الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




«الهارد توك» التونسي

منيرة رزقي

رغم أن مصطلح «الهارد توك» يتصل بالحقل الإعلامي بالتحديد ويحيل على تلك البرامج الجريئة والحوارات المنفلتة من كل عقال ورأى النور على أيدي البريطانيين في أواخر التسعينات فإننا نستطيع اليوم دون مغالاة تنزيله في الإطار التونسي .

ولن نتعسف على أحد إذا ما قلنا أن المشهد التونسي بات «هارد توك» حقيقي سواء في الحياة السياسية التي انتفت فيها العقلنة والمنطق وغابت عنها الإيتيقا وباتت كما تقول العبارة الدارجة العميقة «سوق ودلال» بمعنى أن الكل يتاجر بالكل ولا مجال لقيم تحدد طبيعة العلائق البينية للساسة أو تحدد نمط العلاقة بين الفاعل السياسي وعموم الشعب.

أو في ما يتعلق أيضا بالنخب المثقفة صانعة الرأي العام والمؤثرة فيه سواء من المبدعين أو الإعلاميين على اختلاف مشاربهم.

ولا يختلف الوضع كثيرا إذا ما اتصل بعموم التونسيين بالنظر إلى تفاعلهم اليومي في الفضاء العام وتعاطيهم مع القضايا المطروحة راهنا. وهنا تبرز ربما تفاصيل الأزمة المجتمعية التونسية التي جاء التعبير عنها بطريقة «الهارد توك» ونعني فائض الجرأة وغياب الرصانة في أساليب الخطاب والتمظهر السلوكي على حد سواء.

والواقع التونسي يمنحنا النماذج بسخاء مطلق فإذا ما توجهنا إلى البرلمان وهو السلطة الأصلية وفق النظام السياسي المعتمد عندنا حاليا فإننا نلمس تخبط الأحزاب السياسية التي وجدت نفسها في اختبار البرنامج والمشروع الغائب ولم تبق لها سوى المناورات والتوافقات سرية وعلنية وحتى المؤامرات التي تدبر بليل ويطفو على السطح صراع أجوف تحكمه المصالح الآنية ويعبر عنه بشكل فج يصل حدود الصفاقة وهو ما يمكن أن نعبر عنه دون مبالغة بـ«الهارد توك» الذي تستباح فيه كل القيم وتتآكل فيه كل معاني الاحترام والنقاش البناء لصالح التمسرح وحب الظهور والنرجسية الطافحة.

وهي ذاتها المعاني التي تتجلى في صلب مجمل الأحزاب التي تفككت جراء غياب المشروع الجامع والنزعة الزعاماتية الجامحة لبعض الشخصيات التي تراهن على تاريخية نضالها أحيانا أكثر من الرهان على منجزها الفعلي في الراهن. او بعض المهرولين نحو السلطة دون تاريخ نضالي او منجز حقيقي وقد سولت لهم أنفسهم الاستفادة من حالة الارتباك العام للتموقع في هذا المشهد الضبابي وهم من الذين تصدق فيهم عبارة المهاتما غاندي «كثيرون حول السلطة وقليلون حول الوطن».

وفي سياق متصل لا تبدو النخبة التونسية معنية كثيرا بإنجاز فعلي لحلحلة الواقع فأهل الإبداع الفني منغمسون في حالة فلكلورية عامية لا تتسق مع خصائص المشهد التونسي ولا تستجيب بأي حال من الأحوال لتطلعات الناس ولا تشبع بالتالي احتياجاتهم وهم أيضا يخضعون لمنطق هذا «الهارد توك» من خلال صراعاتهم ونزاعاتهم التي لا تنتهي. نقول هذا مع التقدير الفائق لبعض الاستثناءات التي تغرد خارج السرب والتي تنكب على مشاريع إبداعية حقيقية ولكنها بمفردها لا تصنع ربيعا ثقافيا تونسيا.

في الأثناء يحلو للإعلام التونسي في مجمله، مع التيقظ لقاعدة عدم التعميم ، أن يلعب لعبة هذا «الهارد توك» بامتياز ويبدع في صنع هذه الظاهرة من خلال المنابر الإعلامية المنفلتة من كل عقال مع غياب واضح لهياكل المهنة إما عن عدم اكتراث أو عن عجز وربما لدواعي أخرى مبهمة. وفي الأثناء تبدو هذه المنابر مجرد تنابز بالألقاب وسعيا إلى توجيه الرأي العام والـتأثير فيه خاصة ونحن قاب قوسين أو أدنى من خريف ساخن جدا عنوانه الأبرز الانتخابات التشريعية والرئاسية التي وإن كان سباقها قد بدأ مبكرا وحمي وطيسه قبل الأوان فإنها لا تحمل حتى اللحظة سوى النذر الخطيرة والمؤشرات السلبية خاصة مع غياب برامج سياسية واقتصادية واجتماعية معروضة على التونسيين لاختيار أفضلها.

وفي هذا الخضم يترك عموم التونسيين لمصيرهم أو لصنع «هارد توك» على مقاسهم وبمفرداتهم وهو يتجلى في الشارع ونعيشه يوميا من خلال التوترات القصوى ومن خلال الاستغلال الفاحش من الأقوياء للضعفاء في ظل غياب شبه تام للقانون.