الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




تشويه سبق الدعاية بكثير

محمد بوعود

ما يتعرض له بعض المترشحين للانتخابات الرئاسية من تشويه، منذ أعلنوا عزمهم التقدّم لهذا الاستحقاق الوطني، وتكثّف الآن وأصبح ممنهجا، وشرسا الى درجة لا تُطاق، ليس وليد صُدفة، ولا هو بين مترشحين قد يسمحون لأنصارهم ربما بتجاوز المعقول في بعض الأحيان، بل هو معركة لا أخلاقية، ولا رادع لها، وتبدو حتى هيئة الانتخابات عاجزة أمامها، ولم تجد كيف توقفها عند حدود التنافس السياسي أو الرغبة في تسجيل نقاط لهذا المرشح على حساب الاخرين.

فالمفترض منطقيا، والذي يجري أيضا في الديمقراطيات العريقة، هو أن يبادر الأنصار، ومكاتب الدّعم، ولجان الأحبّاء، وقواعد الأحزاب التي لها مرشّح، الى دعم مرشحهم عن طريق ابراز مناقبه، وتفسير برامجه، وحثّ الناس على التصويت له.

كما يحدث في الديمقراطيات أيضا، وخصوصا الغربية، وتحديدا الامريكية والفرنسية مؤخرا، أن يكشف أنصار أحد المرشحين أو الاجهزة الموالية له، ملفات أو فضائح او سرقات أو حتى أحداث قديمة، لمرشح منافس، شريطة ان تكون موثّقة وثابتة، وقائمة على أسس قانونية لا تقبل الجدل، من أجل أن يبعدوه عن السّباق أو من أجل أن يحدّوا من خطورته على مرشّحهم.

لكن الذي يحدث في تونس منذ أسبوعين يكاد يكون لا علاقة له بالممارسات الانتخابية في كل بلدان العالم، فالسبّ والشتيمة تطال الجميع، ومن الجميع أيضا، وتقريبا دون استثناء. فكل مرشّح له أنصاره الذين لا يفسّرون برامجه ولا يحدّثون الناس عمّا ينوي فعله في حالة صعوده، بل يتوجّهون الى خصومه مباشرة بشتى الهجمات، وكلها أو اغلبها ذات طابع أخلاقي لا يرقى أبدا إلى مستوى «الشتيمة السياسية» إن صحّ التعبير، بل ينحدر إلى مستوى الرّدح الشعبوي القذر الذي يعتمد مصطلحات بذيئة في غالب الأحيان ولا يبحث إلا في المسائل العائلية وقضايا الأعراض والشرف والذمّة، بعيدا عن أبسط أبجديات الصراع السياسي الذي من المفترض ان يكون أرقى من كل هذه الأشكال القميئة، خاصة ونحن نتحوّز على فئة واسعة ممن يدّعون الطّهورية الأخلاقية، وممن وُصفوا سابقا بأنهم «يخافوا ربّي» ومن الحقوقيين والثوريين وأصحاب الشعارات البراقة، الذين يعطوننا دروسا في الأخلاق صباحا مساء.

في الوقت نفسه غابت تقريبا الدعاية السياسية، وخصوصا الحزبية، من أنصار وقواعد المترشحين عن أحزاب، والذين لم يكلّفوا أنفسهم إلى حدّ الآن مجهود تفسير برامج مرشحيهم ولا حتى الدعاية لهم، بل انخرطوا جماعات وأرتالا في حفلة ردح جماعية، الكل فيها يهتك أعراض الكل ويشتم الكل ويتجنّى كذبا وبهتانا على الكل.

والاغرب من ذلك ان ينخرط نوّاب ومثقفون وذوو مسؤوليات سابقة او حتى حالية في حملات التشويه هذه، بل يقودونها أحيانا، كبعض المحامين والمحللين السياسيين وحتى من الكتاب والصحفيين، الذين يعتقدون أن مناصرة مرشحيهم تأتي عن طريق إبراز أكثر ما يمكن من عدائية ومن شراسة تجاه منافسيه.

إضافة إلى ذلك تحركت فيالق الذباب الأزرق من كل الجهات، وتحولت عشرات الآلاف من الصفحات الفايسبوكية والمواقع الالكترونية الى شبه سوق أو مزاد علني، يُشتم فيها كل مترشح دون استثناء، إلا المرشح الذي يختارونه، أما الباقي حتى وان كان قريبا منهم أو اشتغل معهم أو كان في يوم من الأيام مرشحهم أو مسؤولا عنهم، فانه لا يسلم من أذاهم، ولا يقع استثناؤه من حملاتهم، وان كان أحيانا بأقلّ ضراوة.

وهذه الظاهرة لا يمكن أن تفيد العملية الانتخابية، ولا يمكنها ان تفرز مرشحين مرموقين أو أن تساهم في إنجاح برامج مقبولة أو خُطط حقيقية متميزة، بقدر ما تدمّر بقية الرادع الأخلاقي والاجتماعي والأدبي الذي مازال يحافظ ولو بعُسر، على ما تبقى من قواعد التعايش والتضامن والتسامح الاجتماعي.

والمسؤولية اليوم ملقاة على عاتق المترشحين قبل غيرهم من اجل إيقاف هذه الحملات والهجمات غير المسبوقة والقذرة، التي تستهدف خصومهم، فأنصارهم في النهاية مرآة لهم حتى وان تحمّسوا أحيانا أكثر منهم.