الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




«الإسلاميّون» ... أو هكذا قالت الحِرْبَاء

خليل الرقيق

تأبى الوقائع اليوميّة إلاّ أن تنبهنا باستمرار إلى وجود حركة النهضة الإسلاميّة في حقل الإزدواجيات والمراوغات. ومع ما يتهاطل من مفارقات فجّة في خطابها حول القرضاوي و«اتحاد علماء المسلمين»، يصرّ رموزها على التنقّل المخاتل في الفضاء الجيوسياسي، وفي كلّ مرّة، يتركون للذاكرة مادة اشتغال على المكنون الأسود للخطاب الناعم ...

ترك الشيخ مورو هذه الأيّام مقرّ مسؤوليته بمجلس نواب الشعب في عزّ الجدل القائض حول الميزانيةوالهيئات ومشاريع القوانين وخبايا ملف التسفير، وتوجّه الى المغرب الأقصى الشقيق ثم في ما يبدو إلى الولايات المتحدة في جولة قد تتواصل إلى يوم 27 من هذا الشهر...

وبعيدا عن القُبلَةِ العاطفية الجياشة لعلم الدولة الشقيقة المغرب وما أحدثه من تجاوب طافح بالمودّة، كشف حوار الشيخ مورو لوسائل الإعلام المغربية ومنها «الأيام 24» عن مكنون متراكم من العداء للدولة الوطنية الحديثة، ورغم أنّه جسّدها في شخص الزعيم بورقيبة على وجه التخصيص، فإنّه حاربها بالكامل، وأثبت أنّ حركته لم تغادر منطقة الجدل فيما «تجيزه الشريعة» رغم أنّها تعمل الآن في منطقة محكومة بالتشريع وفي صبغته المدنيّة الموروثة أصلا عن الركائز الصلبة التي وضعها الزعيم بورقيبة ورفاقه من زعماء الحركة الوطنية.

قال مورو أنّ بورقيبة كان ديكتاتورا، ولو اكتفى لقلنا أنّ التوصيف لا يخرج عن طبيعة ما عاشته البلدان العربية بعد الاستعمار من أنماط حكم فرديّ، لكنّه ناقض نفسه حين استرسل في مديح طافح بالتزلّف للعاهل المغربي الرّاحل الحسن الثاني ... وممّا قال أنّ الراحل كان واسع الثقافة غزير المعرفة، وهذا معقول، لكن هل كان بورقيبة قليل الثقافة شحيح المعرفة ؟ وإن كان هذا هو المعيار فإنّ العالم بأسره يشهد لبورقيبة أنّه الأسبق في توطين المعرفة داخل المشروع السياسي للدولة الحديثة..

قال مورو أنّ بورقيبة كان ديكتاتورا، فهل كان الرّاحل الحسن الثاني ديمقراطيّا تعدديّا ؟ لقد كانت تلك الفترة بمجملها فترة بناء دول جديدة على قاعدة مركزية مشطّة، علماوأنّ الاسلاميين لم يواجهوا بورقيبة من منطلق مزيد الحريّات كما فعلت الحركة اليسارية والتقدّمية، بل واجهوه من منطلق أسلمة الدولة وإحلال «الشريعة» مكان التشريع المدني، فكانوا خطرا حقيقيا على مدنية الدولة والمجتمع ...

كم كان مورو ناعما مع بلد الاستضافة شديدا على بلد المنشإ، وكم هي كذلك حركة النهضة، لا تفوّت فرصة إلاّ وتخرج كلّ مكنون حقدها على مؤسّسي دولة الاستقلال وبناة الدولة الوطنية الحديثة ...

جولات في أمريكا لتقديم خطاب ممتثل مهادن، جولات في الدول العربية لتقديم تحاليل حربائيّة متزلفة، ثمّ عودة الى هنا بلسان «أنعم من الحرير» ومدحيّات مطوّلة للتوافق، وغنائيّات مسطّحة عن «الإسلام الديمقراطي» ومواكبة العصر ...

ولسنا ندري، ما هي المبرّرات الموضوعية لأن يترك مسؤول بمجلس النوّاب مكانه في أكثر الفترات كثافة لجدول الأعمال، ويتنقّل بين البلدان مادحا ملوكها ورؤساءها، وحاملا على رموز بلاده ...

ليتهم أدركوا أنّه لولا غزارة المعرفة التي تميّز بها بورقيبة لما تعاطت معهم تونس اليوم بمثل هذه «المرونة» والصّبر، في وقت لفظتهم فيه كل المحاضن، بما في ذلك تلك التي رعتهم، وصقلت «مواهبهم الدينية المتطرفة». فالمعرفة التي هي أساس المشروع الوطني قد أثمرت بعد عقود فضاء مدنيّا ينبذ العنف، ويجنح للحجة والمحاورة، ويغلّب الوعي على الانفعال ...

لكنّ العقار المدني لا ينفع في ما أفسده الدّهر القروسطي ... لقد ظلّ الشقاق والنفاق ساكنا في ذهن الجماعة، ورغم كلّ ما يبدونه من انحناء اضطراري لحكم اللحظة، فانهم لا يفوّتون أي اطلالة خارجية الا وحوّلوها الى مناسبة لتفريغ شحنة الأحقاد ...

وإذاكان الشيخ مورو مصنّفا في السلم التراتبي النهضاوي كوجه يعهد له بالمهام «الناعمة» فإنّ كل نعومته قد ذهبت أدراج الرياح، تارة حين تحادث مع وجدي غنيم عن الرهان على الاجيال القادمة لترسيخ مشروع «الاسلام السياسي»، وتارة حين ناقض نفسه فمدح هذا في تزلف ورياء وذمّ ذاك في صلف وخُيلاء ...

ومن هنّا الى هناك، يعرف الكلّ أنّ جلد النهضة يتغيّر، لكن روحها متسمّرة في مكان واحد هو «الدولة الدينية» ... ورحم الله نزار قباني حين قال «خلاصة القضيّة توجز في عبارة ... لقد لبسنا قشرة الحضارة ... والروح جاهلية» ...

حديث من قصة «خيالية» :

«رئيسنا الأسبق ديكتاتور ... وملككم السابق غزير الثقافة» هكذا قالت الحِرباء .. مع حفظ المقامات، وكلّ تشابه بين الحرباء وغيرها، لا يتحمّل مسؤوليته الكاتب.