الأندية تستغيث والتلفزة لا يمكنها تقديم الأكثر حـقـوق الـبـــث فـــي حـــاجــة إلى مقاربة مختلفة
شارك هذا المقال
أعاد النادي الإفريقي بقوة، ملف البث التلفزيوني لمباريات كرة القدم في تونس بعدما أصرّ مجدداً على نقل مقابلته ضد مازيمبي الكونغولي عبر منصاته الخاصة مستغنياً هذه المرة عن خدمات التلفزة التونسية. ولم تكن هذه المناسبة الأولى التي يلجأ خلالها النادي الإفريقي إلى طريقته الخاصة من أجل بثّ مباريات ملك حقوقها حصرياً فقد اختار في عام 2018 اتباع هذه السياسة في نقل مقابلته ضد الأهلي المصري في الدور التمهيدي الأخير من كأس الكونفيدرالية الإفريقية، كما أن النادي الإفريقي خلال الدور السابق من هذه النسخة اختار أيضا نقل مقابلته ضد الملعب المالي عبر تطبيق خاص به.
وبعيداً عن فاعلية الحلول التي قدمها الإفريقي، فإن حقوق النقل التلفزي مقبلة على تحولات كبيرة مستقبلاً قد تُنهي سيطرة التلفزة الوطنية على مختلف المسابقات أو تدفع المرفق العمومي إلى اعتماد مقاربة جديدة في هذا الإطار لتفادي خسارة “السوق التونسية” التي كانت حكراً عليها خلال السنوات الماضية رغم بعض الهزات، ذلك أن ما حصل بين التلفزة الوطنية والنادي الإفريقي، سبقته واقعة مشابهة في عام 2016، مع الجامعة التونسية لكرة القدم بشأن نقل مقابلة ودية مع المنتخب الموريتاني في قابس.
وتتمتع كرة القدم بوضع خاص في المشهد العام في تونس، خاصة من الجانب الاجتماعي باعتبار أن الأمر يتجاوز النشاط الرياضي العادي بل هي مسألة اجتماعية لارتباط الجماهير بالأندية بشكل كبير بلغ ذروة الهوس الذي يتطلب معه تعاملاً مختلفاً خاصة وأن عديد المحطات السابقة كشفت أن كرة القدم يمكنها أن تؤثر في السلم الاجتماعي.
كما أن المواطن التونسي، يعتبر أن نقل مباريات الأندية حق مكتسب، ومسألة لا تقبل التفاوض باعتبار الفكرة المسيطرة بشأن تمويل ميزانية التلفزة التونسية من قبل المواطنين وبالتالي، فإن عدم نقل المباريات يعتبر حرماناً للمواطن من أبسط حقوقه ولكن دون مراعاة للتطورات التي تحصل في المشهد وخاضة الكلفة المرتفعة لنقل المباريات أو الحصول على حقوق البث.
تطور عالمي
تتنوع طرق توزيع عائدات حقوق البث التلفزيوني في العالم من بطولة إلى أخرى، فإن النسبة تحدد حسب ترتيب الأندية وهو المنطق المعتمد رغم أن الوضع مثلا في إسبانيا مختلف قليلا بحكم أن ثلاثة أندية تحصل على نسبة هامة من الحقوق. وبعيداً عن البطولات التي تشهد أرقاما فلكية وتنافساً كبيرا فإن الوضع في تونس مختلف، بما أن التلفزة الوطنية هي الوحيدة القادرة على تأمين نقل مقابلات البطولة الوطنية ولا تجد منافسة في ذلك، ولكنها لا تحقق مكاسب مالية من نقل المباريات ومنطقياً فهي لا تعطي حجم الإنفاق بين كلفة الإنتاج وحقوق البث باعتبار ضعف موارد الإشهار ومجانية البث إضافة إلى أنها غير قادرة على استغلال المباريات عبر المنصات الرقمية بما أن منصة الديوان سبور هي التي تملك الحقوق.
ولهذا رفضت التلفزة دفع مقابل مالي إلى النادي الإفريقي مقابل نقل مقابلة مازيمبي لاعتبارين، الأول أنها يجب أن تتصرف بمثل هذه الطريقة مع كل الفرق التونسية التي تخوض مسابقات دولية، وثانيا لأن المبلغ حسب التسريبات يعتبر مشطاً ويفوق قدرات التلفزة وبالتالي كان واضحاً أن التلفزة لن توافق على أي عرض يستوجب دفع مقابل مالي نظير نقل المباراة.
وهذا الأمر قد يتكرر في المواسم المقبلة، فالتلفرة تعودت نقل المباريات في الأدوار التمهيدية دون دفع مقابل مالي بل تقوم في بعض المناسبات باتفاق تبادل مع دول أخرى توفر من خلالها الشارة دون مقابل مالي وتحصل بدورها على الخدمة نفسها، على أن توفر مجانية تصوير المباريات في تونس في بقية الأدوار التي تملك حقوق بثها حصرياً شبكة بي إن سبورتس، ولكن الأمر يندرج ضمن العرف الذي يتكرر وليس حقاً قانونياً وبالتالي كان من الطبيعي أن يحصل تصادم أمام رغبة الإفريقي في حصد مكاسب مالية لأن حقوق البث ملك الفريق حصرياً.
ويتوقع أن نشهد خلال السنوات المقبلة خطوات مشابهة من قبل الأندية التي تملك حقوق المباريات ذلك أن تجربة النادي الإفريقي مغرية نسبياً بما أن الجماهير أقبلت على متابعة المباراة بعدما ساهمت في تأمين حقوق البث وبالتالي كان الجميع مستفيداً فقد نقلت المقابلة على صفحة الفريق على فايسبوك ويوتوب وضمنت تغطية نسبة هامة جداً من جماهير النادي، وهي نسبة لا تقارن بما يمكن أن تقدمه التلفزة بلا شك ولكن هناك تطور مثير في هذا الملف سيكون نقطة تحول مهمة في المستقبل.
تصور مختلف
الخطوة التي أقدم عليها النادي الإفريقي ستدفع الفرق إلى دراسة مقترحات جديدة، ولكن أيضا ستحفز التلفزة إلى البحث عن اليات جديدة لتحول نقل المباريات إلى آلية لتوفير عائدات إضافية وتغطية النفقات، لأن حقوق البث تُعتبر مساهمة من الدولة في دعم موارد الفرق، لأن المبالغ التي يتم إنفاقها لا تعكس فعلياً مستوى البطولة وهو أمر يدركه الجميع بما أن معظم المباريات يتمّ نقلها دون تأمين أية مساحة إعلانية من قبل الشركات بحكم ضعف المتابعة وعدم امتلاك الأندية قاعدة جماهيرية تحفز الشركات على الإعلان.
وفي هذا الإطار فإن التلفزة قد تلجأ إلى استغلال حقوقها عبر تغيير مواعيد المباريات لأن برمجة المباريات في الساعة الثانية ظهراً لا يضمن متابعة جماهيرية كبيرة، كما أنها قد تلجأ إلى عقود شراكة مع الشركات القوية لتأمين عائدات أفضل على مستوى الإشهار بما أنه السبيل الوحيد من أجل ضمان عائدات مالية طالما أنه لا يمكن تحويل المرفق العمومي إلى مؤسسة خاصة بالمشتركين، ومن شبه المستحيل قبول فكرة بيع حقوق البث إلى مؤسسات تعتمد نظام الدفع مقابل المشاهدة الذي يسيطر على المشهد في الدول الأوروبية أساساً والمتعارف عليه بـ”pay per view”.
ومن الصعب توقع بروز مؤسسة إعلامية تونسية خاصة، قادرة على تأمين مبالغ مالية مثل التي توفرها التلفزة الوطنية الشريك التاريخي للرياضة التونسية، والتجارب الماضية تؤكد أنه من الصعب الوثوق في القنوات الخاصة التي لم تحافظ على استقرارها المالي وبالتالي واجهت صعوبات كبيرة لاحترام التعاقدات مع الجامعة التونسية لكرة القدم ودخلت في صراعات قضائية بسبب عدم خلاص المستحقات رغم عمليات التقسيط وغيرها من الخطوات من أجل تفادي التصعيد.
الفرق والقنوات الخاصة
لا يمكن للأندية التحرك جماعياً، لأن بيع حقوق البطولة الوطنية والكأس، يتم تفويضه إلى الجامعة وبالتالي يجب حصول اتفاق بين 16 نادياً حتى يتم تعديل الوضع الحالي وهو أمر شبه مستحيل لأن القاعدة الجماهيرية للأندية مختلفة وبالتالي فإن مقابلات البطولة لن تعرف تعديلات في السنوات المقبلة طالما أن المشهد التلفزي في تونس لا يشهد تحولاً قياساً ببقية الدول العربية الأخرى. في الأثناء فإن الأندية التي تشارك قارياً قد تلجأ إلى خيارات عديدة منها القنوات الخاصة بكل فريق مثل الأهلي المصري الذي بثّ مباراته في المسابقة الإفريقية عبر قناته الخاصة وبالتالي حقق مكاسب مالية وضمن لجماهيره الكبيرة متابعة اللقاء.
كما أن الاتفاق مع المنصات قد يضمن مكاسب مالية إضافية للفرق، خاصة وأن هناك توجه داخل الفرق القوية على إنشاء تطبيقة خاصة بكل فريق ستساعد بلا شك على حصد مكاسب مالية أمام هيمنة الهواتف الذكية التي أصبحت تنافس القنوات التلفزيونية. فمن الواضح أن الخطوة التي قامت بها إدارة النادي الإفريقي ستكون منعرجاً حاسماً في هذا الملف وقد نشهد تطورات مثيرة في كل ما يتعلق بحقوق البث التي تكون ملك الأندية حصرياً.
كما أن مفاوضات تجديد عقد الشراكة بين الجامعة والتلفزة بشأن حقوق نقل المباريات في السنوات المقبلة قد يشهد تطوراً بما أن الأندية ستحاول حصد مكاسب جديدة ورفع قيمة العرض المقدم، رغم أنه يعتبر مهماً بالنسبة إلى ميزانية المرفق العمومي إضافة إلى أن التلفزة لم تعد تنقل المقابلات حصرياً في السنوات الأخيرة بما أن قناة الكأس القطرية تنقل 26 مقابلة من البطولة إضافة إلى منصة الديوان سبور التي تنقل كل المقابلات عبر المنصات الرقمية، وبالتالي قد نعود إلى التجربة السابقة التي شهدت بيع مباريات البطولة بنظام الحزم وهي تجربة مرتبطة ببروز قطب إعلامي جديد قادر على المنافسة وتقديم محتوى مختلف وخاصة يشعل المنافسة على حقوق البث ما سيساعد على رفع قيمة العروض المالية وتحسين مداخيل الأندية التونسية.
