ملف المياه يتصدّر إهتمامات الدولة ..
شارك هذا المقال
يُعدّ الأمن المائي ركيزة أساسية وشرطا ضروريا ضامنا للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، فالماء مورد طبيعي وثروة وطنية، بل هو أصل الحياة وعماد الفلاحة والصناعة والاستقرار.
وقد كان عبر التاريخ سببا في قيام حضارات وفي اندلاع صراعات وأزمات بين الشعوب. واليوم، مع تغيّر المناخ وتوالي سنوات الجفاف، عاد الماء إلى صدارة الاهتمام في العالم كله، وبلادنا معنية أكثر من أي وقت مضى بالتدبّر في هذا الموضوع والخوض فيه والتخطيط له من أجل أن تكون في مأمن من كل المخاطر التي قد تحدق بها .
وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد أكد في أكثر من مناسبة على ضرورة العناية بالمنظومة المائية وقد أسدى تعليماته بضرورة الإسراع بوضع خطة وطنية شاملة لتجديد شبكات توزيع المياه الصالحة للشراب المهترئة للحد من الهدر و تشييد السدود بمواصفات عالمية حتى يتم تأمين حاجيات المواطن و القطاع الفلاحي.
فتاريخيا سارعت تونس إبان الاستقلال إلى اتباع سياسة مائية ناجعة انطلقت بتشييد السدود لتجميع مياه الأمطار وحماية المدن من الفيضانات، وأُنشئت الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه منذ 1968، فبلغ الماء الصالح للشراب أغلب الأسر في المدن والأرياف ، بل وكانت هذه الإنجازات في حدّ ذاتها سبقا حقيقيا بمقاييس المنطقة العربية والقارة الإفريقية.
غير أن هذه المنظومة المائية تعرضت لكثير من الإرباك نتيجة عدم التعهد و الصيانة بالمنشآت المائية ، والإهمال الذي أصاب شبكات الربط، وأعمال التخريب والربط العشوائي التي أضاعت كميات كبيرة من الماء. وما زاد الأمر سوءا أنّ الحكومات المتعاقبة لم تُعطِ الملف ما يستحقه من عناية واهتمام، ولم تتدارك الوضع قبل أن يتفاقم. وجاءت سنوات الجفاف المتتالية لتكشف حجم الهشاشة، فانخفض مخزون السدود إلى مستويات مقلقة، وتواترت الانقطاعات في عدد من الجهات، وهو ما استوجب العمل على وضع استراتيجية متكاملة و مستقبلية لتجاوز صعوبات هذه المنظومة الحيوية.
و لتجاوز هذه الوضعية اختارت تونس نهجا إصلاحيا يقوم على مواجهة الملفات المؤجلة حيث تصدّر ملف المياه سُلّم اهتمامات الدولة وتجسّد ذلك في الجانب التشريعي، إذ جرى العمل على تحيين النصوص القانونية لحماية الثروة المائية والتصدي للتعديات والربط العشوائي وتنظيم استغلال الموارد، كما انعكس هذا الاهتمام في الميدان، من خلال برامج صيانة السدود وجهر الأودية وإصلاح شبكات النقل والتوزيع للحدّ من ضياع الماء، وإحداث آبار جديدة وتسريع تراخيص الحفر والتنقيب مع إخضاعها للضوابط الفنية، يضاف إلى ذلك التوجه نحو الموارد غير التقليدية وذلك بإنشاء محطات لتحلية مياه البحر في الجهات الساحلية والجنوبية، وتمّت توسعة بعضها، مع الاعتماد أكثر على المياه المعالجة في الفلاحة.
ويندرج في هذا الإطار ما دعا إليه وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عزالدين بن الشيخ، خلال الندوة الدورية للمندوبين الجهويين للتنمية الفلاحية. فقد طالب بالتسريع في استكمال المشاريع المائية الجارية ودخولها حيز الاستغلال، بما يعزز الأمن المائي ويحسّن التغطية بالماء الصالح للشراب.
وشدّد على إحكام حوكمة الموارد المائية وضبط التوازنات، وحسن برمجة وتوزيع حصص مياه الري حسب الأولويات الإنتاجية وحاجيات المواسم الفلاحية، كما أوصى بالتدخل السريع لإصلاح الأعطاب الطارئة في شبكات الري، وبصيانة المعدات والمنشآت المائية للحد من ضياع المياه وضمان استدامة الإنتاج وكذلك الشأن بالنسبة إلى المنشآت المرتبطة بتغذية الموائد المائية، لأن صيانتها تحدّ من هبوط منسوب المياه الجوفية، كما خصّصت الندوة حيّزا لمتابعة وضعية الموارد المائية والاستعدادات لموسم الأمطار، وهو ما يعكس إدراكا بأن التخطيط المسبق هو الأساس.
وتبدو في الأفق مؤشرات مشجعة، فقد تحسّن منسوب عدد من السدود في الفترة الأخيرة مقارنة بسنوات الجفاف الأخيرة، ويتواصل إنجاز سدود جديدة وأشغال مائية كبرى، وتتجه الدولة إلى مضاعفة إنتاج المياه المحلاّة ورفع نسبة إعادة استعمال المياه المعالجة.
وتراهن الاستراتيجية المائية على مزيج متكامل يجمع بين ترشيد الاستهلاك وتعبئة المياه السطحية والجوفية والتحلية وإعادة الاستعمال، حتى لا يبقى الأمن المائي رهين تساقطات السماء وحدها. كما أن المخطط التنموي للسنوات المقبلة يعطي الماء مكانة متقدمة بين أولوياته.
ويبقى نجاح الاستراتيجية مشروطا لا بإنجاز المشاريع فقط ، بل بالمتابعة الصارمة ووضوح المسؤوليات واحترام الآجال، وبوعي المواطن الذي يقتصد في الاستهلاك ويحمي الشبكات، فكلما اجتمعت الإرادة السياسية وكفاءة الإدارة ووعي المجتمع، أمكن لتونس أن تستعيد ريادتها التاريخية في تدبير الماء، وأن تحوّل أزمة الأمس إلى فرصة لبناء منظومة مائية أكثر صلابة وثباتا تضمن لأبنائها من الأجيال القادمة حقهم في ماء كافٍ وآمن.
