الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




«القَصَبةُ» و«قَرْطاجُ»..رِسَالَة إلى «القَصْرَيْنِ» !

الهاشمي نويرة

يبدو أنّ حُكُومة الشّاهد مُقْدِمَةٌ على أزمةٍ لا يتمنّاها أيّ تونسي غَيُورٍ على أَمْنِ واستقرارِ بَلَدِهِ، فتونس اليوم في حاجةٍ أَكيدَةٍ لفريقِ عَمَلٍ حُكومي مُنْسَجِمٌ ومُتَضامِنٌ لتوفير الشّروط الضرورية مِنْ أَجْلِ حَلْحَلَةِ الوضع الإقتصادي والاجتماعي المُتأَزِّمِ.

ولسنا في حاجة الى التّذكير بأنّ الأزمة في تونس هي في الأوّل والأخير سياسيّة بامتياز، وبأنّ المَجَالَ السياسي والحزبي المَحْكُوم بالتّجاذبات والإحتقان زاد في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الى حَدٍّ كَبِيرٍ،

لَسْنَا في حاجةٍ الى التّدليل والبَرْهَنَةِ على أنّ ضُعْف الأداء الحُكومي كانَ إفرازًا لهذا المَنَاخِ العامِّ «المَوْبُوءِ» والمتأزّم والذي أَثَّرَ سَلبًا على أداء مؤسسات الدّولة، حُكُوَمَةً ورِئاسَةً ومَجْلِسَ نُواب ، وهو تَأْثِيرٌ يُخْشَى مَعَهُ أَنْ يَصِلَ الوَضْعُ الى حَالَةٍ مِنَ الشّلَلِ يَنْعَدِمُ مَعَهَا أَمَلُ التّونسيين في الإنْفِرَاج وتَعَافي الاقتصاد.

ولا نظنّ أنّ تلويح وزير الوظيفة العمومية بالاستقالة الجمعة والتلميحات المسرّبة حول أسبابها من شأنه أن يساعد حكومة يوسف الشّاهد على التماسك والصمود.

وَرَغْمَ أَنَّ البريكي يُعْتَبَرُ من الوزراء السياسيين الذين قَدْ تَحْتَاجُهُمْ الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة، إلاّ أنّ الخُطْوَةَ الاستباقية التي قَامَ بها أمس رئيس الحكومة وَقَرَّرَ بمقتضاها إِجْرَاءَ تحوير وزاريّ جزئي شَمِلَ وزير الوظيفة العمومية، هي خُطْوَةٌ قد تُسَاعِدُ على وَأْدِ الجَدَلِ حَوْلَ دَوافِعِ البريكي التي قادته الى الاستقالة، جَدَلٌ كان سَيَزِيدُ في تصدُّعِ الفريق الحكومي.

وقد تكون مُعَالَجَةُ تَدَاعياتِ التّحوير أَخَفَّ وَطْأَةٍ من التعاطي مَعَ جَدَلٍ مفتوحٍ دَاخِلَ حكومة الشاهد بما قد يَفْتَحُ على سيناريوهات أخْطَرَ على عَمَلِ الحكومة وعلى الاستقرار في البَلَدِ.

خُطْوةٌ استباقية قَامَ بِهَا الشّاهد ولكنّها قد تَكُون حَامِلَةً لبصمات «القصر» الذي هو مِنْ مَدْرسة سياسيّة تَرْفُضُ الاستقالة.

هي خُطْوَةٌ استباقيّة إذن ولكنّها كذلك فيما يبدو رِسَالَةٌ الى أطرافٍ أُخرى ومِنْهَا الاتحاد العام التونسي للشّغل، الذي الْتَبست عِنْدَهُ الأمُورُ خُصُوصًا فِيمَا يَهُمُّ التّداخل بين دَوْرِهِ النّقابي والدّور السياسي المباشر الذي تُحاول أَطْرَافٌ مِنْ دَاخِلِهِ جَرَّهُ إليه.

هي رسالةٌ الى اتّحاد الشّغل مِنْ حيث أنّ التّحوير الوزاري لَمْ يَشْمَلْ وزير التربية ناجي جلّول وبالتّالي فانّ الحكومة لَمْ تَرْضَخْ لمطالب «قيادات» قطاعية تبنّتها مَعَ الأسف المركزيّة النقابية في إطار «ترميمات» و«ترتيبات» مَا بَعْدَ المؤتمر ـ بحسب ما نرى ـ وبعثت بذلك رِسَالَةً مُشَفَّرة أنّ دَوْرَ الاتّحاد العامّ التونسي للشّغل الوطني محفوظٌ لكنّ التدخّل المباشر في الشأن السياسي والحكومي هو أَمْرٌ مَرفوض بالمُطلق.

وفي اعتقادنا أنّ الدّور الوطني للاتّحاد العام التونسي للشغل كَانَ مُمْكِنًا ومَطلُوبًا ومَقْبُولا لأَنّهُ حَافَظَ على مَسَافَةِ أمانٍ مَعَ كلّ الأطراف السّياسية والحزبية ومع العَمَل السياسي والحزبي.

وَقَدْ ثمّن الكُلُّ مواقف الاتحاد الرّافضة للمشاركة في الحكومة وفي تعيين الوزراء أوْ مَنْ يُمَثّلُه داخلها، وفي المقابل وبقَطعِ النّظر عَنْ تقييمات الأطراف لوزير التربية ولِعَمَلِ الوزارة فانّ الجميع تقريبا يسْتَهجِنُ المَنْحَى الذي سلكهُ الاتحاد في هذا الموضوع والإصرار على إقالة وزير لأن مطلب الإقالَةِ تَمامًا كمَطلبِ التّعيين هو ليس شأنا نقابيا.

وقد يكون حان الوقت لتوضيح معنى الدور الوطني للاتّحاد لأنّ الأمر بدأ يتداخَلُ عِنْدَ البعض وفي إقرارِ إرْساءِ مَجْلِسٍ للحوار الاجتماعي أو المجتمعي تقودُه شخصيّة نقابية مشهود لها بالكفاءة في إدارة الملفّات الشائكة بداية حلّ لمعضلة التداخل هذِه.

انّه مِنَ البيّن أنّ الأطراف النقابية التي تَخُوضُ «معركة» حامية الوطيس مع وزير التربية تَقُودُها دَوَافِعُ ايديولوجية غير خافية، فهي لذلك معركة ايديولوجية ولا علاقة لها اطلاقا بالناحية المطلبية أو باصلاح التعليم بالمعنى المجتمعي الحداثي والمفتوح.

إنّ هذا «الانحراف» بالعمل النقابي يُخشى معه أن يكون هدفه الحقيقي هو القضاء على منظومة تعليم مفتوحة على الآخر ومُؤسِّسَةٍ لمُواطَنَةٍ متوازنة مِنْ دُونِ عُقَدٍ «شوفينية» أو «دينية» وهو أَمْر من الضروري الانتباه لَهُ سَوَاء داخل مركزيّة الاتحاد التي تَضُمُّ قيادات تقدّمية ووطنية أو في علاقة بالطّيف السِياسي والحزبي والذي طالت غَيبُوبَتُهُ مِنْ فَرْطِ الإنتهازيّة والانتظاريّة المقيتة..

«نَجَحَ» إذَنْ الشاهد في تقديم بَعْض المسكّنات لحكومة تآكلت وثيقة تأسِيسِهاَ المرجعية وفَقَدت سَنَدَهاَ الحزبي والسّياسي أو تكاد بما انعكس فيما يبدو على العلاقة حتّى مع رئاسة الجمهورية لأسباب مُتداخلة.

ولكن هذا النجاح النسبي لَنْ يكون فَرَجا نهائيّا إلا اذا توفّرت شروط أساسية منها:

ـ أَنْ تكون للحكومة رؤية شامِلَة واضحة بصَرْفِ النظر عن مدى قبولها مِنْ كلّ الأطراف لأنّ الإلتقاء مع بَعْض الأطراف أفضل مِنْ «تَوَافُقٍ» مع الجميع يفْقِدُ مَعْنَاه وجَدْواه في أوّل أزْمَة.

ـ ضرورة أن تتجاوز الحكومة ترددها في القِيام بالاصلاحات الضرورية الكبرى رَغمَ ما قَدْ تُثيره من رُدُود فِعْلٍ مُحتَمَلَة.

وبالطبع فانّ هذه الأهداف لا يُمكن لَهاَ أن تَعرِفَ طريقها الى الواقع بحكومة قامَتْ على المحاصصة وتوزيع مراكز النفوذ وأنّ المطلوب الآن مِنَ الشّاهد هو الاتجاه تدريجيّا إلى تشكيل وِزاري هو أشبهُ مَا يَكون «بحُكُومَة حَرْب» مُصَغَّرَةٍ عِندها القُدرة على تنفيذ مُقْتضيات المَرْحَلة القادمة.

نسوق كلامَناَ هَذا حتّى لا يكون مصير حكومة يوسف الشّاهد كَمِثْلِ مَصير حكومة الحبيب الصّيد.. لأنّ تونس لا تتحمّل أزمة حُكومية وسياسية جديدة.. رسالة الى قَصْرِ الحُكومة والى قَصْرِ قرطاج..