الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




حاكمون في القصبة.. و«ثوريون» في الكامور !!

خليل الرقيق

«نحن الموقّعون أدناه»... وكم كثرت التوقيعات على جسد البلد المنهك... كم تهاوى المشهد الى محاكاة المزاج الجهوي للأحزاب الوطنية...

«نحن الموقّعون أدناه»... وكم كثرت التوقيعات: النهضة كالعادة، مع أحزاب عائدة من غبار الذاكرة مع هياكل جهوية لمنظمات وطنية، يصدرون بيانا «خطيرا».

لم يكن البيان مركزيا بالمعنى الوطني، بل جهويا بالمعنى المناطقي... وهو على الأرجح سابقة فريدة من نوعها، فالأحزاب «الموقّعة أدناه» ساندت مطلقا إغلاق طريق!! وأوّل الممضين على بيان اغلاق الطريق، هو حزب ينتمي إلى السلطة التي من المفترض أن تؤمّن الطريق...

يقول الموقعون أدناه أن هناك «حراكا شبابيا سلميا ساعيا الى اغلاق الطريق»، والطريق في الكامور، والكامور تنتمي إلى تطاوين التي تنتمي إلى تونس أي أنه ببساطة شديدة تَرجع بالنظر إلى الدولة التونسية، تلك التي أطنب الموقعون أدناه في تقزيمها وتبخيسها بداعي المشاعر الجهوية الجيّاشة...

كم كثرت التوقيعات على جسد البلد المنهك.. وكم تبهرنا «المكرمة العظيمة» للأحزاب «المبدعة» والتي صنفت لأوّل مرّة في التاريخ غلق الطّرقات في باب العمل السلمي!!

كم تقتلنا المهزلة، وكم تغمرنا الهواجس حول وطن كبير جزّأته الأطماع الصغيرة... لم نكن نرى تطاوين ـ التي ذكّرنا البيان «الحدث» أن النفط قد اكتشف بصحرائها منذ ستينات القرن الماضي ـ إلاّ قطعة من تراب تونس، ومازلنا نراها كذلك ولا نعتقد أن شبابها له رأي آخر...

لم نكن نرى البطالة إلاّ داء مشتركا يكابده شباب البلد في الشمال والجنوب، ولم نكن نرى نقص التنمية إلاّ إشكالا وطنيّا يستوجب حلولا وطنية... فماذا تغيّر الآن؟؟؟

لم نكن نرى كامور تطاوين وناظور زغوان وسجنان بنزرت إلاّ ترابا ممتدّا في نسيج عنوان سيادته الأوحد هو الدّولة التونسية... فما الذي يحصل الآن؟؟.

ولسنا ندري في الحقيقة إن كانت الأحزاب «التطاوينية» الموقّعة أدناه، تنتمي على مستوى مرجع النظر والهيكلة والموقف العام الى مركزيات حزبية وطنية... أم لا؟؟

ما نعرفه تحديدا، هو أن حركة النهضة المتحمّسة لإغلاق الطريق في الكامور، تحكم تونس بوزارات ذات اختصاص أوّل في الشأن التنموي، الصناعة والتجارة والتشغيل، وما أدراك ما التشغيل... وهذا يعني أن فرعها الجهوي بتطاوين قد اغلق عليها باب السلطة إذ أغلق عليها طريق الكامور..

وهل يكون فرعها الجهوي المساهم في البيان الحدث، قد استشار مكتبه الوطني المساهم في النكبة الاجتماعية العامة، والمسؤول خلال دورتين سلطويتين متصلتين عن تفقير الشعب الكريم؟؟

كم كثرت التوقيعات على جسد البلد المنهك؟

طريق الكامور مغلق... لأسباب يقول الموقّعون مع حركة النهضة أنها «حراك سلمي»... فليعم السلام كل الطرقات المقطوعة في الوطن المفكّك.. طريق الكامور مغلق في اطار تحرّك «مشروع»، وليت شبابنا يدرك أن فعل القطع ينسف كل مشروعية...

ليت شبابنا يدرك أن لعبة النفط كانت أوّل من قدح لعبة الدّم في منطقتنا العربية المبتلاة، ليته ينظر الى نفط الرقة الذي أحرق سوريا، وإلى نفط الموصل الذي أشعل العراق ونفط سرت الذي اغرق ليبيا...

ليت شبابنا يدرك أن أحزاب النفاق لا تصنع التنمية، بل تنتج البؤس... ليته ينظر لحظة الى رخاء «مونبليزير» في القصبة، قبل أن ينظر الى «ثورية مونبليزبر» في الكامور...

لا يوجد تونسي واحد ينكر على الشباب الحقّ في الاحتجاج من أجل التنمية، لكنّ شيئا خفيّا بدأ يطلّ برأسه على هامش الأحداث... شيء خفي يطلّ من المزاج الجهوي العالي للأحزاب «الوطنية» شيء بغيض يختفي وراء الطائفيات المصغرة التي تنخر جسد البلد... وكم كثرت التوقيعات على جسد البلد المنهك.. كم كثرت الإنفعالات المتاجرة بآلام الناس، كم كثر المنافقون..

وعلى ذكر النفاق لنتأمل فقط، ذلك الفارق الشاسع والغريب بين بيان مركزي تدعو فيه حركة النهضة الى ترشيد التحرّكات، وبيان جهوي لنفس الحركة تساند فيه اغلاق الطرقات...

لنا أن ننظر فقط الى بيان مركزي يجذبه سحر الكرسي، وبيان جهوي يجذبه غليان الشارع... الرخاء على كرسي القصبة، و«الثورية» على طريق الكامور... كم تتالت التوقيعات على جسد البلد المنهك...