من أجل نجاح الموسم الجديد خطوات إستباقية..فلاحية
شارك هذا المقال
الفلاحة في بلادنا ليست مجرّد نشاط اقتصادي أو مهنة بسيطة، بل هي حكاية أرضٍ طيّبة وعرق جبين وصبر جميل يتوارثه التونسيون عبر الأزمنة، ويتوارثون معه اكسير الحياة والبقاء.. هي رائحة التراب بعد المطر، وخضرة الزيتون في أغصان الشجرة المباركة، وبريق حبات «الدقلة في عراجينها»، وصفرة حبات القمح الذهبية في «مطمورة روما».. هي بركة الأرض التي تعطي من يخدمها بإخلاص.
واللافت في تونس أن تثمين الفلاحة كان ولا يزال محلّ توافق وإجماع وطني، بل هي «الحلّ» الذي تتبناه منظومات الحكم المتعاقبة وتروّج له النخب والمكونات المدنية والسياسية، ويزداد إيمان التونسيين بها رغم الصعوبات والمشكلات التي يعود بعضها للطبيعة وبعضها الآخر يتسبب فيه بنو البشر.
ورغم أن الحديث والاهتمام بالفلاحة لا ينقطع، فإنه يتضاعف ويزداد قوّة وإصرارا مع انطلاقة مواسم فلاحية بعينها كما هو الحال في هذه الفترة التي انطلق فيها الإعداد لموسم الزراعات الكبرى بالتزامن مع موسم جني الزيتون وكذلك التمور دون أن ننسى زراعة الخضروات مع اقتراب فصل الشتاء، والحاجة المتصاعدة للحوم الحمراء والبيضاء على حد سواء والحاجة أيضا للثروات البحرية بجميع أنواعها.
وفي هذا الزخم يتنزل لقاء رئيس الجمهورية عصر أول أمس الأربعاء بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، وحسب ما رشح عن هذا اللقاء فإنه بالإضافة إلى التأكيد مجدّدا على أن الفلاحة ركيزة أساسية للأمن القومي والسيادة الوطنية، يمكن الحديث عن شروط ومتطلبات تثمين هذه الفلاحة وترجمة مقولة «الفلاحة هي الحلّ» في جملة من «التدابير» العاجلة والآجلة ذات البعدين الإجرائي والإداري إن جاز القول التي يسهل في تقديرنا تحقيقها بالنظر إلى ما تزخر به تونس من الخيرات والثروات ومن الخبرات والكفاءات.
فعلى المستوى المؤسسي، لدينا مؤسسات جامعية فلاحية مختصّة رائدة في مجال اختصاصها في تونس وخارجها ولدينا دواوين فلاحية عديدة منها ديوان تربية الماشية الذي يجب أن يضع خطة عمل فورية لمعالجة النقص المسجل في الانتاج وارتفاع الأسعار، والديوان الوطني للزيت المطالب اليوم بتعزيز طاقة تخزين الزيت وترويجه وتوسيع أسواق تصديره مع التشجيع على تعليبه محليّا بما يضمن التعريف بتونس ورفع قيمته وتعزيز قدرته التنافسية في الأسواق العالمية.
ليس ذلك فحسب، يجب أن تقوم المندوبيات الجهوية للفلاحة التي تغطي كامل تراب الجمهورية بأدوارها المختلفة من ذلك تعزيز التدابير الوقائية لحماية الثروة النباتية وتكثيف اليقظة ومضاعفة الجهود لمكافحة الأمراض وتطويق المخاطر التي تهدد بعض الأشجار وأساسا أشجار الزيتون والنخيل والرمان وغيرها..
هنا مربط الفرس وجوهر الموضوع وإنجاح موسم الزراعات الكبرى وجني الزيتون والتمور والرمان كما أسلفنا، مسؤولية جسيمة تستوجب تظافر الجهود وتكامل الأدوار والقطع مع الرتابة والإرتجال والانغلاق والاكتفاء بالتهليل بنجاح هذا النشاط أو ذاك بمجرد تنفيذه كما اتفق فالتحدي اليوم مرتبط بالجودة والتطوير ودخول العالمية من بابها الكبير بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي.
إننا هنا بحاجة إلى خطوات استباقية فلاحية وإلى اتخاذ تدابير كفيلة بإنجاح كل نشاط فلاحي مهما كانت مردوديته وتحدياته لأن الأمر يتعلق في النهاية بأمن قومي.
وهنا لسنا بحاجة لخلع الأبواب المفتوحة، فالحديث عن نجاح موسم جني الزيتون لا يتطلب النجاح في جني الزيتون وعصره وتخزينه وتسويقه فقط، ولكن دعم الفلاحين وخاصة صغار الفلاحين بكل الوسائل الممكنة بما في ذلك القروض الميسرة والتعويضات والتسهيلات الإدارية والتوزيع العادل والشفاف للأسمدة ونفس الأمر ينطبق على جميع الفلاحين باختلاف منتوجاتهم.
ولأن الفلاحة لا تختزل بالزراعات فقط فإن العناية بالثروات الحيوانية وبالصيد البحري ضرورة حتمية من أجل التوازن وتأمين الأمن الغذائي المرتبط أشدّ الارتباط بالأمن الإنساني وبالسيادة الوطنية.
