معركة الجلاء: حرب بورقيبة ضد ديغول …من اجل السيادة الكاملة
شارك هذا المقال
ما السيادة ؟ وما جوهرها ؟ وما ذا لو جعلنا من هذا السؤال المحوري منطلقا لفهم محطة تاريخية من اهم محطات تاريخنا المعاصر ألا وهي ذكرى الجلاء الذي توج حربا ضروسا قادتها دولة الاستقلال والتحم شعبها بقواته المسلحة الفتية وقتها من اجل افتكاك السيادة واعلاء الراية الوطنية على كامل تراب الوطن بجلاء اخر جندي فرنسي عن أراضيه.
إذن تحي بلادنا اليوم ذكرى الجلاء وهي مناسبة لنستذكر معاني البطولة الفداء بمنتهى الفخر والعزة وأيضا فرصة سانحة للنظر في معاني السيادة الوطنية الكاملة التي ضحى التونسيون بالغالي و النفيس من اجل استردادها وطرد الاستعمار البغيض.
و الحقيقة أن السيادة لا تعني رحيل الجيوش الأجنبية عن الوطن فقط وإن كان هذا احد أركانها ، بل هي جوهر استقلال الدول ومعيار قدرتها على امتلاك قرارها ورسم خياراتها والدفاع عن مصالحها الوطنية.
و إذ نحتفي بعيد الجلاء من المهم ان تستوقفنا محطة مفصلية في تاريخنا المعاصرحين خاض التونسيون معركة بنزرت ليضعوا حدا للوجود العسكري الفرنسي ولاستكمال استقلال البلاد مؤكدين أن حرية الأوطان لا تُمنح بل تنتزع بالتضحية والثبات وان ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة.
لكن هذه اللحظة التاريخية لا ينبغي ان ننظر اليها كوقائع من الماضي فحسب بل هي فرصة لنجدد الوعي بأن السيادة مكسب تاريخي يستوجب الصون، وأمانة وطنية تتوارثها الأجيال، ومسؤولية متجددة تفرض حماية القرار الوطني من كل ما من شأنه أن ينتقص من استقلاليته، في عالم تتغير فيه أدوات النفوذ وتتعدد فيه رهانات المصالح. فكما كانت بنزرت بالأمس عنوانا لمعركة تحرير الأرض، تظل السيادة اليوم عنوانا لمعركة بناء الدولة القادرة على حماية خياراتها وصون كرامة شعبها.
إذن في مثل من عام 1963 هذا اليوم غادر آخر جندي فرنسي قاعدة بنزرت بعد سنوات من الاستقلال السياسي الذي لم يكن قد وضع حدا نهائيا للوجود العسكري الفرنسي على الأراضي التونسية. كان ذلك اليوم تتويجا لمسار طويل من الكفاح، واختبارا لإرادة دولة ناشئة قررت ألا تكتفي باستقلال منقوص، وأن تجعل من حرية القرار الوطني حقيقة لا شعارا..
ورغم ان معركة الجلاء مواجهة عسكرية بين جيشين متفاوتين في القوة والإمكانات، احدهما فتي والأخر يعد من اعتى القوى وأكثرها شراسة عالميا في تلك المرحلة إلا انها كانت في جوهرها، صراعا على معنى الاستقلال وحدوده. فمنذ حصول تونس على استقلالها في 20 مارس 1956، ظل الوجود العسكري الفرنسي في بنزرت يمثل عقدة أساسية في العلاقة بين البلدين، وعنوانا لتناقض واضح بين الاعتراف باستقلال الدولة التونسية والإبقاء على موطئ قدم عسكري فوق ترابها.
في هذا السياق، اتخذت المواجهة بين الرئيس الحبيب بورقيبة والجنرال شارل ديغول أبعادا تجاوزت الخلاف الدبلوماسي بشأن مصير قاعدة بنزرت. فقد كانت تونس تطالب بإجلاء القوات الفرنسية، فيما تمسكت باريس بأهمية القاعدة الاستراتيجية في حساباتها العسكرية، ولا سيما في ظل حرب الجزائر والتوازنات الدولية آنذاك.
وكان بورقيبة يدرك أن الاستقلال السياسي، مهما كانت أهميته التاريخية، لا يكتمل ما دامت قوة عسكرية أجنبية تحتفظ بوجودها داخل البلاد خارج إرادة الدولة الوطنية. ومن هنا، تحولت قضية بنزرت إلى اختبار حاسم لمدى قدرة تونس على فرض حقها في تقرير مصيرها.
وبعد تعثر المفاوضات وتصاعد التوتر في صيف 1961، اندلعت المواجهات المسلحة في 19 جويلية وامتدت خلال الأيام التالية، مخلفة خسائر بشرية جسيمة في صفوف التونسيين، عسكريين ومدنيين. وقد كشفت المعركة، رغم اختلال موازين القوى، عن استعداد التونسيين للدفاع عن أرضهم، وعن حجم التضحيات التي يمكن أن يقدمها شعب يرى في السيادة حقا غير قابل للمساومة.
ولم تكن المواجهة انتصارا عسكريا تونسيا بالمعنى التقليدي، بالنظر إلى التفوق الفرنسي في العتاد والقوة النارية، لكنها شكلت محطة حاسمة في مسار فرض الجلاء على فرنسا. فقد ترافقت المقاومة الميدانية مع التحرك الدبلوماسي واللجوء إلى الأمم المتحدة، لتصبح قضية بنزرت شأنا دوليا، ولتتواصل الضغوط والمفاوضات إلى أن غادرت القوات الفرنسية نهائيا في 15 أكتوبر 1963.
وهكذا، لم يكن الجلاء وليد لحظة واحدة، ولا ثمرة قرار سياسي منفرد، بل حصيلة تفاعل بين الإرادة الوطنية والتضحيات الشعبية والعسكرية والتحرك الدبلوماسي. أما المواجهة بين بورقيبة وديغول، فقد جسدت ذلك الصراع بين دولة تسعى إلى تثبيت استقلالها كاملا وقوة استعمارية تحاول الاحتفاظ بامتياز استراتيجي على أرض لم تعد تملك حق التحكم في مصيرها..
وبعد مرور عقود على تلك الأحداث، تظل ذكرى الجلاء مناسبة لاستعادة سؤال السيادة، لا بوصفه مفهوما تاريخيا ارتبط برحيل الجيوش الأجنبية فحسب، بل باعتباره مبدأ يؤطر علاقة الدولة بذاتها وبالعالم..

