في ذكرى رحيله : أبو القاسم الشابي عمر قصير وقصيدة لا تفنى
شارك هذا المقال
في مثل هذا اليوم رحل شاعرنا الخالد ابي القاسم الشابي وفي التاسع من أكتوبر تستعيد الذاكرة الجماعية تجربة إنسانية فذة ومشروعا شعريا متفردا.
في مثل هذا اليوم من عام 1934، أغمض أبو القاسم الشابي عينيه الى الابد وهو لا يزال في ريعان الشباب، تاركا خلفه قصائد لا تزال تنبض بالحياة كأن صاحبها لم يرحل .
إرادة الحياة ، نشيد الجبار ، تونس الجميلة ، الى طغاة العالم ، صلوات في هيكل الحب ، الجنة الضائعة كلها قصائد ترجمت الى اغلب اللغات وجالت العالم وصنعت خلود الشابي.
رحل الشابي في الخامسة والعشرين من عمره، بعد رحلة قاسية مع المرض، لكنه ترك في الشعر العربي ما لم تستطع سنوات العمر الطويلة أن تمنحه لكثيرين. وهو الذي جاء الدنيا ورحل على عجل كأنه أراد ليقول لنا شيئا مهما ، ثم يمضي ويترك لنا مهمة الإصغاء إلى شعره كلما ضاقت بنا الحياة..
وقد وُلد أبو القاسم الشابي في قرية الشابيّة بولاية توزر يوم 24 فيفري سنة 1909، في الجنوب التونسي الذي تختزن أرضه أسرار النخيل وهدوء الواحات وامتداد الصحراء. ومن تلك البيئة التي تتجاور فيها قسوة الطبيعة وفتنتها، خرج شاعر يحمل في روحه حساسية استثنائية تجاه الجمال والألم، ويبحث في الكلمات عن نافذة تطل على عالم أكثر حرية وإنسانية.
ولم تكن طفولته ولا شبابه طريقًا مفروشًة بالطمأنينة والهدوء . فقد رافقه المرض، وعرف مبكرًا مرارة الفقد، ورأى أحلامه تصطدم بحدود الجسد والواقع. غير أن تلك التجارب لم تطفئ في داخله شعلة الشعر، بل جعلت صوته أكثر التصاقًا بالحياة، كأنما كان يكتب ليقاوم ما لا يستطيع تغييره، وليمنح الألم معنى يتجاوز حدود صاحبه.
كان الشابي شاعرًا رومانسيًا في إحساسه بالطبيعة، ثائرًا في نظرته إلى القيود، ومتمردًا على كل ما ينتقص من كرامة الإنسان. أحب الجمال لا بوصفه زينة عابرة، بل بوصفه حاجةً للروح، ورأى في الطبيعة كتابًا مفتوحًا تتحدث صفحاته عن الحرية والحلم. في شعره، تتكلم الأزهار والغيوم والجبال والرياح، لا باعتبارها مشاهد جميلة، بل هي بمثابة شواهد على أن الحياة لا تكف عن البحث عن شكل جديد للنور والتجدد الدائم..
ولعل سر خلود الشابي أنه لم يكتب عن الأمل من موقع من امتلكوا كل أسباب السعادة، بل من موقع من عرفوا الوجع مبكرًا، واكتشفوا أن الاستسلام ليس قدرًا محتومًا. لذلك لم تكن كلماته مواعظ باردة، بل كانت خلاصة صراع داخلي عميق بين هشاشة الإنسان ورغبته في تجاوز ضعفه..


