نوبل للآداب : لماذا ظل التتويج عصيّا على العرب بعد نجيب محفوظ ؟
شارك هذا المقال
اسدل الستار عن اهم جائزة أدبية في العالم و التي آلت هذه السنة الى كندا إذ اختارت الأكاديمية السويدية ان تمنح نوبل للآداب الى الكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون، تقديرًا لمنجزها الأدبي الذي يمزج بين الشعر والنثر، ويعيد وصل الكتابة المعاصرة بالتقاليد الكلاسيكية في أشكال إبداعية غير مألوفة. وكالعادة اثير جدل كبير في أوساط النخب العربية بهذا الخصوص وانبرى البعض يبحث عن السيرة الذاتية لهذه الكاتبة وعما ترجم لها الى العربية للاطلاع عليه في حين اكتفى البعض الاخر بالقول انه لا يعرفها. كما ان هناك طيف واسع من الكتاب لم يخف صدمته من عدم تتويج الأدب العربي بهذه الجائزة المهمة.
وهكذا اختار نوبل صاحبتها و بقيت الأسماء العربية التي تحضر باستمرار في التكهنات الثقافية خارج دائرة التتويج، وفي مقدمتها الشاعر السوري أدونيس، أحد أبرز وجوه الحداثة الشعرية العربية. والذي ظل لعقود يترشح لها كل سنة من قبل بعض الأوساط الثقافية التي تعتبره جديرا بها لكنه يمر بجانبها في كل مرة. .
إذن في كل سنة في مثل هذا التوقيت تتجه أنظار العالم إلى الأكاديمية السويدية ترقّبًا لإعلان جائزة نوبل للآداب ومعها بقية الجوائز في تخصصات أخرى و يتجدّد في الأوساط الثقافية العربية سؤال قديم لا يفقد راهنيته: متى يحين دور الأدب العربي ليحضر مجددًا على منصة التتويج، بعد أن ظلّ اسم نجيب محفوظ، منذ عام 1988، الاستثناء العربي الوحيد في سجلّ هذه الجائزة؟
ولعل تكرار السؤال مثل ترشيح أدونيس في كل سنة يعبّر عن توق عربي إلى اعتراف دولي أوسع بأدب يمتلك تاريخًا طويلًا من الابتكار والتجريب، ويطرح أسئلة الإنسان والحرية والهوية والوجود..
وحين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب سنة 1988، لم يكن الحدث تكريمًا لروائي مصري فحسب، بل كان لحظة فارقة في حضور الأدب العربي على خريطة الأدب العالمي. فقد استطاع محفوظ، عبر عوالمه الروائية المحلية جدا التي استلهمت الحارة المصرية وحوّلت تفاصيلها اليومية إلى أسئلة كبرى عن السلطة والمجتمع والتحولات الإنسانية، أن يمنح التجربة الخصوصية أبعادًا كونية.
ومع ذلك لم يكن وحده الذي يستحق هذه الجائزة المهمة فقد كان يوسف ادريس كاتبا عملاقا خاصة في القصة القصيرة كما كان محمود درويش قامة شعرية فذة وحاملا لهموم وقضية عادلة ومع ذلك لم يحظيا بها وغيرهم كثير.
وعلى امتداد ما يقارب أربعة عقود، ظل محفوظ الكاتب العربي الوحيد الذي نال الجائزة، وهو ما يطرح تساؤلات عن آليات انتقال الأدب العربي إلى فضاء القراءة العالمية، وعن طبيعة العلاقة بين القيمة الإبداعية والاعتراف المؤسسي الدولي..
فالأدب العربي لا يفتقر إلى الأسماء الوازنة أو التجارب المتنوعة؛ من الرواية إلى الشعر، ومن الكتابة التاريخية إلى التجريب السردي، هناك منجزات تستحق القراءة والنقد والترجمة، وهناك كتّاب استطاعوا بناء عوالم فنية عميقة، وإن لم يبلغوا منصة نوبل
هنا قد يكون من الهيّن اختزال المسألة في فكرة إقصاء الأدب العربي أو انحياز الجوائز الكبرى إلى ثقافات بعينها، لكنّ مثل هذه الأحكام تحتاج إلى أدلة دقيقة، ولا تكفي نتيجة الجائزة وحدها لإثباتها. فجائزة نوبل ليست تصنيفًا نهائيًا للأدب العالمي، ولا تمثل قائمة الفائزين فيها حصرًا للكتّاب الأكثر قيمة أو تأثيرًا.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه انتقال الأدب العربي إلى القراء بلغات أخرى. فالترجمة الأدبية ليست مجرد نقل للكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي عملية ثقافية تتطلب مترجمين متمكنين، وناشرين قادرين على التسويق والتوزيع، ونقدًا أدبيًا يعرّف بالتجارب الجديدة، ومؤسسات ثقافية تتابع مسارات الكتّاب على المدى الطويل.
كما أنّ الحضور العالمي لا يُبنى في موسم الجوائز وحده، ولا يبدأ حين تتداول الصحف اسم كاتب عربي بوصفه مرشحًا محتملًا بل هو حصيلة عمل تراكمي يتيح للأدب أن يُقرأ ويُناقش ويُترجم، وأن يدخل في حوار مستمر مع الآداب الأخرى، بعيدًا عن الاكتفاء بالاحتفاء المحلي أو انتظار الاعتراف الخارجي..


