الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

إقتصاد



مجلة الاستثمار الجديدة

دعـــــم للاستثمـــــار أم تقنيــــن للفســـاد ؟



إعداد: شكري بن منصور

من المفترض أن تساهم مجلة الاستثمار في إعادة التوازن الاقتصادي ومعالجة عديد الإشكاليات التي من بينها قلة الاستثمارات الخاصة ونمو اقتصادي محدود ومؤسسات اقتصادية غير مندمجة رغم إمكانيات البلاد.

فالقيمة المضافة للاقتصاد التونسي ضعيفة حاليا خاصة في مجالات التصدير والخدمات مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري وعجز المؤسسات الاقتصادية وكذلك عدم قدرة هذه المؤسسات على خلق مواطن الشغل مما زاد من عدد العاطلين عن العمل. لذلك تضمنت المجلة بصيغتها الجديدة عديد الامتيازات لرجال الأعمال بهدف التشجيع على الاستثمار لكن التقرير عدد 28 لدائرة المحاسبات تحدث عن شبهات فساد خطيرة تضمنتها المجلة في مجال منح الامتيازات المالية والجبائية من قبل وكالة النهوض بالصناعة والتجديد. كما أن التقرير أشار إلى أن هناك بعض الجرائم التي أدت المجلة إلى تنميتها بسبب ضعف الرقابة والمبالغة في منح الحوافر للمسثمرين الأجانب بالخصوص.

فما مدى جدوى مجلة الاستثمارات الجديدة و هل ستؤدي إلى دعم الاستثمار أم إلى تفشي الفساد الاقتصادي؟

تم السعي في مجلة الاستثمارات الجديدة، إلى تحرير عدد كبير من أنشطة الخدمات غير المنظمة أو المنظمة قصد الحد من البيروقراطية والتعطيلات الإدارية التي تعطل الاستثمار ومن هذا المنطلق يتوقع الطيب السويسي رئيس جمعية إنقاذ والنهوض بالمؤسسة أنه من أهم تداعيات المجلة تنامي ظاهرة التهرب الجبائي باعتبار أن عددا هاما من المؤسسات الأجنبية أودعت تصريحا بالاستثمار لتكوين مؤسسة مصدرة كليا والحال أن النشاط الفعلي لا علاقة له بالتصدير ويخضع للضريبة حسب التشريع الجبائي الجاري به العمل . فظاهرة التهرب الجبائي والمالي اعتمدت بشكل مقنن على أحد الفصول التي تضمنتها مجلة الاستثمارات وهي تصريح الشركات بصفة صورية باستثمارات بمناطق التنمية الجهوية لكن الواقع أن هذه الشركات تنشط بصفة فعلية داخل المدن غير المصنفة كمناطق تنمية جهوية علما وأن هذه الجريمة لا زالت متواصلة إلى حد الآن في مخالفة لتكريس المبدإ الدستوري المتعلق بالعدل بين الجهات والتمييز الايجابي ودون أن تكلف وزارة المالية على الأقل نفسها عناء تطبيق أحكام الفصل 101 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية المتعلقة بالتحيل الجبائي واسترجاع المنح المالية المتحصل عليها بواسطة التحيل لذلك من المهم أن تبادر الحكومة إلى تحوير التشريع الجاري به العمل حتى لا يسقط حق الدولة بمرور الزمن.

ويقر محدثنا بأن المجلة وكذلك قانون المالية ساهما في الإضرار بصفة خطيرة بالقدرات التنافسية للمؤسسات داعيا إلى ضرورة الاستئناس بالمعايير الدولية في مجال الحوكمة والشفافية ومكافحة التهرب الجبائي مثلما فعلت ذلك بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وجنوب إفريقيا والجزائر من خلال وضع سجل للتشهير بالمتهربين من دفع الضريبة. فتبييض الجرائم الجبائية مكرس اليوم صلب القانون كسقوط حق الخزينة العامة بمرور الزمن والفصل 92 من القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب.

لا بد من آلية للتقييم

وشدد محدثنا على ضرورة إحداث آلية لتقييم مردودية الامتيازات المالية والجبائية والاجتماعية علما وأن البنك الدولي أكد من خلال دراسته المعنونة «الثورة غير المكتملة» أن الدولة التونسية تنفق 20 ألف دولار لخلق موطن شغل واحد.

وعلاوة على ذلك يرى الخبير الجبائي لسعد الذوادي أن المجلة تتيح تحويل وجهة الأراضي الدولية التي منحت بالدينار الرمزي في إطار استثمارات صورية من خلال التفويت فيها بمبالغ خيالية . ويشمل ذلك تنمية ظاهرة تبييض الأموال من خلال تمكين المتحيلين والمتهربين من دفع الضريبة والمهربين من تبييض مداخيلهم غير الشرعية في إطار استثمارات فلاحية صورية وهؤلاء يبعثون شركات فلاحية تنتفع بإعفاء جبائي طيلة 10 سنوات يبيضون من خلالها كل مداخيلهم غير الشرعية.

وبسبب ضعف عمليات الرقابة تتيح المجلة للمتحيلين ومبيضي الأموال الأجانب بعث شركات تجارة دولية غير مقيمة ومصدرة كليا لا تمارس هذا النشاط بصفة فعلية بل تقوم بتبييض الأموال والجرائم الجبائية والحال أن الامتيازات المتعلقة بالتصدير وجب أن لا تمنح إلا للأشخاص الذين يصدرون منتوجات ذات منشإ تونسي وان القانون عدد 42 لسنة 1994 وضع من اجل ذلك وهو يستحق المراجعة الفورية بالنظر للأخطاء الفادحة التي تضمنها. كما كان لزاما على إدارة الجباية واللجنة التونسية للتحاليل المالية بالبنك المركزي ورئاسة الحكومة أن تتدخل لوضع حد لتلك الاخلالات يضاف إلى ذلك شركات التجارة الدولية المصدرة كليا التي بعث بها تونسيون ليقتنوا بضائع قيمتها أكثر من 3 مليار دينار دون دفع المعاليم والادءات ليتم فيما بعد ترويجها بالسوق التونسية ولولا تضرر تجار الجملة لما تم كشف تلك الجريمة بالنظر لاستشراء الفساد والإهمال صلب مختلف هياكل الرقابة العمومية. ويشمل التهرب الضريبي أيضا عملية إعادة استثمار الأرباح التي تشجع عليها المجلة حيث يعمد المستثمرون الأجانب بالخصوص في سبيل الاستفادة من الإعفاءات الجبائية القيام باستثمارات صورية لا يتم انجازها.

خلق منافسة غير متكافئة

كما تجدر الإشارة إلى المنافسة غير المتكافئة التي كرسها التشريع الجاري به العمل بالنسبة للشركات المصدرة كليا المسموح لها ببيع 30 % من إنتاجها بالسوق المحلية ولكن دون دفع كل المعاليم والادءات التي تدفعها المؤسسات المصدرة جزئيا كالأداء على التكوين المهني والمساهمة المتعلقة بالمساكن الاجتماعية والمعاليم الديوانية عند توريد المعدات والتجهيزات واقتناء حاجياتها بتوقيف العمل بالأداء على القيمة المضافة. وعلى سبيل المثال أدت خوصصة مصانع الاسمنت التي تمت في ظروف غير عادلة وغير قانونية إلى خلق أزمة في مجال البناء من خلال تصديرها للاسمنت وعدم احترامها لكراريس الشروط المتعلقة بالتفويت في تلك المصانع إضافة إلى أزمة الاسمنت الأبيض التي تسببت فيها الشركة الاسبانية والتي كادت تؤدي بمصانع الجليز إلى التوقف عن النشاط والإفلاس.

وضمن هذا السياق أشار لسعد الذوادي إلى أن الامتيازات المالية أصبحت مصدر فساد يستفيد منه المستثمر الأجنبي من خلال ادعاء تركيز نشاط اقتصادي بمناطق التنمية الجهوية ليحصل على المنح المالية من خلال استثمارات وهمية في بعض الأحيان ومضخمة في اغلب الأحيان للحصول على اكبر قدر ممكن من المنح المالية باعتبار أن المعدات التي يأتي بها متأتية من الخردة التي يتم تضخيم قيمتها مقابل رشاوى تدفع للعاملين بالمراكز الفنية وفي هذا نهب وسرقة للخزينة العامة حيث أن لا وجود لنقل تكنولوجيا. في هذا الإطار وباعتبار أن الفصلين 64 و65 من مجلة التشجيع على الاستثمارات صيغا بطريقة غامضة ومبهمة من قبل الفاسدين لم تنص على إجراءات مراقبة الامتيازات المالية حيث أن ما تجمعه إدارة الجباية باليمين يتم إهداره في الامتيازات المالية بالشمال مقابل استثمارات لا تعرف إلى حد الآن مردوديتها. لذلك بات من الضروري حذف نظام الصرف التمييزي والمضر المتعلق بالشركات غير المقيمة الذي يسمح للشركات المصدرة كليا بعدم إدخال مواردها من العملة الصعبة علما وأن اللجنة التونسية للتحاليل المالية أوصت بحذفه في تقريرها الصادر خلال سنة 2017 باعتبار أن ذلك النظام حول تونس إلى وكر لتبييض الأموال والتحيل الدولي والجريمة المنظمة.

تبقى الامتيازات الجبائية الممنوحة من قبل الدولة موضع خلاف بين الخبراء خاصة بعد النتائج التي توصل إليها سبر أراء قامت به وكالة النهوض بالصناعة والتجديد لعدد من المؤسسات الصغرى والمتوسطة بأن 80 % من هذه المؤسسات تعتبر أن الامتيازات الجبائية الممنوحة من قبل الدولة لا تعتبر حافزا للاستثمار وتؤكد في المقابل وجود عدة عوامل التي تعد دافعا رئيسيا في الاستثمار على غرار اليد العاملة والبنية التحتية . كما أن تواصل العوامل التي تعرقل الاستثمار على غرار طول الإجراءات الإدارية يعتبر أهم عائق يجب العمل على تجاوزه في المستقبل القريب.