الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




إنقاذ السنة الدراسية... مهمّة وطنية

خليل الرقيق

رغم تعقّد وتشابك ملفّ الخلاف بين وزارة التربية ونقابات التعليم، ووصوله في مرحلة ما الى أزمة مشخصنة فإنّ توفّر الإرادة الوطنية الصادقة لدى قيادة المنظّمة الشغيلة وتوفّر روح المسؤولية لدى ثلّة نيّرة من رجال التعليم قد أفضيا في النهاية الى إيقاف هاجس تعليق الدروس والذي مثّل كابوسا مرعبا لأولياء التلاميذ على بعد أمتار قليلة من نهاية السنة الدراسية.

الحكاية لم تمر كما يعلم القاصي والداني دون تفاهمات ـ قد تكون مؤجلة التنفيذ ـ بين الحكومة والاتحاد، وقد تفضي الى تغييرات ما، هنا أو هناك لكنّ الأساس في واقع الحال أنّ المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل، قد تدخّل في الوقت المناسب ليمنع عن أبناء شعبه إيقافا تعسّفيا لدروس التلاميذ، وليمنع عن نفسه حملة طالما حيكت خيوطها لإدخاله في مواجهة مفتوحة مع الرأي العام.

لم يكن سهلا أن يوازن اتحاد الشغل بين وظيفته كفاعل وطني حائز على الاحترام والمصداقية، وبين طبيعته كبناء هيكليّ متعدّد الحساسيات، يشهد «معارضة نقابية» ذات وزن قطاعي ثقيل، هذا الى جانب كونها تتوافر على بعض قيادات منجذبة الى بعض الزوايا الحزبية أو الانتماءات الإيديولوجيّة.

لكنّ الذي حصل في النهاية لم يخيّب آمال التوانسة، بل حرّر المدرّسين أنفسهم من وضع محرج، إذ تمزقوا بين الانضباط لهيكلهم النقابي والانشداد الى جوهر الرسالة التربوية النبيلة والتي تحتّم عليهم استكمال السنة الدراسية واستيفاء المناهج المقرّرة بالبرنامج لتمكين أبنائهم التلاميذ من فرص متكافئة لإجراء الامتحان.

لم يكن الغليان واقعا فقط في نفوس أولياء التلاميذ بل كان واقعا أصلا في صفوف إطار التدريس. وكلّ من يعرف عن قرب كواليس قطاع الثانوي، قد واكب أشكالا من التذمّر داخل صفوف الأساتذة حتى من ينضوي منهم ضمن هياكل نقابية حيث رفضوا أن ينخرطوا في خلاف مشخصن لا علاقة له بجوهر مطالبهم المهنيّة.

ولقد كانت لحظة فارقة، تلك التي تدخّل فيها المكتب التنفيذي وبشكل حاسم ليمنع التمادي في المكابرة ويرفض الإمضاء على قرار تعليق الدروس.

كما كانت لحظة فارقة تلك التي انضبطت فيها الهياكل للقيادة حيث استبعدت الهيئة الإدارية لقطاع الثانوي خيار تعليق الدروس انطلاقا من 27 مارس القادم على أنّها أبقت على أشغالها مفتوحة الى غاية 15 أفريل لفترة اعتبرتها إمهالا للسلطة لتلبية مطالبها.

وإذا كان هذا يقرأ في إطار السيناريوهات المفتوحة فإنّ الأكيد حسب المصادر النقابية رفيعة المستوى أنّ السنة الدراسية لن تمسّ بأيّ معرقل يعيق اختتامها على النحو المطلوب. بقيت هناك حسابات، هذا صحيح، بل مصرّح بها في بلاغات القيادة التي أعلنت عن تفهمها لمطالب المدرّسين لكن الأهمّ من الإبقاء على وزير أو إقالة وزير هو أن لا تصبح المصلحة التربوية كشأن عام رهينة لدى الأجندات الشخصية أو الحزبية.

ربح المكتب التنفيذي الرهان حين أنقذ السنة الدراسية دون أن يخسر قطاع الثانوي وقد يكون الخاسر الوحيد هو بعض النقابين الذين أخذهم استشعار القوّة الى نقطة اللاّعودة فعبثوا بمستقبلهم النقابي والسياسي معا.

وإذا كان المكتب التنفيذي الموسّع قد ساير المطلب المتعلق بإحداث تغيير على رأس وزارة التربية عملا بواجب التضامن النقابي أو تفعيلا لتفاهمات ما فإنّ المهمّ هو وقوف القيادة المركزية بثبات وحسم ضدّ التلاعب بالسنة الدراسية إذ هي محطّة وطنية ترتقي الى مرتبة المقدّس لدى العائلات التونسيّة.

وقد تتفاعل الأمور على الأطراف وعلى الجوانب بإحداث «تسويات معيّنة» بين الطرفين الحكومي والنقابي لكنّ الأكيد أنّ أيّ حدث مرتقب لن يكون على حساب مستقبل الناشئة، ولا على حساب الرسالة التربوية النبيلة.

لن تمرّ الحكاية دون خاسرين من هنا أو من هناك، لكنّ الأهمّ من كل ذلك، أنّها لم تؤدّ الى وقوع المحظور ولم تسر وفق أمزجة بعض الأشخاص وأجنداتهم الخفية إذ لا أحد مهما علا شأنه أكبر من تونس.