من اليمن إلى السعودية.. حتى لا يدفع المدنيون ثمن حروب لم يختاروها
شارك هذا المقال
تكشف التطورات الأخيرة بين اليمن والسعودية كيف يمكن للتصعيد العسكري أن يضع المدنيين في مواجهة مخاطر لا يملكون دفعها، فيما تتقدم الحسابات الأمنية والسياسية على فرص التهدئة. فالهجمات التي طالت مطارات سعودية، والعمليات العسكرية المتواصلة في اليمن، تعيدان المنطقة إلى دائرة مواجهة تتجاوز حدود البلدين، في وقت لا تزال فيه أسباب الحرب اليمنية بعيدة عن الحل.
في 7 أكتوبر الجاري، أُعلن عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات في هجمات استهدفت مطاري الرياض وأبها، وفق السلطات السعودية. وبعد أيام، أسفر هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن مقتل 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300، بحسب بيانات السلطات السعودية، فيما توقفت الرحلات في المطار. وفي 12 أكتوبر، أعلنت الرياض تعرضها لهجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مع استمرار إغلاق المطار. وتوضح هذه التطورات أن المنشآت المدنية وحركة السفر باتتا في قلب تداعيات التصعيد، وأن المدنيين يدفعون ثمناً مباشراً للمواجهة.
ولا يقل الوضع في اليمن خطورة. فالتصعيد الجديد يأتي بعد أكثر من عقد من الحرب التي أضعفت الاقتصاد، ودمّرت أجزاء من البنية التحتية، وقلّصت قدرة السكان على الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. ووفق خطة الاستجابة الإنسانية التي أعدها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، فيما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا تعمل سوى نحو 59 في المائة من المرافق الصحية بكامل طاقتها. وهذه الأرقام تعكس حجم الأزمة التي يواجهها السكان قبل احتساب الآثار الإضافية للتصعيد الأخير.
ولا تتطابق ظروف المدنيين في البلدين، كما لا تتساوى طبيعة المخاطر التي يواجهونها. فالسعودية تواجه هجمات تهدد أمن أراضيها ومرافقها الحيوية، فيما يتحمل اليمنيون تبعات حرب طويلة وأزمة إنسانية واسعة. لكن حماية السكان تظل ضرورة مشتركة، لا يجوز إخضاعها لحسابات الردع أو استخدامها ورقة في المواجهة.
وتتجاوز تداعيات الصراع أطرافه المباشرة. فالتطورات الأخيرة مرتبطة بتوتر أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، فيما تتداخل الحسابات العسكرية مع أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومصالح الطاقة والتجارة الدولية. وقد أفادت تقارير بأن واشنطن تقدم دعماً لوجستيا للعمليات السعودية في اليمن، وفي المقابل، عرضت طهران المساعدة على تيسير الحوار بين الحوثيين والسلطات اليمنية المعترف بها دوليا.
وتكشف هذه المواقف حجم التداخل بين النزاع اليمني والتنافس الإقليمي والدولي، فالقوى الكبرى لا تتعامل مع هذه الأزمات بمعزل عن مصالحها الاستراتيجية، بل تسعى إلى التأثير في مساراتها بما يخدم حساباتها الأمنية والسياسية. وقد تتحول ساحات الصراع، في هذا السياق، إلى أوراق ضغط ومساومة في ملفات أوسع. لكن ما تكسبه الأطراف من مواقع تفاوضية أو نفوذ عسكري لا يعوّض الخسائر البشرية، ولا يضمن إنهاء الحرب كما أن اتساع دائرة التدخلات قد يزيد صعوبة الوصول إلى تسوية، خصوصاً حين تتقدم اعتبارات التنافس على متطلبات خفض التصعيد.
وتؤكد تجارب الحروب في المنطقة أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لبناء استقرار مستدام، فقد تستعيد الأطراف مواقع أو تفرض وقائع ميدانية، لكنها تظل عاجزة عن إنهاء الصراع ما دامت أسبابه السياسية قائمة، وما دامت التسويات مؤجلة بفعل الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية. وفي اليمن تحديداً، لا يمكن فصل أي حل دائم عن مسار سياسي يعالج الانقسام، ويحد من التدخلات التي تعرقل التسوية، ويفتح المجال أمام إعادة بناء المؤسسات واستعادة الخدمات.
لذلك، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة للتصعيد على التهديد بالرد أو توسيع العمليات العسكرية. فالأولوية تقتضي وقف الهجمات التي تعرض المدنيين للخطر، وحماية المنشآت المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومنع انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة. كما تقع على القوى الدولية مسؤولية استخدام نفوذها لدعم التهدئة والتفاوض، لا الاكتفاء بإدارة الصراع وفق مقتضيات التنافس على النفوذ والمصالح.
ومن هنا فإن استقرار المنطقة يقاس أولا وقبل كل شيء بالقدرة على حماية السكان من دفع ثمن صراعات لم يختاروها وهو ما يجب على الجميع أن يكون واعيا به سواء كان لاعبا محليا أو دوليا.

