الدبلوماسية التنموية في خدمة المشاريع الإستراتيجية
شارك هذا المقال
تكتسي جلسات مناقشة مشروع ميزانية الدولة والميزان الاقتصادي دوريا كل عام أهمية بالغة فهي علاوة على إبراز التسيير الطبيعي لدواليب الدولة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تحت أنظار السلطة القضائية، وإظهار جهود نواب الشعب واجتهاداتهم، تمثّل مناسبة للوقوف على السياسات العامة والخيارات الاستراتيجية لمنظومة الحكم سواء في ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية كلها أو الأوضاع الاقتصادية والتوجهات الثقافية والتعليمية دون أن ننسى الدبلوماسية التي هي الوسيلة التي تعتمدها الدول لإدارة علاقاتها الخارجية والدفاع عن مصالحها وبناء علاقات التعاون والتفاهم مع الدول والمنظمات الدولية.
في هذا الإطار شكّل حضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج في الجلسات المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم لمناقشة مشروع ميزانية الدولة والميزان الاقتصادي لعام 2027 خلال الأسبوع الجاري فرصة لتوضيح المقاربة الرسمية اليوم لبلادنا في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
وللمرة الأولى تقريبا، يتحدث الوزير بإطناب عن الدبلوماسية التنموية باعتبارها أداة أساسية لتوظيف علاقات تونس الدولية وشراكاتها الخارجية في خدمة أولويات التنمية الوطنية وتعبئة التمويلات والخبرات اللازمة لإنجاز المشاريع الاستراتيجية، فيما كان الحديث سابقا عن الدبلوماسية الاقتصادية بالأساس.
والدبلوماسية كما هو معلوم، هي الوسيلة التي تعتمدها الدول لإدارة علاقاتها الخارجية والدفاع عن مصالحها وبناء علاقات التعاون والتفاهم مع الدول والمنظمات الدولية وقد تطورت لتشمل مجالات متعددة من أبرزها الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية الاقتصادية بطبيعة الحال والدبلوماسية التنموية كما أسلفنا الى جانب الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الشعبية والدبلوماسية البرلمانية وحتى الدبلوماسية العلمية والدبلوماسية الرقمية والدبلوماسية الإنسانية والدبلوماسية البيئية..
ويظهر هذا التصنيف ثراء الدبلوماسية التي يمكن اعتبارها من هذا المنظور من أقوى الأسلحة بأيدي الدول وهي ليست حكرا على جهة أو طرف بعينه بقدر ما هي عمل مشترك ومتكامل بين جميع الفاعلين في المجتمع.
أكثر من ذلك، يمكن تصنيف الدبلوماسية حسب طبيعة العلاقات، ثنائية كانت أو متعددة الأطراف، إقليمية أو دولية، وثمةّ دبلوماسية القمم والمؤتمرات، وهناك حديث حتى عن الدبلوماسية الوقائية ودبلوماسية الوساطات والدبلوماسية السرية..
إن تعدد التصنيفات المفهومية يوفر للجهة القائمة على الدبلوماسية والعلاقات الخارجية أدوات عدّة تستعمل وفق السياقات والتطورات والقدرات وطبيعة السلطة بطبيعة الحال.
فبين الدبلوماسية الناعمة والدبلوماسية الصلبة على سبيل المثال، أو الدبلوماسية الذكية والدبلوماسية العامة والدبلوماسية الموازية، بمقدور وزارة الشؤون الخارجية وشبكة سفاراتها وقنصلياتها ومجمل بعثاتها التقدم في تحقيق الخيارات الكبرى لبلادنا والمرتبطة بالتنمية التي بسببها انتفض التونسيون وتغيّرت منظومات الحكم دون بلوغ النتائج المرجوة.
ويكشف العرض الذي قدمه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسين بالخارج اجتهادا للإستفادة من أسلحة وأدوات الدبلوماسية المختلفة آنفة الذكر بهدف تعزيز التنسيق مع مختلف الدول والمؤسسات الدولية والمالية للوصول إلى الهدف الأكبر وهو دعم المشاريع الوطنية وتطوير التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف.
وطبيعي أن يكون التعاون الأوروبي سواء بصيغته الجماعية أي باسم الاتحاد الأوروبي، أو مع الدول فرادى كألمانيا أو إيطاليا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا وهولندا على سبيل المثال نموذجا لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والانتقالين الطاقي والرقمي والتنمية الجهوية والتشغيل والأمن الغذائي والموارد المائية والتطهير والتكوين والنقل والتنمية الجهوية والتشغيل والتصرف في الموارد المائية وحماية الشريط الساحلي ومقاومة التغيرات المناخية وتطوير القطاع الفلاحي..
نفس الشيء على المستوى العربي وتوظيف علاقات تونس مع الدول العربية والمؤسسات المالية العربية لدعم المشاريع الوطنية، وفي علاقة بآسيا، هناك مشاريع استراتيجية مع اليابان وكوريا والصين..
وفي تقديرنا فإن تعدّد الأقطاب في الساحة الدولية وتوسيع بلادنا لشراكاتها ونجاحها في أن تجعل الغرب والشرق يتنافسان للشراكة معها من شأنه أن يوسّع فرص نجاح الدبلوماسية التنموية في تحقيق الأهداف المنشودة.
