جريمة جبل الجلود تفتح ملف العنف ضد المرأة : مجتمع صامت وحماية غائبة…
شارك هذا المقال
الجريمة الوحشية التي استفاقت عليها منطقة جبل الجلود مجرّد هي واقعة قتل معلن تُضاف إلى سجل الجرائم التي تهزّ الرأي العام في بلادنا والضحية ميسم اسم اخر يضاف الى قوائم النساء اللواتي قتلن على يد ازواجهن.
وهي مأساة إنسانية بكل ما تختزله الكلمات من المعاني ودلالاتها تتجاوز التفاصيل الموجعة للجريمة نفسها لتكون وصما على جبين المجتمع بأسره.
فهذه الزوجة الشابة التي لم يتجاوز عمرها الثانية والعشرين، وأم لثلاثة أطفال، انتهت حياتها بشكل غادر على يد زوجها الذي يفترض ان يكون امانا وسكنا لها وهذا يجعلنا نواجه أسئلة ثقيلة عن معنى الحماية والمسؤولية بل عن مفهوم الزواج من الأساس. .
فهذه الشابّة التي لايزال اترابها يؤسسون احلامهم ، خاضت في بضعة سنوات تجارب وتحديات صعبة من زواج مبكر وانجاب في سن مبكرة في ظل حياة زوجة قاسية وعنيفة مع فقدان تام للأمان والسند حتى انتهت حياتها في لحظة نتيجة للعنف الزوجي.
ولم يكن هذا العنف وليد لحظة بل سبق أن تم تعنيفها من قبل هذا الزوج الذي تشير المعطيات إلى أن له سوابق عدلية، كما أنه متورط في ترويج المخدرات وفي ممارسة العنف والسرقة والاغتصاب.
وهنا لا يصبح السؤال مقتصراً على بشاعة الجريمة، بل يمتد إلى ما سبقها: كيف يمكن أن تتكرر الاعتداءات على امرأة، وأن تظل حياتها مهددة، إلى أن يصبح خبر مقتلها واقعاً لا يمكن تداركه؟
إن أخطر ما تكشفه هذه المأساة ليس فقط وحشية الفعل الإجرامي، وإنما احتمال أن تكون هناك إشارات إنذار سبقت النهاية، وأن تكون معاناة الضحية معروفة في محيطها، فيما لم تنجح منظومة الحماية في وضع حد للعنف الذي تعرضت له.
فالعنف الأسري لا يبدأ بالقتل، ولا تظهر مخاطره دائماً في صورة اعتداء قاتل. إنه قد يتسلل عبر الإهانة والتهديد والترهيب والاعتداء الجسدي، ثم يتصاعد تدريجياً حين يشعر المعتدي بأن بإمكانه ممارسة سلطته على الضحية دون رادع حقيقي. وعندما لا يُواجه هذا العنف في مراحله الأولى بالجدية اللازمة، تصبح حياة الضحية رهينة سلوك المعتدي، وقد تتحول المخاوف والتحذيرات إلى مأساة دامية.
لكن من المسؤول عن حماية امرأة سبق أن تعرضت للعنف؟ ومن يتدخل حين تتحول العلاقة الزوجية إلى مصدر تهديد للحياة؟ وأين تنتهي حدود اعتبار ما يحدث داخل الأسرة شأناً خاصاً، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع والدولة في حماية الأفراد من الاعتداء؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفرض علينا تجاوز منطق التنديد العاطفي الذي يتصاعد عقب كل جريمة، ثم يخفت تدريجياً إلى أن تقع جريمة أخرى. فإدانة الجاني، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها، كما أن التعاطف مع عائلة الضحية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن مراجعة مسارات التبليغ والتدخل والحماية، ومدى نجاعة التعامل مع حالات العنف المتكرر، خصوصاً عندما تكون هناك مؤشرات جدية على خطورة المعتدي.
ولا يمكن أيضاً فصل هذه الجريمة عن السياق الاجتماعي الأوسع، حيث تتقاطع مظاهر العنف الأسري مع الجريمة والمخدرات والهشاشة الاجتماعية وضعف ثقافة التبليغ والتدخل المبكر. وهي عوامل لا تبرر الجريمة بأي شكل من الأشكال، ولا تنقل مسؤوليتها عن مرتكبها، لكنها تفرض التفكير في الوقاية من الظروف التي تسمح بتكرار الاعتداءات وتصاعدها.
إنها، بهذا المعنى، إدانة لا تقف عند حدود الجاني، بل تطال كل مظاهر الصمت والتطبيع مع العنف، وكل من يتعامل مع الاعتداء على النساء باعتباره خلافاً عائلياً يمكن احتواؤه داخل الجدران، وكل تقصير محتمل في حماية امرأة أعلنت، بشكل مباشر أو غير مباشر، أنها تعيش تحت التهديد.
أما الأطفال الثلاثة، فهم الوجه الأكثر إيلاماً لهذه الفاجعة. ثلاثة أطفال فقدوا أمهم في جريمة لا ذنب لهم فيها، ووجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ قد يرافقهم طويلاً. إنهم ليسوا مجرد تفصيل في خبر جنائي، بل ضحايا آخرون يحتاجون إلى الرعاية النفسية والاجتماعية والحماية، وإلى أن تتحمل المؤسسات المعنية مسؤوليتها تجاه مستقبلهم.
