الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




أن تكون طبيبا في تونس؟؟

منيرة رزقي

لم يعد لدينا الكثير مما يقال عن الكارثة الصحية التي نحن في ذروتها فنحن نعيش اليوم تفاصيل السيناريو الايطالي المرعب بكل تفاصيله.

فنحن البلد الصغير ديموغرافيا وجغرافيا بلغ أرقاما مرعبة في عدد الوفيات التي تجاوزت المائة أما الإصابات فقد بلغت ستة آلاف الخميس الماضي والمؤشرات تركض في تصاعد مخيف.

صرخات الأطباء منذ بداية الجائحة ونصائحهم وتوجيهاتهم لم تجد رجع صدى في ظل حالة الاستهتار الجماعي التي نتابعها يوميا.

وإذا كان الحل يكمن في التلقيح لتحقيق مناعة جماعية فإنه من الصعب في الظرف الحالي تطعيم من يجب تطعيمه والجرعات القليلة الأولى التي ستصل في غضون فيفري المقبل ستذهب إلى الجيش الأبيض باعتباره في الخط الأول لمواجهة الفيروس اللعين وهي ممنوحة من كوفاكس أما بالنسبة إلى لقاح فايزر الذي تم الاتفاق بشأنه فلم تتضح الرؤية بشأنه إلى جانب مساع تجري الآن في شأن اللقاح الروسي واللقاح البريطاني.

وفي كل الحالات فإننا لن نتمكن هذه السنة من تلقيح كل المحتاجين لذلك هذا طبعا وفق تقديرات الأطباء ، هؤلاء الأطباء الذين يعيشون في هذه اللحظات أصعب المواقف وهم يواجهون عدوا شرسا دونما عتاد يذكر ويرون انهيار المنظومة الصحية أمام أعينهم ومع ذلك يواصلون عملهم بنفس التفاني والجدية.

فاليوم في تونس وفي لحظة كارثية بكل المقاييس ان تكون طبيبا يعني أن تواجه امتحانا صعبا نفسيا ومهنيا وأنت ترى المرضى يتهاوون أمام عينيك كأعجاز النخل لأن الإمكانيات لا تسمح بإنقاذهم بعد أن امتلأت غرف الإنعاش وسيكون الأطباء أمام اختيار صعب بين المرضى وهو موقف بالغ الصعوبة والتعقيد نفسيا وإنسانيا واجهه أطباء ايطاليا كما نذكر.

وليس هذا فحسب فأن تكون طبيبا في هذه الظروف عليك أن تواجه آلام المرضى ووجع أهلهم وذويهم وليس هذا فحسب فأحيانا عليك مجابهة غضب بعض الأقارب الذي يصل حد العنف اللفظي والمادي وهو ما حدث في عديد المرات.

فعليك كطبيب أن تتعايش مع منظومة صحية تآكلت جراء عقود من الفساد والإهمال وعليك أن تعمل رغم كل النقائص في ظل وباء عالمي شرس خرج عن السيطرة ومع سلطات فاشلة في كل السياسات الصحية وليس لديها أفق أو رؤية لإيجاد الحلول.

وليس هذا فحسب فالأطباء يواجهون عنفا رمزيا من نوع آخر فعندما تقدم وسيلة إعلام جماهيرية أحد النكرات ليتباهي بكونه رغم جهله ووقاحته يحصد مداخيل تتجاوز الطبيب فاعلم أننا بلغنا ابعد من الحضيض.

ومن أخطر ما يواجهه الطبيب التونسي اليوم هو عدم الاكتراث بالبروتوكول الصحي وحالة الاستهتار الجماعي التي لا تلقي بالا للنداءات المتكررة للأطباء ونصائحهم وتوجيهاتهم التي يحاولون عبرها توعية الناس بمخاطر المرض ولكن لا حياة لمن تنادي كان ذلك لحظات قبل الكارثة.

أما الآن فالأطباء يواجهون العدو بمفردهم وإذا وضعنا في الحسبان قلة عدد الأطباء المختصين في الإنعاش بالتحديد وفي غيرها من الاختصاصات التي نحتاجها في مواجهة كوفيد - 19 فإننا ندرك كم الجهد المبذول أضعاف جهدهم في السياقات العادية وعلينا ان نتذكر جميعا تلك النداءات التي أطلقناها عندما بدأت طوابير الأطباء تحزم حقائبها في موسم الهجرة إلى الشمال أو إلى الخليج العربي وحذرنا من مخاطر ذلك النزيف على المنظومة الصحية وها أننا نحصد شوك عدم استثمارنا في كفاءتنا الطبية وعدم احتوائها وتوفير الظروف الملائمة لعملها ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى الأطباء لنواجه هذا العدو الشرس.

وإذا كان الحل الأمثل وفق المختصين للتخفيف عن الأطباء العبء وعلى المنظومة الصحية إجمالا هو الحجر الصحي الشامل لمدة لا تقل عن ثلاثة أسابيع لكسر حلقات العدوى على الأقل فإنه غير ممكن نظرا لتكلفته الاقتصادية الباهظة التي لن تستطيع الدولة والمواطن تحملها.

في الأثناء يواصل الأطباء نضالهم اليومي الشاق ولا نملك سوى أن ندعمهم وذاك أضعف الإيمان.