الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




ما هكذا تورد الإبل...!

لطفي العربي السنوسي

أكدنا في ورقة سابقة وفي نفس هذا الموقع أنّ رئيس الحكومة السيد هشام المشيشي ستمرّ عليه أيّام عصيبة في علاقته بالرئيس قيس سعيد وأن حبل الودّ والانسجام بينهما لن يستمرّ طويلا وذلك لأسباب لها علاقة مباشرة بشخصية الرئيس قيس سعيد وبمزاجاته وبطبيعة خطابه و«لحماسته الثورية» الزائدة عن اللزوم ولنزوعه نحو الخطاب الاستعراضي المحتفل ـ دائما وأبدا ـ «بالشعب وبما يريده الشعب» المتواجد بقوّة داخل الخطاب الرئاسي وقد تحول ـ في الأخير ـ وبفعل التكرّر الى مجرد «مجاز كالمزاج»..

فالرئيس قيس سعيد يرى نفسه بل يعتقد أنّ حكومة السيد هشام المشيشي هي حكومته الحصرية ويحقّ له ـ بالتالي ـ بما أنـّه «وليّ النعمة» أن يتصرف فيها تماما كما يتصرّف المرء في ملكيته الخاصة دون اعتبار للدستور ودون اعتبار لمقام رئيس الحكومة ودون تقدير لهذا المقام أمام الرأي العام الوطني والدولي.. فهو ـ هنا ـ مجرّد «حارس للحديقة الخلفية للقصر الرئاسي» تنزل عليه التعليمات من سماء القصر ومن كبار موظفيه ولا يحق له التصرّف خارج دائرة القصر وبمعزل عنه...

هذا ما سعى الرئيس قيس سعيد لفرضه كأمر واقع منذ كلّف المشيشي بتشكيل الحكومة وهو يعتبره موظّفا لديه بلا إرادة وبلا قرار إلاّ بعد العودة الى «سيادته العليّة..» ولتأكيد ذلك تدخل «الرئيس» وفرض أسماء وشخصيات في الحكومة بل هو «استحوذ» على وزارة الداخلية بتعيين وزير على رأسها من دائرته... بل إن الرئيس لم يتردد في اعادة تثبيت وزير الثقافة وفرضه بالقوة على رئيس الحكومة الذي كان أعلن تخليه عنه في بداية تشكيل الحكومة. وهذه تجاوزات واضحة للدستور واستحواذ ـ غير مبرّر ـ على صلاحيات رئيس الحكومة الذي لن يستمر طويلا على هذه الحال ولن يرضيه وضعه الذي فرضه عليه «الرئيس» وسيسعى ـ بقوة ـ الى تحويله كأمر واقع.

وقد بدا واضحا في لقاء أول أمس بالقصر الرئاسي في لقاء ثنائي استعرض خلاله رئيس الجمهورية كل امكاناته للتأكيد على أن السيد هشام المشيشي ليس سوى موظف لديه وكان ذلك على المباشر وعلى مرأى ومسمع الرأي العام الوطني والدولي..

في الصورة نرى رئيس الحكومة وهو مكمّم لا يتكلم ولا يبدي اي انفعال او حركة وهو «غارق» في كرسيه قبالة الرئيس والذي أظهرته الصورة في «مقام عليّ» وهو يُلقي «الدرس» على «تلميذ» لا حول له ولا قوة.. وقد تلقى ضربات موجعة فيها من الفضاضة والغلظة ما يصعب احتماله...

الرئيس قيس سعيد لم يكتف ـ هذه المرة ـ بالتحرك داخل اللغة بما فيها من انشائية معهودة وإنما أضاف اليها الصورة التي كانت بليغة وقاسية وكم كانت مؤذية ومقزّمة ومحرجة لرئيس الحكومة زائد خطورة «كلمة» الرئيس الذي أثبت من خلالها أنه لا يؤمن «بأبجديات» القانون ولا بالعدالة وأنه لا يعترف بالمبدإ القانوني والقضائي الذي يؤكد على «أن المتهم بريء حتى تثبت ادانته» وأن الشخصيتين المعنيتين لم يصدر بشأنهما أي حكم قضائي باتّ ونهائي وأن قضاياهما ما تزال منشورة في المحاكم وبالتالي لا يحق له التشهير بهما وتجريمهما واتهامهما بالفساد ونهب ثروات الدولة ومدخراتها والقول بأنهما من لصوص النظام السابق وبالتالي لا يحق تعيينهما في مناصب عليا بالدولة...

حدث كل هذا بلغة وعبر خطاب توبيخي لرئيس الحكومة الذي لم يجرؤ على ردّ الفعل وكان «مكمّما» ـ بالفعل ـ واكتفى بتحريك رأسه ولا ندري في أي اتجاه... والواقع ان الرئيس قيس سعيد قد تعمّد إذلال وتقزيم رئيس الحكومة وكان بإمكانه حتى لا يحرج الدولة ورجالها أمام الرأي العام أن يجري حديثا ثنائيا في مكتبه بينه وبين رئيس الحكومة وأن يوبّخه بعيدا عن «الكاميرا» أمّا أن يهيّئ مشهدا بتلك الدقة والذكاء في التقاط الزوايا فالامر لا يبدو مرتجلا وإنما هو مقصود ومتعمّد.

لقد أساء السيد الرئيس لنفسه أولا بما أنه أذلّ رجل دولة من رجال دولته وهو الذي كلفه برئاسة الحكومة باعتباره الشخصية الأكثر كفاءة... وأن يكلفه فذاك لا يعني أنه قد تحول الى «سيد على عبده» فالعلاقة بينهما هي علاقة مرتهنة الى احكام الدستور وهو الذي يحدّد الصلاحيات لكل طرف... وكلنا يعرف مدى تهافت الرئيس قيس سعيد على هذه الصلاحيات ورغبته في افتكاكها...

ولا نعتقد أن السيد هشام المشيشي سترضيه هذه الوضعية «المذلّة» لرجل دولة في مقامه له من الصلاحيات ما يفوق التي بين يدي الرئيس وبالتالي فإنه لا لوم على السيد المشيشي ان هو ـ بعد جلسة أول أمس ـ طبّق الدستور في كل تحركاته دون العود الى رئيس الجمهورية ولا لوم عليه ـ اليوم ـ إن هو استعصى ورفض مراجعة التعيينات في ديوانه فهي من حقه مطلقا دستوريا ولا لوم عليه ان ارتمى في احضان الاحزاب التي تسعى وما تزال لاحتوائه لعزل الرئيس... ونعتقد أن السيد هشام المشيشي سيجد نفسه مرغما على مغادرة «سماء الرئيس» بعدما تلقاه من اهانة مباشرة تم تصويرها وبثها على صفحة رئيس الجمهورية لمزيد التنكيل برئيس الحكومة...

كان بإمكان رئيس الجمهورية ان يمرّر رسالته بحكمة وهدوء بعيدا عن «استعراضاته الثورجية» وان لا يشهّر بالناس في تجاوز للقانون والدستور وأن يطلب من رئيس الحكومة ـ على انفراد ـ مراجعة تعييناته لشبهات فساد عالقة بمن عيّنهم، كان بامكانه ان يفعل ذلك بعيدا عن «الكاميرا» ويناله دون بهذلة للدولة ولرجالها...

سيدي الرئيس... ما هكذا تورد الإبل.