الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




المهامّ الرئيسية للحكومة

محمد بوعود

لا ينكر أحد في السلطة أو في المعارضة وحتى في الرأي العام والمجتمع المدني، أن الهدف الأساس من مجيء حكومة السيد يوسف الشاهد، ووثيقة قرطاج، كان إنقاذ اقتصاد البلاد الذي تدحرج إلى هوّة تهدّد بالإفلاس، وإعادة التوازن إلى ميزانية الدولة، وإحداث مواطن الشغل، واستحداث التنمية وجلب الاستثمار.

كل هذه الغايات نبيلة، لكن الذي يحصل من مجيء الحكومة والى غاية الآن هو تجاذب سياسي بعيد كل البُعد عن الأهداف الرئيسية التي جاءت من أجلها الحكومة، وخاصة منها الاقتصاد والاستثمار والتنمية.

فقد نشطت في الأشهر وخاصة الأسابيع الأخيرة، معارك سياسية لا تمتّ بصلة من قريب ولا من بعيد للمعركة الاساسية وهي الخروج من الازمة الاقتصادية وانقاذ البلاد من الافلاس.

صحيح أن الحروب السياسية التي تُشنّ حاليا على حكومة الشاهد، من الأصدقاء والخصوم على حدّ سواء، تتعلق في مجملها بالحرب على الفساد، والتي هي البند الثاني في وثيقة قرطاج، والتي من المفترض أنها تأتي في اطار النهوض بالاقتصاد الوطني ودعمه من خلال ضرب الفساد والتهريب، واذا بها تتحول الى معركة رئيسية، وتشتد النزاعات حولها الى درجة تُنسي البلاد والعباد المعركة الاساسية ضد الازمة الاقتصادية.

فالبلاد الان على حافة الافلاس، ووضعها أسوأ مما يتصوّر الجميع، والدينار وصل الى أرقام قياسية في تدهور قيمته مقارنة بالعُملات الاجنبية، وضغوطات المؤسسات الدولية تزداد صعوبة، وموارد التداين والاقتراض بدأت تجفّ، ومكانة تونس في الاسواق الدولية ودرجة الثقة في اقتصادها، تراجعت الى أدنى حدودها، وترتيبنا العالمي في الشفافية المالية قريب من آخر القائمة، ونحن لازلنا نخوض حروبا سياسية عبثية لا طائل من ورائها الا تحقيق المغانم الشخصية لقيادات او أحزاب أو كيانات تريد اثبات ذاتها من خلال افتعال المعارك الجانبية التي لا دور لها الا مزيد تعطيل ماكينة الانتاج ووقف خطوات الاصلاح.

ولا شكّ أنه في خضمّ الحرب على الفساد، فان مثل هذه المعارك لا يستفيد منها الا الفاسدون، ولا يستثري منها الا المهرّبون والمضاربون خارج القانون وخارج المسالك الرسمية، وبالتالي فهي حرب على محاربة الفساد وليست على الفساد. فقد حوّلها بعض السادة النواب وبعض المسؤولين في أحزاب سياسية، الى معركة داخل أروقة الحكم وبين السلط وفي داخل أجهزة الدولة نفسها، وتوقّفت الحملة مبدئيا، بعد أن أضرّ بعض المحسوبين على السلطة بأهدافها وحوّلوا وجهتها الى معارك الطّواويس في قبّة البرلمان أو في أروقة الحكم.

وهنا لا بد من وقفة تأمّل من الحكومة نفسها أولا، ومن رئيس الجمهورية ومن الاحزاب والقوى الممضية على وثيقة قرطاج، واعادة جدولة الاولويات بما يعود بالعمل الحكومي الى الهدف الرئيسي الذي جاءت من أجله الحكومة وهو انقاذ الاقتصاد من الغرق، وحتى تتواصل الحرب على الفساد وليس الحرب على الحكومة التي أطلقت هذه الحرب.

فالأولوية القُصوى اليوم هي ايجاد مخارج وموارد ورديف إضافي لميزانية الدولة التي تشهد مبدئيا نقصا بسبعة آلاف مليار لا يدري أحد من أين ستجد الدولة موارد لملئها، وتعرف ايضا خطايا للبنك الفرنسي بأكثر من ألف مليار، وفوائض قروض وخدمات دين لا يعلم حجمها الا الله، وكلها مستحقة على الميزانية الحالية وميزانية السنة القادمة، في الوقت الذي يتعمّد السادة النواب خلق المعارك الوهمية، وتبادل التهم، والحروب التي لا تنتهي على بعضهم وعلى الحكومة وعلى البلاد بأسرها من أجل ان يبقوا متحصّنين من العقاب، وبعيدين عن المحاسبة، ومن أجل أن يغطّوا على الفاسدين الذين لم تطلهم يد العدالة بعد.

لقد بلغت الاوضاع الاقتصادية مرحلة الخطر، وعلى الجميع الانتباه، وعلى الجميع أن يشمّر للعمل وإنقاذ ما يمكن انقاذه من اقتصاد يوشك على الانهيار، ولا بأس بالتاكيد من تأجيل المعارك السياسية، والسباقات الوهمية نحو القصر الى وقت لاحق.

فالحكومة جاءت أصلا من أجل انقاذ الاقتصاد، وإغراقها بهذا الشكل في معارك جانبية لا يمكن أن يخدم إلا أعداء البلاد والراغبين في انهيارها.