إلى اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق على أنها ستضرب في الصميم قطاع الخدمات الذي لا يملك قدرات تنافسية مقارنة بنظيره في البلدان الأوروبية خاصة من حيث أن الخدمات غير مؤهلة بالنظر للتوصية الأوروبية المؤرخة في 12 ديسمبر 2006 والمتعلقة بالخدمات. فحتى البرامج المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي لاكتساب قطاع الخدمات قدرات تنافسية غير كافية لتأهيل القطاع حيث ترمي إلى ربح الوقت وتفويت فرصة التأهيل على مهن الخدمات حتى تبقى متخلفة ومعدومة القدرات التنافسية.

أما القطاع الفلاحي فيعتبر المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية بحسب أغلب المطلعين على الاتفاقية لان تحرير الفلاحة هو مغامرة كبيرة بقطاع هش وضعيف في غياب التكافؤ بين تونس والاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بدعم السياسة الفلاحية المشتركة.فما هي أهم تداعيات اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي على اقتصادنا؟ وهل يمكن تجاوز ما سينجر عنها من نقائص؟

 

تعود العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس إلى سنة 1976 و منذ سنة 2008 أصبحت المنتجات الصناعية الأوروبية المصدرة إلى تونس معفاة تماما من الرسوم الجمركية وهو تاريخ الانتهاء من تفكيك الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية الذي بدأ في 1995 عملا باتفاقية الشراكة بين الطرفين وبهذا أصبحت تونس أول بلد من جنوب المتوسط التي توقع اتفاقية تجارة حرة.أما على مستوى الشراكة المميزة بين الاتحاد الأوروبي وتونس فتم توقيعه في 19 نوفمبر 2012 وهدفه الأساسي هو تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بهدف تنصيب اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق. وبين فترة 2014 و2020 خصص الاتحاد الأوروبي 15.4 مليار يورو لمساعدة تونس في البرامج المتفق عليها. وبدأت النقاشات حول اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق منذ سنة 2015 ورافقتها عديد المطالبات من الجانب التونسي بإحداث تغييرات حول بعض الفصول التي تعتبر مضرة بالقطاعات الاقتصادية في تونس.

وضمن هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي قيس المبروك أن أغلب فصول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي مضرة بالاقتصاد في ظل غياب تكافؤ القوى بين الطرفين.

تهديد للمؤسسات الصغرى

ويمكن اعتبار أن الاتفاقية التي تهدف بحسب القائمين عليها إلى تعزيز اندماج الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في تونس مع تلك في الاتحاد الأوروبي ستؤدي بكل بساطة إلى تبعية الاقتصاد التونسي لاقتصاد الاتحاد الأوروبي وهذا هو لب اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة التي هي قيد التفاوض حاليا. لذلك على المفاوض التونسي أن يحمي بقوة المصالح الوطنية المضطربة بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولأنها مضطربة فهي تشكل خطرا على الجميع فأوروبا مدعوة إلى توفير كل ما يمكّن تونس من التغلب بصفة كاملة على الصعوبات التي تعترضها والمطالب التونسية يجب أن تكون قوية وجريئة تضمن الخروج من الأزمة وبأقل التكاليف. ففي صورة عدم تكييف هذه الاتفاقية فحوالي 40 % من المؤسسات الاقتصادية في تونس قد يندثر في حال تم تطبيقها بصيغتها المطروحة. فهذه المبادرة ستشمل المنتوجات الفلاحية والخدمات كتكملة لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتونس الذي تم توقيعه منذ سنة 1995 والذي تم بمقتضاه تفكيك المعاليم الجمركية على المنتوجات الصناعية بين الطرفين في خطوة تهدف إلى ضم الجمهورية التونسية إلى منظومة الاتحاد الأوروبي بمعادلة تجعل من تونس تخضع لكل الفصول الملزمة دون أن تنتفع بالجوانب الإيجابية لهذه الشراكة كمثيلاتها من بلدان الاتحاد الأوروبي.

ويعتبر محدثنا أن التداعيات الأخطر ستمس تحرير القطاع الفلاحي بالتوازي مع مجلة الاستثمار الجديدة مما سيؤدي حتما إلى امتلاك الأجانب للأراضي الفلاحية التونسية ويتم استغلالها استغلالا عصريا بالانتفاع بالإعفاءات الضريبية

وستكون النتيجة اكتساح المنتجات الفلاحية الأوروبية للسوق مما يهدد صغار الفلاحين الذين سيتحولون بالضرورة إلى مجرد عمال زراعة وهذا يعد أكبر مس بالسيادة الوطنية حيث تفرض اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق على الجمهورية التونسية أن تلتزم بالقوانين الأوروبية دون أدنى معارضة وهذا ما قد يضطر تونس الى تغيير قوانينها الاقتصادية.

وفي سياق متصل أوضح الخبير الاقتصادي عادل الطويل أنه بعد أن أدت اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي سنة 1995 إلى ضرب الصناعة المحلية الناشئة و إفلاس المئات من المؤسّسات المتوسطة والصغرى وبضعة عشرات من المصانع الكبرى بسبب عدم قدرتها على المنافسة والصمود أمام الشروط والترتيبات غير العادلة تأتي اتفاقية الأليكا لتضرب قطاع الخدمات في غياب البنية التحتية اللازمة والتكوين الأمثل وعدم التساوي في الأداءات والمصاريف وتحديد مواصفات على مقاس الشركات الأوروبية مما رجح الكفة لفائدتهم وزجت بمؤسساتنا الوطنية في عديد الصعوبات أدت ببعضها إلى الإفلاس والغلق..

كما أن مبادئ التبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوروبي كبدت تونس خسائر فادحة بعد التخلي عن الأداءات الجمركية و هذه العائدات لم تعد متوفرة للاستثمار في البنية التحتية.

التأسيس لمنوال اقتصادي جديد

كما أنه من الضروري تقييم نتائج اتفاق الشراكة المبرم سنة 1995 قبل إمضاء أي اتفاق جديد وهو الاتفاق الذي نص على رفع الحواجز الجمركية على توريد وتصدير المنتجات الصناعية فيما استُثني قطاعي الخدمات والفلاحة. ويقول منتقدو الاتفاقية أنه على عكس ما بشر به المتفائلون لم تتمكن تونس من تعديل ميزانها التجاري المختل مع أوروبا بل خسرت ميزانية الدولة جراءه 30 % من المداخيل الجبائية المعتادة. ولعل أخطر ما في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق يتمثل في كونها لا تقتصر على المبادلات التجارية بل تؤسس لإنشاء منوال اقتصادي في تونس يفرض التقليص بل إلغاء دعم ومساعدة الدولة وتعديل الأسعار وتقاطع الأسواق وذلك بجعل الأسواق العمومية مفتوحة للمؤسسات الأوروبية. وتمثل هذه الاتفاقية خطوة جديدة للانفتاح وذلك بعد الانتهاء من الإصلاحات على مستوى الإصلاح الهيكلي..

وعلاوة على ذلك تمنح الاليكا عديد الامتيازات للمستثمرين الأوروبيين مما يسمح لهم ببعث مشاريعهم بكل حريةو دون قيود ودون إجبارهم على المساهمة في التنمية المحلية كما يمكن لهم مقاضاة الدولة التونسية في حال تعارضت سياساتها مع مصالحهم.

ولا ينفي محدثنا وجود بعض المنافع التي ستنجر عن هذه الاتفاقية خاصة في مجال البنوك والصحة إذ سيؤدي إلى تنشيط السوق المالية كما أن القطاع الصحي الخاص في تونس له قدرات تنافسية وتشغيلية كبيرة وقد يستفيد من تزايد إقبال المرضى من أوروبا على المصحات الخاصة في تونس خاصة في مجال جراحة التجميل التي تتمتع فيها بلادنا بأسعار تفاضلية. كما أن ايجابيات هذه الاتفاقية قد تمكن من تجاوز أشكال محدودية السوق التونسية ومحدودية مواطن للشغل خاصة وأنّ المؤسّسات العمومية ستخفض من الانتدابات في السنوات القادمة وسنحتاج إلى الأسواق الأجنبية والسوق الأوروبية ستفتح لنا أكثر من مليار مستهلك فهو سوق أكبر بكثير.

تعكس اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروبي سعي الجانب الأوروبي إلى فرض مصالح الشركات الأوروبية و توسيع منطقة نفوذها الاقتصادي. و حتى لا تتحول هذه الاتفاقية ببساطة إلى مسار قسري لتحرير جميع قطاعات الاقتصاد وفتح الأسواق أمام المنتجات الأوروبية من الضروري أن تقوم تونس بالتفاوض وفق نفس المنطق المعتمد وهو المصالح خاصة و أن تونس تكبدت خسائر كبيرة منذ تفعيل اتفاقية الشراكة المنجرة عن تخفيض المعاليم الديوانية بـ 2.4% من الناتج الداخلي الخام وتم تعويض هذه الخسائر من خلال الترفيع في الضرائب مما أدى مباشرة إلى إثقال كاهل المواطن التونسي، وفقدان 55% من النسيج الصناعي التونسي وارتفاع نسبة البطالة لدى الشباب الحاملين للشهائد العليا وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع حجم الواردات من الاتحاد الأوروبي مما سبب خللا في الميزان التجاري.