الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




حكومة صامتة نراها ولا نسمعها...!

لطفي العربي السنوسي

تحوّل «صمت الوزيرات» في حكومة بودن وكذا صمت الرئيسة الى موضوع جدل ونقاش على منابر التواصل الاجتماعي وكذلك على المنابر الاعلامية الاذاعية والتلفزيونية وقد أصبح هذا «الصمت المريب» محل تندّر - أيضا - لدى المغالين في افتعال السخرية...

يطالب الرأي العام الاعلامي رئيسة الحكومة - خاصة - بأن تتحدث الى مواطنيها عبر وسائل الاعلام وبشكل مباشر - إن ارادت ودون وسائط - وإطلاق لسانها من «حبسه» حتى نسمعها... فنحن نراها - حقيقة - شكلا وصورة وبحضور أنيق ومميز لكنه حضور صامت لا يقول شيئا ولا يحيل على غير الريبة والتوجّس من هذا «الصمت» غير المفهوم والذي لا نجد له مبررا عميقا خاصة في هذه الفترة الصعبة في عناوينها وفي ملفاتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية زائد تداعيات قيمية وأخلاقية في علاقة بالتربية والتعليم خاصة...

المرحلة تستدعي «التواصل» مع المواطنين - وهذا حق مواطني يكفله الدستور وتستدعيه طبيعة العلاقة بين الحاكم ومواطنيه - لفهم خيارات الدولة وتصوراتها ورؤيتها في تدبير الشؤون ولا نعتقد أن «الرئيسة» قد اختارت العمل في صمت - كما يقولون - بعيدا عن هرج ومرج الاعلام واستفزازاته وبعيدا عن المواجهات المباشرة مع الاطراف السياسية والنقابية... ولا نعتقد - أيضا - انها اختارت التحرك في صمت كشكل من أشكال التعالي على مواطنيها وقضاياهم... بل إن هذا «الصمت» وعدم مخاطبة الرأي العام الوطني والاعلامي انما نردّه لأسباب موضوعية في علاقة بالوضعية الدستورية لهذه الحكومة المحاصرة «بالدستور الصغير» أي الأمر الرئاسي 117 وتحديدا الفصل 19 الذي يحدد مواقع تحرك الحكومة وحدودها ويفرض عليها وضعا يضيق فيه حتىالكلام كما تضيق فيه الرؤية بحيث لا صوت يعلو فوق صوت الرئيس فهو المتكلم الوحيد وهو الوحيد أيضا المؤهل وفق الامر المشار اليه للتكلم باسم الدولة وباسم الشعب وما تبقى فرعايا في حضرته ويكفي التأمل في شكل وفي صورة «مجلس الوزراء» لنفهم مدى صرامة الرئيس وهو يخاطب وزراءه بتلك الشدة ويطلب منهم تسجيل ملاحظاتهم حول مقترحاته وما يبادر به من مراسيم وأوامر...

صورة المجلس تحت رعاية الرئيس تبدو مدهشة... مدهشة وبغير سوابق مماثلة بحيث نرى الوزراء على «صمت تام» لكأن الطير تحت وفوق رؤوسهم بل إن الصورة - لبلاغتها - إنما تمرر إلينا احساسا بالتوتر والخوف الذي يعيشه وزراء المجلس وهم في حضرة الرئيس قيس سعيد والذي يبدو مرتاحا وواثقا من حضوره الطاغي بل هو مزهو بهذه السلطة المطلقة على مجلس الوزراء وهي سلطة منحها لنفسه وحددها - كما أشرنا - الامر الرئاسي 117 وتحديدا الفصل 19 منه وفيه ما يفسّر بوضوح أسباب صمت الوزيرات والوزراء - أيضا - وعدم تواصلهم المباشر مع مواطنيهم وقد جاء في الامر الرئاسي المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 والمتعلق بالاجراءات الاستثنائية :«تسهر الحكومة على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية» (الفصل 17) و«الحكومة مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية» (الفصل 18) و«يسيّر رئيس الحكومة الحكومة وينسق أعمالها ويتصرف في دواليب الادارة لتنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية» (الفصل 19 من باب التدابير الخاصة بممارسة السلطة التنفيذية) ومنح الفصل 12 من نفس الباب كل وظائف السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية من إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها وصولا الى اقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة وتعيين الديبلوماسيين في الخارج وقبول اعتماد ممثلي الدول الاجنبية والتعيين والاعفاء في جميع الوظائف العليا... ويحسم الفصل 9 في كل المسائل بقوله صراحة :«يتولى رئيس الجمهورية تمثيل الدولة ويضبط سياساتها العامة واختياراتها الاساسية...» وبناء على كل ما تقدم فإن السؤال عن أسباب صمت رئيسة الحكومة وعدم تواصلها مع الاعلام ومع المواطنين إنما هو سؤال من قبيل خلع الأبواب المفتوحة... فالأمر 117 يمنح الرئيس كل السلطات ويقدّم له مفاتيح الدولة ومؤسّساتها وكل وظائفها التنفيذية والتشريعية والقضائية بحيث لا أحد يفكر ولا أحد يتكلّم «غير سيادته» وبحضوره - فقط - يكتظّ المكان... وما تبقى فصور وتفاصيل حتى لا تتحرك «الكاميرا الرئاسية» وسط الفراغ... فثمّة - في الأخير - صورة حية «لمجلس وزاري صامت ينصت باندهاش وبتوتّر يكاد يخرج من الصورة»...

وضع غير طبيعي - صراحة - لا لرئيسة الحكومة - فحسب - وإنما للتونسيين - أيضا - ممّن رأوا في تعيينها افتخارا وريادة ومكسبا مجتمعيا يتوّج نضالات المرأة التونسية من أجل الحظوة بالمكانة المتقدمة في مواقع القرار وهي تستأهلها - في الواقع - شرط أن لا يتم تحويلها الى مجرّد «اكسسوار» لتزيين الصورة ما لا نرجوه حقيقة مع العلم أن في حكومة بودن نساء أدب ومعرفة نعرف صولاتهن في منابر الادب والشعر وبها أيضا كفاءات أكاديمية لها من الفصاحة ومن الحذق في مخاطبة الناس بما لا يمكن تخيّله... لكن يبدو أن «الكلام غير مباح» في «دولة الرئيس قيس سعيد»...وله وحده... لسان الدولة والشعب، وما تبقى ففي خدمة الدولة وبصمت...!! وهذا ينطبق على وزيرات ووزراء دولة الرئيس فكلّهم في الصمت سواء...!