مدرسة سيدي عامر تتألق في دبي : عندما يرفع ” السفراء الصغار ” راية تونس بالقراءة والتميز
شارك هذا المقال
عاد “السفراء الصغار” لتونس “رافعين الراية الوطنية ومحملين بكل معاني الفخر والتميز وهم يحصدون جائزة قيمة ضمن مسابقة تحدي القراءة. وهؤلاء ” السفراء ” هم أبناء مدرسة سيدي عامر من ولاية سليانة وهي التي زرعت فيهم شغف المطالعة وفتحت لهم نافذة على المعرفة وحرضت احلامهم الصغيرة على التحليق بأجنحة من نور.
إذن من أعماق الشمال الغربي ومن مرتفعاته الشماء ، حيث تزخر الدواخل التونسية بالطاقات الواعدة ، حملت مدرسة سيدي عامر اسم تونس ورايتها إلى دبي، لتتوج بجائزة أفضل مدرسة في التشجيع على المطالعة ضمن تحدي القراءة، في إنجاز تربوي وثقافي يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية، ليصبح علامة مضيئة في مسيرة المدرسة التونسية ورسالة أمل في قدرة التعليم على صناعة التميز مهما اشتدت التحديات..
ويأتي هذا التتويج ليضاف إلى سجل النجاحات التونسية، وليكون بمثابة اعتراف بقيمة العمل التربوي وبالدور الذي يمكن أن تضطلع به المدرسة في غرس حب المعرفة وتكوين أجيال تؤمن بأن الكتاب ليس مجرد وسيلة للتحصيل الدراسي، وإنما نافذة على العالم، وأداة لاكتشاف الذات وتوسيع المدارك وبناء الشخصية..
ورغم أننا نعيش سياقا عالميا عنوانه الأبرز الرقمنة المتسارعة مع تراجع لعادة المطالعة وتذوق لذة لدى فئات واسعة من الناشئة، إلا أن تجربة مدرسة سيدي عامر تؤكد أن الكتاب لا يزال قادراً على استقطاب الأطفال، وأن المدرسة تستطيع أن تجعل من المطالعة ممارسة محببة، لا واجباً مدرسياً مفروضاً، ومن القراءة رحلة ممتعة لا تنتهي بانتهاء الحصة الدراسية.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الإنجاز تكمن في دلالته التربوية والاجتماعية فهذه المدرسة التي ربما لا تتوفر على الكثير من المرافق والتي تقع في جهة غالبا ما صنفت بأنها غير محظوظة ماديا وتنمويا استطاعت أن تنافس وتتألق على منصة دولية، بما يؤكد أن التميز لا يرتبط بالضرورة بالإمكانات المادية أو الموقع الجغرافي، وإنما يتأسس على الرؤية والاجتهاد والإيمان برسالة التعليم، وعلى وجود إرادة تربوية قادرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى فرص حقيقية للنجاح.
كما يعيد هذا التتويج الاعتبار إلى المدرسة العمومية التونسية، التي ظلت لعقود طويلة إحدى أهم ركائز بناء المجتمع وصناعة النخب وتكريس قيم العلم والمعرفة وتكافؤ الفرص. وهي مدرسة، رغم ما تواجهه من تحديات وصعوبات، لا تزال تحتفظ برصيدها الإنساني والتربوي، ولا تزال تنتج قصص نجاح تستحق أن تُروى وأن تحظى بما تستحقه من اهتمام وتقدير.
ولا يمكن الحديث عن مثل هذه النجاحات دون التوقف عند الدور المحوري للإطار التربوي، من معلمين ومربين وإداريين، ممن يدركون أن رسالتهم لا تختزل في نقل المعارف والبرامج، بل تمتد إلى اكتشاف مواهب التلاميذ، وتحفيز فضولهم، ومرافقتهم في بناء علاقة مستدامة مع المعرفة. فخلف كل طفل يكتشف متعة القراءة، هناك غالباً مربٍّ آمن بقدرته على التعلم، وفتح أمامه أبواباً لم يكن يتصور وجودها.
كما أن هذا الإنجاز يضع أمامنا فرصة لإعادة التفكير في مكانة المطالعة داخل مؤسساتنا التعليمية، وفي ضرورة تحويلها إلى ثقافة يومية وممارسة جماعية، من خلال دعم المكتبات المدرسية، وتطوير الأنشطة الثقافية، وتشجيع المبادرات التي تجعل الطفل قارئاً شغوفاً، لا مجرد متلقٍّ للمعلومات..
والأكيد أن تونس التي راهنت تاريخياً على التعليم باعتباره أحد أهم مسارات بناء الدولة والمجتمع، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة الثقة في مدرستها، والإنصات إلى قصص نجاحها، وتثمين المبادرات التي تثبت أن الإصلاح ممكن وأن الاستثمار في الإنسان يظل الاستثمار الأكثر جدوى واستدامة.
