الذكرى 199 لإنشاء العلم التونسي : الراية التي تختزل تاريخ الدولة والسيادة الوطنية…
شارك هذا المقال
في العشرين من أكتوبر من كل عام، تحي تونس ذكرى انشاء العلم المفدى الذي نحتفى هذا العام بمرور 199 سنة على تصميمه.
وهو الذي عايش اهم المحطات التاريخية لوطننا امتد من فترة حكم البايات الحسنيين والحقبة الاستعمارية ثم الاستقلال وإعلان الجمهورية وكل التحولات السياسية التي شهدتها تونس وظلت هويتها الوطنية صامدة.
وتعود حكاية العلم التونسي إلى 20 أكتوبر 1827، حين أمر حسين باي الثاني بإعداد راية خاصة تتميز بها البحرية التونسية، في سياق إقليمي ودولي شهد تحولات عسكرية وسياسية مهمة. وقد جاء هذا القرار في أعقاب معركة نافارين البحرية، التي تكبد فيها الأسطول العثماني وحلفاؤه خسائر كبيرة، ما دفع إلى التفكير في راية تميز السفن التونسية عن غيرها. واعتمد العلم رسميًا سنة 1831، ليصبح أحد أقدم الأعلام الوطنية المستعملة بصورة متواصلة في المنطقة العربية.
ولم يكن ظهور العلم مجرد إجراء يتعلق بتنظيم الأسطول أو تمييز السفن، بل ارتبط أيضًا بمسار تطور الكيان السياسي التونسي وسعيه إلى تثبيت خصوصيته داخل محيط إقليمي كانت الإمبراطورية العثمانية تمثل أحد أبرز ملامحه. فقد احتفظت الراية بملامح قريبة من الرموز العثمانية، مع عناصر مميزة منحتها طابعًا تونسيًا خاصًا، لتتحول تدريجيًا إلى رمز للدولة وامتدادها التاريخي..
إذن هذه الراية التي يلتف حولها التونسيون والتي بلغ عمرها حوالي قرنيين من الزمن لا تزال صامدة رغم كل ما عصف بها البلد حتى ان الاستعمار الفرنسي لم يجرؤ على تغييره بل ظل عنوانا دالا على الهوية التونسية والشخصية الوطنية.
وهو الذي اكتسبت عناصره من الخلفية الى الدائرة البيضاء والهلال والنجمة الخماسية دلالات ثقافية وحضارية ووطنية متجذرة في المخيال الجماعي لعموم التونسيين.
وبعد قرابة قرنين على تصميمه،لا يزال العلم التونسي حاضرًا في وجدان التونسيين، من المدارس والساحات العامة إلى الملاعب والمحافل الدولية. وتتجدد رمزيته كلما ارتفع في فضاء عام، ليذكر بأن الأوطان لا تختصرها حدود الجغرافيا وحدها، بل تصنعها أيضًا الذاكرة المشتركة والرموز التي تمنح أبناءها شعورًا بالانتماء والاستمرارية.
والأكيد ان دلالات الراية الوطنية لا تختزل فقط في أهمية رموزها و تأويلاتها، بل تتجلى أساسًا في قدرتها على جمع المواطنين حول علامة مشتركة تختزل الانتماء إلى وطن واحد، مهما تنوعت جهاتهم وتجاربهم واختلافاتهم..
ومن المهم هنا التأكيد على أن الاحتفاء بالذكرى 199 لإنشاء العلم التونسي لا يقتصر على استعادة تاريخ تصميمه أو تعداد المراحل التي مر بها، بل يمثل مناسبة للتأمل في معنى الرموز الوطنية ودورها في صيانة الذاكرة الجماعية. فالعلم ليس قطعة قماش ترفع في المناسبات فحسب، وإنما علامة تختزن حكاية دولة وشعب، وتربط الحاضر بماضٍ تشكل عبر التحولات والصراعات والتضحيات.
ومن هذا المنطلق تكتسب هذه الذكرى أهميتها في نقل التاريخ الوطني إلى الأجيال الجديدة، وتعريفها بمسار أحد أبرز رموز السيادة التونسية، حتى لا تبقى الراية مجرد صورة مألوفة، بل تتحول إلى مدخل لفهم تاريخ البلاد وتطور مؤسساتها وتواصل هويتها.
.
