الرئيسية / أخبار اليوم / أهميّة الحوار و آدابه..

أهميّة الحوار و آدابه..

في ظل شيوع حالة إعجاب كلّ ذي رأي برأيه، واستغراق المسلمين في خلافاتهم الشخصية، والفرقة التي سيطرت على واقع المسلمين وحياتهم، حتى تنكّر أصحاب المنهج الإسلامي لبعضهم، وسار كلّ منهم في طريق مغاير، بل وصل بالبعض إلى حالات الاقتتال فيما بينهم، لا لشيء سوى غياب لغة الحوار، وتمسّك كلّ منهم برأيه حتّى ولو كان غيره في مصلحة الإسلام و مصلحة البلاد و العباد.. في ظلّ كلّ ذلك تبزغ أهميّة الحوار وعرض الأفكار وتلاقح الأذهان والالتقاء في مناطق وسط..
 إنّ الحوار هو السبيل الأوحد لإقناع المخالف، ومفتاح قلبه لطريق الحقّ، كما أنّ الحوار هو أسلوب التواصل والتفاهم بين الناس، ووسيلة التعارف والتآلُف بينهم، ومنهج الدّعوة والإصلاح في مجتمعهم، ومسلك التربية والتعليم لنشئهم وأجيالِهم، ومجمَع التقارب والالتقاء فيما بينهم..
لولاه لما انتهت الحروب بين الناس، ولهاجت أفعالُ الجاهلية والفساد في المجتمعات، ولعلّ حرب البسوس التي دارت رحاها بين قبيلتي « داحس والغبراء « أربعين سنة لم تنتجْ لهم فيها ناقة لاشتغالهم بالحرب، حتّى إذا أنهكهم القتال، جلَسوا ليتحاوروا، وتمّ بينهم الصّلح، ولو كانوا جلسوا للحوار من قبل تلك السّنوات لَمَا خسروا تلك الخسارة الفادحة، التي نالتهم في المال والنّفس والحرثِ والماشية..
 فمقصود من الحوار بيان الحقّ دون خسائر أو إهانة لأحد الطرفين، وحتّى يؤتي الحوار ثماره بين المتخاصمين، لا بدّ أن يتّسم مجلس الحوار بآداب تندثر، وتغيب فوائد الحوار المرجوّة في الوصول إلى الحقّ على قدر التفريط في تلك الآداب..
 وإنَّ حياةَ الناسِ على هذهِ البسيطةِ، واختلاطَهُم، وتبادُلَ المصالحِ بينَهم، والتعايشَ على هذهِ الأرضِ بسلامٍ، يستلزمُ عليهم أولاً معرفةُ ما لَهُم وما عليهم، ما لَهُم مِنْ حقوقٍ، وما عليهم من واجباتٍ، وأن يكون ذلكَ نابعاً مِن شريعةِ اللهِ التي بيّنَتْ الحقوقَ والواجباتِ وأعطتْ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ثم بعدَ ذلكَ إنهاءُ الخلافاتِ الفرديةِ والاجتماعيةِ، ولا يتمُّ ذلكَ بينَ الأفرادِ والجماعاتِ، إلا من خلالِ الحوارِ الهادفِ الهادئِ، لأنَّ الحوارَ إذا كانَ حواراً هادفاً، يقرِّبُ وجهاتِ النظرِ، ويقلّص التشتّت والتباينَ في الآراءِ والتوجّهاتِ..
ولذلك أيّها القرّاء الأكارم: فلقَد حفلَت آياتُ القرآنِ الكريمِ والسنة النبوية المطهرة بالنّصوصِ الكثيرة التِي تُرشِدُنَا إلى أهميّةِ الحوارِ فِي حياةِ الناسِ، وتُعلِّمُنَا حُسْنَ الاستماعِ إلَى الآخرينَ، وما خلقَ اللهُ للإنسانِ فَماً وأذنينِ إلا ليقولَ ويسمعَ.. وقَدْ ذكَرَ القرآنُ الكريمُ الحوارَ في مواضعَ كثيرةٍ جداً، نذكر منها ما دار بين الله والملائكةِ مِن حوارٍ فِي قصّة خَلْقِ الإنسانِ، وسؤال الملائكة لربّ العالمينَ، قالَ تعالَى: « وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ «، عندَ ذلك اْستجابَتِ الملائكةُ لأمرِ الله تعالى ولم يكن ذلك الحوار مع الملائكة فحسب، بل حتى مع شرّ خلقِ الله إبليس، قال اللهُ تبارك و تعالى: « فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ «..
ولقد حاور الله سبحانَهُ وتعالى إبليس مع عصيان هذا المطرود من رحمة اللهِ وتمرّدِهِ على أمرِ اللهِ، فسأَلََه الله تعالَى عَن سبب عصيانه بأدب الرحمة الإلهية فقال سبحانه: « يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ «..
درسٌ عظيمٌ، وتربية ربانية، ندرك من خلالها أهمية الحوار فِي حياتنا، ونتعلّم من هذه الدروس الربانية، حسن الإصغاءِ للآخرين ولو كانوا غير محِقّين، لأنّ مجرّد الإصغاءِ لهم، يشتملُ على احتواءِ كلّ ما لديهم من الأسباب والحجج، والأعذار والتأولات، للوقوف على سببِ الخلافِ وعلاجه، ولكي يعلمَ الطرف الآخر أنك تشاركه همومه، ويهمّك أمره، وأنّك تسعى للاقترابِ منه، وتحبّ له وتخشى عليه..

شاهد أيضاً

ماكرون يتوجّه إلى مالي لتأكيد التزام فرنسا بمحاربة الإرهاب

الصحافة اليوم(وكالات الانباء) بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس الجمعة أول رحلة له بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة بلقاء جنود بلاده الذين يقاتلون الارهابيين في مالي حيث ازداد الوضع الأمني سوءا على الرغم من التدخل الفرنسي قبل أكثر من أربع سنوات. وتعتبر منطقة الساحل الافريقي عرضة للخطر بعد سلسلة من الهجمات في الأشهر القليلة الماضية. ويتسم الوضع السياسي في منطقة الساحل بالهشاشة وتمتد صحاريها التي تتخذ مجموعة من الجماعات الجهادية منها قاعدة لها من موريتانيا غربا إلى السودان شرقا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *