حديث الفنانة والسياسي: عندما تُستباح مهنة الصحافة…
شارك هذا المقال
حين يصبح الدفاع عن الاختصاص تهمة، لا تكون الصحافة وحدها هي المستهدفة، بل فكرة الكفاءة المهنية ذاتها. وحين تُختزل المهن في مجرد حضور أمام الكاميرا أو الميكروفون، يصبح السؤال الملحّ: أي إعلام نريد، وأي قيمة نمنحها للمعرفة والخبرة والمسؤولية؟
تراودنا هذه الأفكار وتلح علينا هذه الأسئلة ونحن نرى ان مهنة الصحافة اصبح مرتعا لكل من هب ودب وليس هذا فحسب بل ان من اقتحموا مجال العمل الصحفي او لنقل الإعلامي اذا ارتأينا الدقة اصبحوا يقدمون الفتاوى في المهنة نفسها ويقيمون أصحابها الأصليين ويسمحون لأنفسهم بالتجاوز في حقهم وفي حق صحابة الجلالة.
ومعلوم أنه ثمة فارق شاسع بين حرية التعبير والتجاوز وبين الحق في إبداء الرأي والادعاء بأن المعرفة الاكاديمية المتخصصة فكرة بالية ينبغي التخلص منها.
ومن المستهجن أن يتحول النقاش بشأن مهنة الصحافة إلى مناسبة لإطلاق الأحكام الجاهزة، واعتبار الدفاع عن التخصص المهني من قبل البعض “تخلفا ”
وكأن الدراسة والتكوين الاكاديمية وممارسة المهنة والالتزام باخلاقياتها هو بمثابة ” السبّة ” او مثار السخرية كما ورد في احد البرامج الاذاعية .
ففي حديث جمع فنانة وسياسي يعملان ضمن فريق برنامج إذاعي بصفة معلقين، طُرحت مسألة دخول غير المختصين إلى المجال الصحفي، فكان الرد، وفق ما نُقل عن هذا النقاش، وصف الصحفيين الذين يدعون إلى التخصص ويرفضون الدخلاء بأنهم «متخلفون»، في موقف حظي بمساندة الطرف الآخر. وهنا، لا وهنا لا يبدو الامر محض اختلاف في وجهات النظر حول طبيعة العمل الإعلامي، بل إن هذا الخطاب يكشف حالة من استخفاف بقيمة الاختصاص، ومن خلط بين الحق في التعبير والحق في ممارسة مهنة لها شروطها و ضوابطها ومسؤولياتها..
من المفارقات العجيبة أن يأتي هذا الانتقاص من التخصص في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى الخبرة والمعرفة الدقيقة، وتتسع فيه مسؤولية الإعلام في التثبت من المعلومات، وفهم السياقات، ومساءلة أصحاب القرار، والتمييز بين الوقائع والانطباعات. فهل يُعقل أن يُطلب من الطبيب أن يمتلك تكوينا علميا قبل ممارسة الطب، ومن المهندس أن يكون مؤهلا لمزاولة اختصاصه، ثم يُنظر إلى الصحافة باعتبارها مهنة مفتوحة لكل من امتلك القدرة على الكلام والحضور أمام الميكروفون؟
وبهذا المعنى تصبح الصحافة في نظر هؤلاء بمثابة السفسطة امام الميكرفون او الكاميرا وابداء الآراء في كل الأحداث، والتعبير عن الانطباعات الشخصية، بحثا عن الشهرية وركضا خلف بريق الأضواء بأي ثمن ولو على حساب فئة كبيرة من أبناء التخصص الذين يبحثون عن مكان لهم في دائرة الضوء ولا يجدون اليها سبيلا باعتبار ان تخصصات أخرى سطت على صاحبة الجلالة.
ومن المعيب ان يغفل هؤلاء على حقائق مهمة مفادها ان الصحافة ممارسة مهنية تقوم على البحث والتحقق والتحليل والمساءلة، وتتطلب معرفة بقواعد التحرير وأخلاقيات العمل الصحفي وحقوق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة..
وعندنا نقول هذا الكلام فنحن لا نعني قطعا احتكار الفضاء الإعلامي أو مصادرة حق الفنان أو السياسي أو الخبير في التعبير عن رأيه، بل يعني التمييز بين المشاركة في النقاش العام وممارسة الصحافة باعتبارها اختصاصا مهنيا. فمن حق الفنان أن يتحدث عن الثقافة، ومن حق السياسي أن يدافع عن خياراته أو ينتقدها، ومن حق الخبير أن يقدم معرفته في مجاله. لكن هذه الحقوق لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، ولا تجعلهم تلقائيا مؤهلين للقيام بكل الأدوار التي تتطلب تكوينا ومهارات ومسؤوليات مختلفة. والاهم من كل هذا انها لا تجعلون يحملون صفة الصحفي. .
