الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




التّواضع من شيم الكبار

نجاة ملايكي

أثارت المصادقة على مشروع قانون المالية 2019 ضجة كبيرة في صفوف العديد من القطاعات التي عبرت عن رفضها لعدد من فصوله وكانت تنتظر عدم تمريرها والمصادقة عليها، لكن انتظاراتها ذهبت أدراج الرياح رغم دفاع عدد كبير من النواب عن خياراتها خلال جلسات النقاش، من خلال محاولات الإقناع بضرورة إسقاط هذه الفصول تارة، وحدّة النقاشات وتبادل الاتهامات والتلاسن تارة أخرى.

وقد لجأت مجموعة من النواب يفوق عددهم الستين نائبا إلى توقيع عريضة للطعن في دستورية قانون المالية الجديد والمطالبة بإسقاط عدد من فصوله وخصوصا منها المتعلقة برفع السر المهني عن المهن الحرة والتي اعتبرها أصحاب هذه المهن كارثة ستمسّ من أخلاقيات المهنة واستقلاليتها وستزعزع الثقة بينهم وبين الحرفاء.

ومن المنتظر أن تتولى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين النظر في هذه الطعون وقد يتم إسقاط بعض الفصول المذكورة مما سيسقط الكثير من حسابات الحكومة ويضعها في موقف صعب إزاء التزاماتها وبرامجها ويجبرها على التراجع عن بعض الإجراءات التي كانت تعتزم اتخاذها اعتمادا على هذا القانون.

الكثير من القطاعات التي اعتبرت أن عددا من الفصول التي احتواها قانون المالية مجحفة في حقها بدأت تعدّ العدّة وتشحذ الهمم للخروج إلى الشارع في وقفات ومسيرات احتجاجية، ومنها من دخل في اعتصام مفتوح إلى أن يتم إسقاط هذه الفصول. ومن ضمن الذين عزموا على الاحتجاج المحامون والخبراء المحاسبون الذين وقفوا صفا واحدا ضد مسألة رفع السر المهني وأطباء القطاع الخاص الذين رفضوا توظيف نسبة إضافية من الجباية على رقم معاملاتهم.

وتضاف هذه الأطراف الغاضبة إلى العديد من القطاعات الأخرى التي تحركت منذ فترة في نفس الاتجاه الاحتجاجي على غرار الوظيفة العمومية والتعليم والنقل إلى جانب بقية مكونات القطاع العام والوظيفة العمومية والفلاحة وغيرها من القطاعات الحيوية. وتأتي هذه الاحتجاجات بصنفيها المشروع وغير المشروع في ظرف اقتصادي واجتماعي لم يعد يحتمل المزيد من التدهور لما يتّسم به من تدهور في الخدمات وتعطل في الإنتاج وتراجع في مؤشرات التنمية وتصاعد في نسب التضخم وتآكل خطير وغير مسبوق في المقدرة الشرائية.

ولئن تعاني هذه الحكومة ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ من ضغوطات مختلفة وصعوبات على كل المستويات، إلا أن الجميع وخصوصا منهم الأطياف السياسية المتفقة والمتعارضة وخبراء الاقتصاد، متفقون على كونها «تجني» تبعات سياساتها الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة في ظرف لم يعد يحتمل فيه المزيد من التراجع والتدهور الذي طال مختلف القطاعات والمجالات، كما أنها عوض أن تحافظ على نهج الوفاق وعلى نفس المسافة من الجميع، اعتمدت سياسة الهروب إلى الأمام وظلت تضيّع الواحد تلو الآخر إلى أن انفض الأغلبية من حولها فخسرت الالتفاف الشعبي والسياسي الذي انطلقت به في بداياتها، مما أنتج مناخا غاب فيه الحوار والتفاوض البناء الذي كان له في السابق الدور الأساسي في إنقاذ البلاد وتحقيق بعض الانتعاشة للاقتصاد، وخصوصا طمأنة الناس.

اليوم وقد وصل الوضع الاقتصادي إلى ما وصل إليه من اختناق وفقد فيه المواطن المنهك من التضخم وتراجع الأجور وغلاء الأسعار، الثقة في التغيير وفي كل المسؤولين السياسيين، كيف يمكن للحكومة إقناع المحتجين على الوضع وعلى قانون المالية بجدوى خياراتها؟

فقد بات من الضروري إنقاذ البلاد من تبعات موجات الاحتجاجات التي بدأت وتيرتها تتصاعد هنا وهناك في ظل الفشل المتواصل للعودة لنهج الحوار وفي ظل انسداد أفق التواصل الايجابي بين رأسي السلطة والتطاحن الحزبي بين بقية المكونات السياسية التي عدلت عقارب ساعاتها على الاستحقاق الانتخابي القادم وتقاعست عن واجباتها تجاه الشعب.

الكثير من الخبراء أجمعوا على أن توجهات ميزانية 2019 قد اعتمدت على نفس التوجهات الاقتصادية والاجتماعية بما يجعل نتائجها لا تختلف عن سابقتها ويأتي هذا في ظل تعطل المفاوضات الاجتماعية وإقرار يوم 17 جانفي القادم لإضراب القطاع العام والوظيفة العمومية بما سينجر عنه من خسائر كبيرة وتداعيات سلبية على الاستثمار ولكل ما سبق ذكره يجب على الحكومة انتهاج سياسة الحوار والتواضع والتراجع عن القرارات الخاطئة والخيارات التي ثبت فشلها.