الإستثمار الأجنبي في تونس يسجّل قفزة لافتة..
شارك هذا المقال
سجّل الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس سنة 2025 قفزة لافتة، فبلغ 3506.5 مليون دينار بزيادة قدرها %30.1 مقارنة بسنة 2024، وفق التقرير السنوي للبنك المركزي. وكشفت وزارة الاقتصاد والتخطيط، في ردّها على سؤال كتابي من النائب عبد الحليم بوسمة، أن هذه التدفقات مكّنت من إحداث 14 ألفا و85 موطن شغل جديد، دون احتساب قطاع الطاقة.
وتُظهر المعطيات أنه قد تم تسجيل921 عملية استثمار بكلفة بلغت 2935.7 مليون دينار، توزعت بين 102 مشروع إحداث جديد وفّرت 3914 موطن شغل، و819 مشروع توسعة وفّرت 10171 موطن شغل.
وهو ما يعني أن مشاريع التوسعة هي التي صنعت الجزء الأكبر من فرص العمل أي أن الشركات الأجنبية القائمة في تونس هي صاحبة النصيب الأكبر في استقطاب اليد العاملة بعد أن قررت أن توسّع في مشاريعها الاستثمارية، وهو بدوره ما يدل على مناخ الثقة الذي يشجع على الاستقرار والاستمرارية.
وبالعودة إلى الأرقام التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد و التخطيط نجد أن الصناعات المعملية قد استأثرت بالنصيب الأكبر بقيمة 2194.1 مليون دينار (%63)، تليها الخدمات بـ657.9 مليون دينار (%19)، ثم الطاقة بـ570.8 مليون دينار (%16)، والفلاحة بـ83.7 مليون دينار (%2). وقد دخلت مشاريع مهمة طور الإنتاج الفعلي في صناعة مكونات السيارات، والصناعات الدقيقة، والتجهيزات الطبية، والتكنولوجيات الحديثة، وهي مجالات تحمل قيمة مضافة عالية ويد عاملة مختصة.
يمكن قراءة الأسباب على مستويين إثنين أولهما مباشر، ويتعلق بموقع تونس الاستراتيجي القريب من الأسواق الأوروبية، والكلفة التنافسية لليد العاملة فيها ، بالإضافة إلى وجود الكفاءات ، وما لها من التجربة الصناعية المتراكمة في قطاعات مثل السيارات والطيران والإلكترونيات ويضاف إلى ذلك آلية للتنسيق بين وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والبنك المركزي و التي تضمن دقة البيانات وتقاربها، وهو ما يمنح المستثمر صورة واضحة عن الظروف والقوانين ونظام الحوافز وغيرها من العوامل التي تجعلها منطقة جاذبة للاستثمار.
وثانيهما غير مباشر، ويرتبط بإعادة ترتيب سلاسل التوريد عالميا، حيث تبحث الشركات الأوروبية عن مواقع قريبة وموثوقة بدل الأسواق البعيدة، وتونس بحكم موقعها مرشحة طبيعيا لذلك، بالإضافة إلى أن الأسواق الأقل تقلبا نسبيا ،والأكثر استقرارا في محيطها الإقليمي تكتسب جاذبية إضافية في أنظار المستثمرين
حيث يبحث المستثمر الأجنبي عن وضوح الرؤية وسلامة البيئة الحاضنة لنوعية النشاط وهو ما يتوفر لتونس حيث مؤسسات الدولة قائمة، والقرار السياسي مركزي والمناخ الاجتماعي بقي في مجمله هادئا ،علاوة على الأمن المستقر في كل المدن وهذا ما يفسر جزئيا مواصلة الشركات العاملة في البلاد توسيع نشاطها.
غير أن الموضوعية تقتضي القول إن الاستقرار يُقاس بالاستمرارية. فالمستثمر يتابع أيضا مناخ التشغيل والمطالب الاجتماعية في الجهات، ومدى ثبات القواعد القانونية والجبائية. وكلما بقيت هذه القواعد ثابتة ومعروفة، ازدادت جاذبية البلاد كوجهة استثمارية عالمية.
ولعلّ أبرز المكاسب التي تستوجب التوقف عندها هو مكسب التشغيل، إذ أن أكثر من 14 ألف موطن شغل جديد تنعكس بالضرورة على تحسين وضعية آلاف الأسر. وبعد التشغيل تأتي الموارد المالية ،كما تدرّ الاستثمارات العملة الصعبة و التي بدورها تدعم الاحتياطي الوطني كما تنشط الجباية وعديد الخدمات الهامشية والمحلية الأخرى المرتبطة بتلك المشاريع الاستثمارية المنتصبة ارتباطا وثيقا ،كما تساهم المشاريع في تلميع سمعة بلادنا، فكل مشروع ناجح يصبح شهادة تونسية مفتوحة أمام مستثمرين آخرين، ويعزز صورة البلاد بوصفها وجهة صناعية جادة ومنتجة.
عموما ، نجحت تونس في سنة 2025 في تحويل ارتفاع الأرقام إلى فرص عمل ملموسة ،ولتوسيع دائرة الاستفادة ،يتوجب على الدولة التدخل حتى تشمل هذه المشاريع الجهات الداخلية، وأن تبسط الطريق أمامها حتى تتحول هذه الأرقام والمؤشرات إلى تنمية حقيقية تُرى في كل جهات البلاد.
