دفع جديد لمسارالصّلح الجزائي..
شارك هذا المقال
مثّل لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد أول أمس برئيس لجنة الصلح الجزائي علي عباس دفعا جديدا لمسار الصلح الجزائي بعد التنقيحات التي تم إدراجها في مرسوم الصلح الجزائي.
ويأتي في هذا الإطار تأكيد رئيس الدولة على أن اعتماد قدر من المرونة في إجراءات إبرام الصلح على مستوى اللجنة، قبل إحالة الملفات على مجلس الأمن القومي، لا يعني بأيّ حال من الأحوال التخلي عن المبادئ والثوابت، ولا يمثّل تنازلًا عن حقوق الشعب التونسي. فالمرونة ينبغي أن تكون وسيلة لتيسير الإجراءات وتسريع معالجة الملفات، لا مدخلًا للتساهل أو الالتفاف على الأهداف المرسومة.
وتعتبر آلية الصلح الجزائي خيارا استراتيجيا اعتمدته تونس تهدف أساسا إلى استرجاع الأموال المنهوبة وتوظيفها في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وليس الزّج بالأشخاص المعنيين في السجون بقدر ما هي إعادة توظيف تلك الأموال لفائدة الدولة والمجتمع.
ولإدخال مزيد من النجاعة على المرسوم الصادر في20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته التوظيف الأمثل تم تنقيح المرسوم في مناسبتين سنتي 2024 و2026 وقد انعكست هذه التنقيحات على تركيبة اللجنة الوطنية للصلح الجزائي وعلى متابعتها للملفات التي ينتظر أن تحسم فيها اللجنة في أقصر الآجال لتتمكن من توجيه الأموال المتأتية من الصلح الجزائي نحو المشاريع التنموية في الجهات الأكثر حاجة لهذه المشاريع.
ويهدف العمل بهذا المرسوم منذ إصداره سنة 2022 إلى إستبدال العقاب الجزائي بتسوية مالية أو إنجاز مشاريع تنموية لفائدة الصالح العام، وهو ما من شأنه أن يترتب عنه التنفيذ النهائي لانقضاء الدعوى العمومية.
ومن هذه الزاوية ينظر للصلح كآلية عملية لتخفيف عجز الموازنة وتوفير موارد مالية ذاتية للدولة في ظل صعوبات تعبئة القروض الخارجية خاصة وأنه حسب التوقعات والدراسات الأولية للملفات يرجح إمكانية استرجاع مبالغ ضخمة قُدرت بـ 13.5 مليار دينار، غير أن الحصيلة الفعلية المعبأة ظلت دون المأمول وواجهت بطءا إجرائياً؛ مما دفع رئيس الجمهورية قيس سعيّد، إلى إدخال تعديلات تشريعية مرنة لتسريع نسق معالجة الملفات واسترداد الحقوق دون تساهل والتعامل مع مسألة الصلح الجزائي على أنها استبدال للدعوى العمومية أو ما ترتب عنها من تتبعات أو محاكمات أو عقوبات بتسوية مالية أو إنجاز مشاريع من خلال توحيد مسار استرداد الأموال والاعتداءات على المال العام وإعادتها إلى خزينة الدولة والمجموعة الوطنية وبالتالي الانتقال من مفهوم العقاب الزجري البحت إلى جبر الضرر المالي وإصلاح الأضرار التي لحقت بالدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية.
ومن أجل حسن توظيف العائدات المالية لهذه الآلية القانونية يقوم المرسوم في تصوره العام على توجيه عائدات الصلح المالي لإنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية، وخاصة في الجهات الأكثر فقراً واحتياجاً مقابل تسوية الوضعية القانونية للمتورطين في الجرائم الاقتصادية والمالية وإعادة إدماجهم في النسيج الاقتصادي والاجتماعي على قاعدة النزاهة والشفافية مع إنهاء النزاعات المالية والاقتصادية وطيّ صفحة القضايا العالقة بما يعيد الثقة في حماية المال العام.
ومن هذا المنطلق يأتي تأكيد رئيس الدولة في لقائه برئيس لجنة الصلح الجزائي على أنه لا تهاون ولا تفريط في أي مليم من الأموال المستحقة للمجموعة الوطنية، وأن الأبواب تظل مفتوحة لمن يرغب في تسوية وضعيته، مع تذكير بأن حقوق الشعب لا تسقط بالتقادم سواء كانت داخل البلاد أو خارجها.
