الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

الافتتاحية




مدنـيّـون أَنتـم أم متخفّيـن وراء المدنيـة ؟!!

بقلم: الهاشمي نويرة

مرّت السنوات على تنفيذ إضراب الجوع الذي شاركت فيه مجموعة من الشخصيات الحقوقية والاعلامية والسياسية وعدد مِنَ الاحزاب مِنْ بينها أساسا «النهضة» و«حزب العمّال الشيوعي التونسي» و«الحزب الديمقراطي التقدّمي» وحزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، كان الهدف هو بلورة «عهد ديمقراطي يكفل لكلّ المواطنين والمواطنات المساواة والحريّات والحقوق الأساسيّة غير القابلة للتصرّف أو الاستنقاص ويشكّل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحُكْمِ على أساس تناظر وتنافس البرامج والرّؤى وهو عَهْدٌ مِنْ شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل الى ارساء أُسس التغيير الديمقراطي».

هذا هو الهدف المُعلن في حينها، وقد سبق هذا الاضراب إنعقاد القمّة العالمية للمعلومات والتي سُلّطت عليها الكثير مِنَ الأضواء وقد رأى فيها منفّذو الإضراب فرصة تاريخية لاحراج نظام بن علي وطرح قضية الحريات الأساسية وغيرها واجباره على تقديم التنازلات الضرورية بشأنها.

وإن لَمْ يتمخّض الاضراب عن ميلاد جبهة سياسية تعتمد ما أسلفنا ذكره كأهداف ومبادئ كقاعدة التقاء لأسباب، أحد أهمّها هو أنّ «قاعدة المساواة على أساس المواطنة» ليست قاسما مشتركا مبدئيّا بين كلّ الأطراف المشاركة في اضراب الجوع، فضلا عن كون معارك زعامة المعارضة التي لا تنتهي شكّلت هي الأخرى سببا مِنْ أسباب اجهاض ميلاد هذه الجبهة السياسية، دون اغفال دور السلطة في محاولة اختراق وإفشال عملية الولادة هذه.

وقد رأى الملاحظون ـ ونحن منهم ـ أنّ الفائدة حصلت لطرفٍ وحيدٍ هو حركة «النهضة».

كان الإضراب مناسبة هامّة بالنسبة للتيّار الاسلامي حتّى يبدأ « معركة التّطبيع» مع المجتمع التونسي وقد ساعده في ذلك بالخصوص زعيما حزبي «الديمقراطي التقدمي» و«العمّال الشيوعي التونسي» نجيب الشابي وحمّة الهمامي.

وبالطبع كانت «النهضة» مستعدّة للتوقيع على أيّ وثيقة ـ حتّى وان كانت بيان الحزب الشيوعي ـ لأنّ ذلك مِنْ شأنه ان يفتح لها بَابًا للتطبيع مع المجتمع التونسي ونُخَبه ..

وبالفعل وقّعت «النهضة» على وثيقة الاضراب والتي تضمّنت الحدّ الأقصى مِنَ الحريّات الأساسية فردية كانت أم جماعيّة ..

وقّعت وهي تعلم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد وثيقة لا تتوفّر الشروط الموضوعية والذاتية على تحويلها الى جبهة سياسية ولكنّها تمثّل في المقابل تأشيرة عُبور بالنسبة الى «النهضة» لإقناع العامة والخاصّة بالطابع السياسي والمدني لحزبها ..

.. ومرّت السنوات ولعب البعض بالنسبة «للنهضة» دور الحاضنة والبعض الآخر قبل بِلَعِبِ دور التيّاس رغم أنّ هؤلاء وأولئك احترقوا بلهيب مواقف الحزب الاسلامي المتقلّبة والمنقلبة في أغلب الأحيان على المبادئ والأهداف التي تضمّنتها الوثيقة المتمخّضة عن اضراب الجوع في 18 أكتوبر 2005.

ولم نعرف أنّ هذه الوثيقة صاحبتها مِنْ جانب «النهضة» تعديلات في المراجع الفكرية أو في الخطاب السياسي فضلا عن الممارسة وانّما كانت تحتمي بها في حالات الجزْرِ وتعانق مجدّدا هويّتها الأولى الدينية في حالات المَدّ ..

وكان دوما دَيْدَنُ حركات «الاسلام السياسي» هو تقديم «التنازلات» التي لا تضير جَوْهَرَ هويتها في مراحل «الضّعف» وبمجرّد أن تتغيّر موازين القوّة ترجع الى أصولها الفكرية والايديولوجية وبأكثر إصرار وشراسة على فرض مواقفها وأجندتها.

وقد تجلّى ذلك في كلّ المحطّات المهمّة التي تسلّلت فيها «النهضة» الى ميدان المعركة الديمقراطية.

وليس أدلّ على ذلك ممّا جرى بعيد انتخابات 23 اكتوبر 2011، اذ فكّت الارتباط ـ وحتّى قبل الانتخابات - مع مَنْ احتضنهم في أيّامهم «الصعبة» وهو نجيب الشابي ولَمْ تَرَ حركة «النهضة» أيّ حرج ولا غضاضة في ذلك وذات الأمر تكرّر مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السّبسي الذي حماهم وضَمَنَ مدنيّتهم لدى المشكّكين في ذلك وبين الشابي وقايد السبسي تركوا الرئيس الذي كان مؤقتا المنصف المرزوقي لمصيره بعد أن تخلّوا عنه ويمكننا الجزم بأنّ تاريخ «النهضة» وحركات الاسلام السياسي زاخر بِمِثْلِ هذه الشواهد، الى حَدٍّ بدأ يُحْرِجُ البعض مِنْ قادة «أغَوَتْهُم» المدنية والديمقراطية وقد يُخْرِجونهم قريبا مِنَ المِلَّةِ حفاظا على الجِسْمِ مِنْ امراض العصر المستفحلة كالحريّة والمساواة والديمقراطية والمرجعية المدنية.

إنّ 18 أكتوبر 2005 مرّت عليه السنوات ونحن نعيش ذكراه وجب التساؤل : متى سيتمّ التقييم؟!

إنّ القوى المدنية وبعض من خلصت نواياهم في حركة «النهضة» وجب عليهم جميعهم الإقرار بأنّ الوقت قد حَانَ لكي يسلّموا بأنّ الديمقراطية والحرية والمساواة وقيم التقدم والحداثة ليست واقيات يختفي وراءها ويحتمي بها الفكر المتطرّف والظلامي الى حين توفّر شروط تغوّله واستئساده على المجتمع فينقلب عليها مجدّدا .. هذه هي قاعدة التقييم والمحاسبة ولا يجب أَنْ نُضيع البوصلة هذه المرّة.

انّ اللحظة السياسية التي نعيش على غاية من التعقيد والتكثيف وانّ المنهج يقتضي أنّ قاعدة الفَهْمِ والتمييز والفرز هي قاعدة التقييم والمحاسبة هذه وذلك حتى نتجاوز ما نحن فيه من أزمات عميقة وننظر الى المستقبل بأكثر تفاؤل.