انتظر قراء لم يأتوا : الكاتب الجزائري حامد ياسين يبكي امام الكراسي الفارغة
شارك هذا المقال
هل انتهى عصر الكتاب ؟ وهل أصبحت القراءة موضة قديمة بعد ان أصبحت الشاشات ملاذ الجميع ؟
أسئلة تخامر اذهاننا مع كل معرض كتاب ومع كل مناسبة تطرح فيها قضايا المطالعة. غير اننا لم نتخيل ان نبلغ مرحلة ينهار فيها كاتب باكيا لعدم وجود قراء.
فالكاتب الجزائري حامد ياسين لم يكن يتوقع أن يتحول حفل توقيع روايته الجديدة «سفيرة من الريف» إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في مسيرته الأدبية. ففي مدينة
بئر العاتر بولاية تبسة، حضر الكاتب لتقديم عمله وانتظر قراءه، لكن القاعة ظلت فارغة تماماً، باستثناء الشخص المكلف بإدارة اللقاء وهو صديقه . ومع امتداد الانتظار
دون أن يأتي أحد، غلبته دموعه، في مشهد وثّقته الكاميرا وسرعان ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
والحقيقة ان دموع حامد ياسين ليست لحظة ضعف انساني عابر هو محض انفعال أمام موعد ثقافي لم ينجح في استقطاب الجمهور، بل هي اختزال لوجع عميق يعيشه
بعض المبدعين حين يصطدم شغفهم بالكتابة بواقع لا يمنح الكلمة ما تستحقه من اهتمام. فقد يقضي الكاتب أشهراً أو سنوات في بناء عالم روائي، مستثمراً وقته وفكره
ومشاعره، ثم يجد نفسه وحيداً في اللحظة التي ينتظر فيها أن يلتقي عمله بالقراء.
وقد أثار المشهد تعاطفاً واسعاً في الأوساط الثقافية العربية، وتوالت رسائل الدعم من كتاب ومثقفين ونقاد، فيما عبّر الكاتب المغربي سعيد حاجي عن صدمته من صورة
مبدع يواجه فراغ القاعة، مستحضراً الأسئلة القاسية التي قد تتسلل إلى نفس المؤلف في مثل هذه اللحظة: هل تستحق الكتابة كل هذا العناء؟ وأين القارئ الذي كُتبت له هذه الصفحات؟
والأكيد ان هذه الواقعة تفتح نافذة على مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لقاعة أن تخلو من القراء، بينما ينتشر مقطع بكاء الكاتب على الشاشات ويحصد اهتماماً واسعاً؟
لا يتعلق الأمر بمجرد مقارنة بين الكتاب ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا باتهام الجمهور بالتفاهة، فالترفيه حق مشروع، والقراءة لا تزال حاضرة لدى فئات واسعة. لكن
التحول في عادات استهلاك المحتوى جعل الانتباه سلعة نادرة، وأصبح المحتوى السريع والمثير أكثر قدرة على الانتشار من الأعمال التي تتطلب وقتاً وتركيزاً وتأملاً.
في هذا الفضاء، قد يحظى مشهد إنساني مؤثر بآلاف المشاهدات، بينما يظل كتاب كامل خارج دائرة الاهتمام. وهنا تكمن المفارقة: يتفاعل الجمهور مع دموع الكاتب، لكن
هل يدفعه ذلك إلى قراءة روايته؟ أم أن الحكاية ستتحول بدورها إلى مادة عابرة، سرعان ما تطويها موجة جديدة من المقاطع والأخبار؟
ولعل اهم ما يمكن ان نستشفه هنا هو عدم اعتبار القاعة الفارغة دليلاً على قيمة الرواية أو جودتها، مثلما لا يمثل ازدحام القاعات حكماً نهائياً على جودة الأعمال المقدمة.
غير أن الواقعة تطرح أسئلة عن مسؤولية المؤسسات الثقافية ودور النشر والإعلام في التعريف بالكتب، وبناء علاقة مستدامة بين المبدعين والجمهور.
فالثقافة لا تُصنع بمجرد تنظيم اللقاءات، بل تحتاج إلى سياسات تشجع القراءة، ومكتبات قريبة من الناس، وكتب ميسورة الكلفة، وأنشطة تستقطب الشباب، وإعلام يمنح
الإبداع مساحة تتجاوز أخبار التكريم والجوائز والمناسبات الموسمية.
كما أن التعاطف مع الكاتب لا ينبغي أن يتوقف عند مشاركة صورته أو كتابة كلمات المواساة. إن أصدق أشكال التضامن مع المبدع هي قراءة عمله، ومناقشته، ونقده
بموضوعية، والتعريف به حين يستحق ذلك..
