الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




من يفكُّ عزلة الوزير غَيْرَ الرئيس ؟!

الهاشمي نويرة

مرّ أكثر مِنْ أسبوعين على إجراء التحوير الوزاري ولَمْ نَلْحظ وجود مؤشّرات على إحداث أو إعتزام إحداث نُقْلَة نوعيّة في العمل الحكومي مِنْ شأنها أن تساعد على دَفْعِ عَجَلَةِ التّنمية وتحقيق تطلّعات التونسيين إلى غَدٍ أَفْضَلَ.

ونَحْنُ إِذْ نَتَفهّمُ أنّ الفريق الحكومي الجديد ليوسف الشّاهد مِنْ حقّه أن يتمتّع بمهلة الإطّلاع والتمعّن في الملفّات، فإنّنا نشدّد على أنّ الملفّات الرّاجعة بالنظر الى وزارة الداخلية تحديدا لا تتحمّل الانتظار.

وهذا الطابع المستعجل للملفّات المتعلّقة بمهام وزارة الداخلية تفرضه طبيعة مهام هذه الوزارة المحوريّة خصوصا تلك المرتبطة بالاستقرار والأمان المُجْتَمَعِيينِ :

وانّ في تعيين وزيرٍ على رأسها مِنْ داخل المنظومة الأمنية، إنّما هو لأجل البَدْءِ الفوري لمعالجة هذه الملفات.

ومعلوم أنّه مِنْ مَهَامِّ وزارة الداخليّة مواصلة الحرب على الارهاب وتوفير كلّ الامكانيات الماديّة والتشريعية لتَيْسِير ذلك، ثمّ هي مُطَالَبَةٌ أيضا بالتّصدّي للجريمة لتَأثير ذلك على الأمن اليومي للمواطن، وهي كذلك مَدْعُوَّةٌ لمعاضدة مجهودات الحرب ضدّ الفساد.

ولتحقيق هذه الأهداف على الوزير والحكومة إحكام سَدِّ المنافذ على كلّ أنواع الاختراقات وذلك نَأْيًا بهذه الوزارة عن كلّ أشكال التجاذبات الحزبية والسياسية والمصلحيّة عموما، ولا يكفي أن يكون الوزير متمتّعا بكلّ هذه المواصفات وبعض مصالح وزارته الأساسية والحسّاسة في المقابل غارقة في أَدْرَانِ هذه التجاذبات.

ونَحْسَبُ أنّ بُطْءَ الوزير في تشكيل فريق عمله قد يكون راجعا الى ضغوطات تُمارس عليه مِنْ أجل فَرْضِ أسماء بعينها «تَدارُكًا» وتَعْوِيضًا عَنِ القبول باسم لطفي براهم كوزير للداخلية.

وتقديرنا أنّ أطرافا معلومة تسعى إلى إِفْرَاغِ هذا التّعيين مِنْ محتواه الايجابي للمجتمع والدّولة وذلك مِنْ خلال إحكام السّيطرة على مصالح وأجهزة حسّاسة في الوزارة وتحديدا خطّة المدير العام للأمن الوطني والمصلحة الفنيّة ومصلحة الاستعلامات، وهذه الخطط هي الحلقة الأساس في نجاح أو فشل الوزارة في تحقيق أهدافها.

وقد يكون إغراقُ مَواقع التّواصل الاجتماعي والفضاءات الاتصالية والاعلامية بأسماء المعيّنين المحتملين دَاخِلاً في هذا المَسْعَى المَحْمُومِ لفرض أسماء بعينها في هذه الخطط الحسّاسة الثّلاث حتّى لا يجد الوزير سبيلا لتنفيذ سياسة الحكومة المعلنة.

ومِنَ المفارقات أنّ الرغبة في اجهاض محاولات إصلاح الوزارة أدّت إلى «تحالفات» موضوعية حتّى بين الأضداد.

ومِحْوَرُ «جبهة التصدّي» للاصلاح يتكوّن أساسا مِنْ حِزْبٍ سياسي معلوم وهو حِزْب لَمْ يتمكّن مِنْ قبول فكّ الارتباط مع الوزارة ومصالحها لأسباب هي الأخرى معلومة وهو لذلك ما انفكّ يناورُ مِنْ أجل تَأْبيد الوضع الحالي الذي يَحْرِمُ الوزير مِنْ أدوات تنفيذ سياسته، أو هو يسعى لإفراغ التعيينات مِنْ محتواها مِنْ خلال فَرْضِ أسماء «مقبولة» بشكْلٍ مِنَ الأشكال.

وتلتقي موضوعيا مع هذا الحزب دوائر في رئاسة الحكومة تعتبر أنّ السيطرة على مصالح وزارة الداخلية مسألة أساسيّة لخدمة أجنداتها الخاصّة والّتي قد لا تتوافق مع أجندة الوطن.

وبالطبع فإنّ الطّرف الثالث في هذا الحلف الموضوعي هو في الوزارة ذاتها، إذ هناك مِنَ المسؤولين مَنْ كان تعيينه نتيجة مباشرة للتجاذبات السياسية والحزبية المذكورة أعلاه وهو لذلك يضع ـ بمعيّة مَنْ يقف وراءه ويسنده ـ كلّ العراقيل مِنْ أجل اجهاض كلّ محاولات التّغيير مستخدما في ذلك كلّ الطرق بما في ذلك توظيف بعض النقابيين الأمنيين.

وقد إلتقت مصلحة هذه الأطراف الثلاثة موضوعيا لِتُعِيقَ فيما يبدو إرادة الوزير في التّغيير وهو الّذي قَدِمَ مِنْ تجربة جهاز الحرس الوطني الّذي حقّق نجاحات فاقت حتّى التي كانت قبل 2011 وهوما خوّله كسب حرب المعلومة والميدان.

ثَمَّةَ شيء يدفعنا إلى القول بأنّ رَفْضَ تعيين لطفي براهم على رأس الداخلية يستمرّ بوسائلَ وطُرُقٍ أخرى وبأنّ الأمر يستوجب تدخل جهة تمتلك القدرة على التعالي عن صغائر الأمور والمصالح والتجاذبات،

ورئيس الجمهورية الذّي هو في آخر التحليل الضامن دستوريا لحسن سير المؤسسات وهياكل الدولة حتى لا تتعطّل الأمور، هو مُطالب بالتدخّل لحَلْحَلَةِ الوَضْعِ في اتّجاه ما تفرضه المصلحة العليا للوطن والمواطن خصوصا بعدما تبيّن أن جُلّ الأطراف الأخرى أصبحت جُزْءًا مِن المُشْكِل،

إنّ عمل وزارة الداخلية هو في صَميم عمل مجلس الأمن القومي الّذي يرأسه رئيس الجمهورية، وانّ أيّ تعطيل أو توظيف لعمل هذه الوزارة يُشرّع تدخّل الرئيس لإنقاذ الموقف ...

ونعتقد أنّ الوقت قد حان لإعلانِ نهايةِ الفُسْحَةِ وتذكير جميع الأطراف أنّ التّلاعب بوزارة الداخلية هو ضرب مباشر لأَمْنِ تونس واستقرارها وهو الى ذلك نيّة مُبيّتةٌ لطمس الحقائق وإِضْمَارٌ كَامِنٌ في النّفوس لزَرْعِ الشرِّ ونَشْرِ الفِتْنَةِ وتهرئة الدّولة وضرب استقرار المجتمع والمواطن،

الرئيس مُطالبٌ بالتدخّل الفوري لِوَضْعِ حَدٍّ لحالة الشّلل الّتي قد تتواصل اذا استمرّ عَزْل الوزير عن مصالح وزارته وهو ـ أي الرئيس ـ المدرك بأنّ هذه الوزارة ستدول وتتهاوى اذا عشّش فيها سُوس التجاذبات المصلحية السياسية والحزبية ومراكز النفوذ المالي، هو مَدْعُوٌّ لإرجاع الأمور الى نصابها وَوَضْعِ حَدٍّ لحالة الانفلات والتسيّب الاعلامي الّتي رافقت مقترحات التعيينات في مواقع حسّاسة يُفترض أنّها في مَأْمَنٍ ضِدَّ هذه الانحرافات.

شيء ما يدفعنا الى الاعتقاد بأنّ الرئيس سيتحرّك ليَحْسمَ كلّ هذه الاشكاليات العويصة الّتي تستوجب دراية ومعرفة تقنية وتجربة.