التشغيل أولوية وطنية..
شارك هذا المقال
لا يختلف إثنان اليوم أن التشغيل في تونس أصبح أولوية وطنية قصوى وتحدّيا مستمرا، حيث تهدف السياسات العامة إلى خفض معدلات البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات العليا، وتطوير آليات الانتصاب للحساب الخاص وبعث المشاريع، خصوصا وان أزمة البطالة متواصلة، فخلال العقود الثلاثة الماضية تضاعف عدد الخريجين وتزايد بسرعة كبيرة دون أن يواكبه اقتصاد قادر على خلق مواطن شغل كافية ومناسبة،وارتبط النمو بقطاعات تعتمد على يد عاملة غير مختصة، فيما ظلت الاختصاصات الجامعية مفصولة عن حاجيات السوق ،وزاد تباطؤ الاستثمار وتفاوت التنمية بين الجهات.
وفي هذا السياق أعلن وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ مؤخرا عن برمجة 32 ألف موطن شغل في الوظيفة العمومية خلال السنة القادمة ،كما كشف خلال جلسة الاستماع له حول مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 صلب لجنتي المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، أن مواطن الشغل المبرمجة في إطار قانون مالية 2027 ستكون موزّعة بين انتدابات جديدة وتسوية وضعيات.
وعلى امتداد العشرية التي أعقبت 2011، تغيّر الخطاب ولم يتغير الحال ، فقد تعاقبت الحكومات وظلت ترفع شعار التشغيل، لكنها واجهته غالبا بالوعود المؤجلة، وبالتعلّل بضيق الميزانية وبشروط المقرضين الدوليين، وبحلول ظرفية لا ترقى إلى حجم المشكلة، على غرار البرامج الهشة والعقود قصيرة المدى وغيرهما.
وبعد 25 جويلية 2021، اتجهت الدولة إلى معالجة الملفات المؤجلة بدل الاكتفاء بإدارتها، ومنها ملف التشغيل. و انكبّت الحكومات الجديدة على محاولة نقل النقاش من الشعارات إلى الإجراءات وهو ما حدث من خلال تسوية وضعيات العاملين في الحضائر والعقود الهشة وإنهاء العمل بنظام المناولة، وإقرار نصوص قانونية لفائدة حاملي الشهائد العليا ممّن طالت بطالتهم، وفتح أبواب الانتداب في قطاعات حيوية مثل التربية والصحة وغيرهما إلى جانب ذلك تم القيام بخطوات عملية لحل المشكلة كلها في إطار تشريعي و اقتصادي جديد يقوم على رؤية جديدة تشجع على خلق الثروة والمبادرات الخاصة.
ومن بين ملامح هذا التوجه الإصلاحي الشامل ما تترجمه أرقام مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 الذي يتضمن برمجة 32 ألفا و557 خطة انتداب، منها 26 ألفا و894 خطة موزعة على الوزارات والقطاعات، و5 آلاف و663 خطة لتسوية وضعية دفعة جديدة من أعوان الحضائر الذين تجاوزت أعمارهم 45 سنة وهي الفئة التي عملت لسنوات في وضعية غير مستقرة وظلت تنتظر الإنصاف والاعتراف بها.
وفي قراءة أولية، تتصدر وزارة التربية قائمة الانتدابات بـ5855 خطة، تليها وزارة الداخلية بـ4736، فوزارة الصحة بـ4000، ثم وزارة الدفاع الوطني بـ3704 وفي ذلك دلالة على أن تركيز الدولة منصبّ على القطاعات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين من تعليم و علاج وأمن ويعكس هذا التوجه عودة إلى فكرة قديمة مفادها أن الوظيفة العمومية ركيزة لخدمة الناس، وليست مجرد وسيلة لامتصاص البطالة.
من جهة أخرى، وحسب ما تضمنه مشروع الميزانية فإن لهذه الانتدابات كلفتها إذ أن نفقات التأجير يُتوقع أن ترتفع من 25.267 مليار دينار في 2026 إلى 27.349 مليار دينار في 2027، بزيادة قدرها 2.082 مليار دينار، وهو ما يدلّ على أن الدولة مستعدة لتحمل عبء مالي إضافي مقابل توسيع دائرة التشغيل.
ونرى أن هذا التمشي وتوجّه الدولة بحرص من أعلى هرم السلطة على معالجة أزمة البطالة وفتح باب الانتدابات من جديد وخلق فرص أوسع للتشغيل سيمكّن من تراجع نسبة البطالة وهو ما تؤكده بعض المؤشرات في الأشهر الأخيرة ويوحي ببوادر انفراج تحتاج إلى المثابرة والعمل على مواصلة بذل الجهود من أجل الحد منها ،وقد أظهرت التجربة أن الإرادة السياسية متى توفرت و صاحبها العمل المخلص لا تعرف المستحيل وهو ما تشير إليه الأرقام المعلنة و التي من شأنها أن تجعل من سنة 2027 نقطة تحوّل فعلية لإحداث نقلة نوعية على طريق حلّ هذا الملف الحارق و بوابة لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وبارقة أمل للشباب لتحقيق آمالهم وطموحاتهم.
