مذكرات سيلفستر ستالون : خلف أسطورة «روكي» طفلٌ كان يبحث عن الأمان
شارك هذا المقال
وراء الجسد القوي والوجه الذي أصبح واحداً من أشهر الوجوه في تاريخ السينما، يقف طفلٌ حمل منذ ولادته ندوباً لم تكن كلها ظاهرة على الشاشة.
هذا تقريبا ما تقوله مذكرات سيلفستر ستالون الصادرة مؤخرا والموسومة ب ” الخطوات “او ” الدرجات “.
ويفتح سيلفستر ستالون نجم سينما الحركة دفاتر حياته، مستعيداً طفولة
مضطربة، وعلاقة معقدة بوالديه، وسنوات طويلة من الرفض والفشل، وصولاً إلى اللحظة التي تحولت فيها شخصية «روكي» إلى أسطورة سينمائية صنعت اسمه.
ولا يقدم ستالون في مذكراته صورة النجم المنتصر فقط، بل يعود إلى السنوات التي سبقت النجومية، حين كان عليه أن يتعايش مع آثار ولادة صعبة تركت أثراً دائماً في ملامح وجهه وطريقة كلامه. وهي تفاصيل يرى أنها ساهمت، بطريقة أو بأخرى، في تكوين شخصيته وفي علاقته المبكرة بالعالم من حوله.
وكانت طفولته، بحسب ما يروي، بعيدة عن صورة البيت الآمن. فقد تحدث عن والدين لم يمنحاه القدر الذي كان يحتاج إليه من الحنان والاستقرار، وعن أب اتسم بالقسوة، وعن أم كانت علاقته بها مضطربة. ويبدو أن واحدة من أكثر الذكريات رسوخاً في داخله كانت مرتبطة بذلك الشعور البسيط الذي افتقده طويلاً.
وانتقل ستالون بين المدارس، وعاش فترات من الاضطراب والانضباط القسري، قبل أن يجد في السينما والكتابة مساحة مختلفة للتعبير عن نفسه. ولم يكن الطريق إلى هوليوود مفروشاً بالفرص؛ فقد واجه رفضاً متكرراً بسبب مظهره وطريقة كلامه، وكان عليه أن يقنع الآخرين بأن الشخص الذي لا يبدو، في نظر كثيرين، بطلاً تقليدياً يمكن أن يصبح نجماً.
وكتب ستالون سيناريو الفيلم وهو يؤمن بأن عليه أن يؤدي الشخصية بنفسه، رغم أن المنتجين لم يكونوا متحمسين لمنحه الدور. كان يمكن أن يتخلى عن السيناريو ويبيع الفكرة لممثل أكثر شهرة، لكنه تمسك بحقه في تجسيد الرجل الذي كتبه: ملاكم مغمور لا يبحث فقط عن الانتصار، وإنما عن فرصة تثبت له أنه ليس شخصاً هامشياً في هذه الحياة.
وقد كان نجاح «روكي» متجاوزا كل التوقعات، وتحول الفيلم إلى ظاهرة سينمائية، كما حصد جائزة أوسكار أفضل فيلم. لكن المفارقة أن الشخصية التي صنعت أسطورة ستالون كانت، في جانب منها، امتداداً لطفل عاش طويلاً مع الإحساس بأنه لا يحظى بالقبول الكافي.
ولعل هذا ما يمنح قصة «روكي» قوتها الإنسانية حتى اليوم. فالملاكم لم يكن يقاتل خصمه وحده؛ كان يقاتل أيضاً ذلك الشعور القديم بأن العالم لا يراه ولا يمنحه فرصة. ومن هنا تبدو رحلة الشخصية قريبة من رحلة صاحبها نفسه
غير أن النجاح لم يمحُ كل الجروح القديمة. فقد حمل ستالون معه إلى سنوات الشهرة علاقة شديدة التعقيد بجسده، الذي جعله لاحقاً رمزاً للقوة واللياقة. ويتحدث في مذكراته عن الثمن الجسدي الذي دفعه نتيجة سنوات التدريب القاسي والعمل السينمائي، وعن عمليات جراحية عديدة خضع لها، فيما ظل متمسكاً بفكرة الحفاظ على لياقته حتى في سن متقدمة.
أما أقسى فصول المذكرات، فيرتبط بفقدان ابنه ساج ستالون، الذي توفي عام 2012 عن عمر 36 عاماً. ذلك الفقد لم يكن مجرد حادثة في سيرة نجم عالمي، بل جرحاً شخصياً لا تستطيع الشهرة أن تخفف وطأته. ويعود ستالون إلى تلك اللحظة بوصفها واحدة من أكثر التجارب ألماً في حياته، حيث تصبح كل النجاحات المهنية عاجزة أمام حقيقة واحدة: لا شيء يعيد الابن الذي رحل.
وحتى علاقته بوالدته بقيت تحمل أسئلة لم تجد إجابات سهلة. امرأة ارتبطت في ذاكرته بطفولة مضطربة، ونجم أصبح لاحقاً قادراً على الوقوف أمام ملايين المشاهدين وتسلّم جوائز هوليوود، لكن بعض أسئلة الطفل القديم بقيت حاضرة.
وفي حديثه عن «رامبو»، يبرز جانب آخر من رؤيته للعنف والحرب. فالشخصية التي ارتبطت في أذهان الجمهور بالقوة والقتال لم تكن، وفق رؤيته، مجرد احتفاء بالحرب، بل حملت أيضاً إحساساً بعبثيتها وبالمصير القاسي للجنود الذين يعودون منها مثقلين بالإصابات والذكريات.
وهكذا تبدو مذكرات سيلفستر ستالون أقل اهتماماً بصورة النجم الذي «انتصر» وأكثر انشغالاً بالإنسان الذي دفع ثمناً طويلاً قبل أن يصل إلى القمة.
