نتائج الانتخابات النصفية في أمريكا «زلزال» يطال الكونغرس ويقف عند حدود «الإدارة»
شارك هذا المقال
سيطر الديمقراطيون كما كان منتظرا على الكونغرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر الجاري، محققين أغلبية بمجلس النواب بـ228 مقعدا مقابل 139 للجمهوريين، مع أغلبية أيضا بمجلس الشيوخ بـ54 مقعدا مقابل 44 للجمهوريين، من أصل 100 مقعد.
وبعيدا عن التوصيفات والعناوين الكبرى التي أُعطيت لهذه النتائج من قبيل «الهزيمة المدوية» و«السقوط الكبير» و«النهاية الكارثية» لساكن البيت الأبيض، فإن انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين يمثل تحوّلا في موازين القوى داخل الكونغرس ويمنح الحزب قدرة أكبر على مراقبة إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب والتأثير في أجندتها التشريعية خلال العامين المتبقيين من ولايته دون أن يقلب الإدارة الأمريكية رأسا على عقب فحكام أمريكا وجوه متعدّدة لعملة واحدة كما يقال ولا داعي بالتالي في الافراط بالتفاؤل والتكهن بالتغيير الجذري في التعاطي مع أمهات القضايا وأبرز الملفات.
ولعل هذه الحقائق هي التي دفعت ترامب في أولى ردود فعله إلى التلويح باستخدام حق النقض (الفيتو) لعرقلة أجندة الديمقراطيين، بل أكثر من ذلك توقع احتمال حدوث جمود سياسي في واشنطن..!
قد يقول البعض أن الرجل فقد الصواب، أو بالأحرى نتائج الانتخابات النصفية أفقدته الصواب وبرهنت على سوء تقديره للحسابات، وسوء اختيار التوقيت، وسوء انتقاء الحلفاء الذين يعوّل عليهم وفي المقابل قدرة الخصوم والأعداء على قلب المعادلات..
وكما سبق أن أشرنا إلى ذلك فإن هذه الانتخابات هي من المناسبات النادرة في التجربة «الديمقراطية العريقة» للولايات المتحدة الأمريكية التي تحكمها وتحسمها أجندا خارجية لا مواضيع وملفات وطنية خالصة.
بعبارة أخرى لم تمثل البطالة والهجرة غير النظامية والاجهاض والمخدرات والجريمة المنظمة والضرائب وغيرها من المشكلات الاجتماعية الداخلية وقودا للانتخابات، بل مثلت الحرب على إيران «القنبلة الموقوتة» التي تناطرت بعض شظاياها على صناديق الاقتراع وبطاقات التصويت وسيتصاعد لهيبها في حال استكمال انفجارها..
لقد غلّب دونالد ترامب منطق القوة على قوة المنطق، وتعامل مع الشأن الأمريكي الداخلي والشأن الدولي بنفس أسلوب «رعاة البقر»، معتقدا أن المال والعقوبات الاقتصادية والتصرّف في مصائر البشر يسير، والطريق مفتوحة امامه لتثبيت هيمنة القطب الواحد، بل الرجل الواحد على القرار الوطني والاقليمي والدولي.
في المحصلة، فقد الجمهوريون السيطرة على الكونغرس بغرفتيه، وتراجعت قدرة ترامب على تمرير قوانينه وبرنامجه السياسي، والأهم من ذلك تعزيز قدرة الديمقراطيين على مراقبة إدارة ساكن البيت الأبيض وفتح التحقيقات البرلمانية وهو ما يعني دخول الولايات المتحدة مرحلة من التجاذب السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس من السابق لأوانه التكهن بمآلاته وبمصير ترامب نفسه فزلزال نتائج الانتخابات النصفية طال الكونغرس لكنه سيتوقف عند حدود «الإدارة الأمريكية» أو ما يعبر عنه في بعض القراءات بـ«السيستام» أو حتى بالدولة العميقة.
ويبقى السؤال مطروحا في الساحة الدولية حول ارتدادات هذا الزلزال «الديمقراطي» وكيفية التعامل في المرحلة المقبلة مع طهران وبيروت ورام الله وكييف وموسكو وغيرها من العواصم المشتبكة مع ترامب.
أما بخصوص صعود نواب «ديمقراطيين» من أصول عربية أو افريقية أو من السكان الأصليين أو من أصحاب ديانات غير المسيحية ومعتنقي فكر غير الصهيونية، فإن ولاءهم لأمريكا القوة العظمى في العالم ليس محل نقاش، قد ينتصرون لجوانب من إنسانية الانسان ويترفعون عن الانتهاكات التي ميزت حقبة الجمهوريين لكن في المربع الذي ترسمه الادارة الامريكية ولأصحاب الذاكرة الضعيفة، نستحضر تجربة الديمقراطيين مع باراك أوباما ذي الأصول الافريقية الذي خطب في أزهر القاهرة وتعهد بغلق معتقل غوانتانامو الذي لا يزال مفتوحا إلى اليوم، فلننتظر ونشاهد.

